الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

المرأة في جنوب الجزيرة العربية (1-3)

(الحلقة الأولى) من عادات الزواج وتقاليده

 كيوبوست- منير بن وبر

ما أن تبلغ الفتاة العاشرة من العمر حتى يبدأ العد التنازلي للدخول في مرحلة أخرى لا تشبه ما كان قبلها؛ فالألعاب التي كانت تمارسها بحرية داخل أو خارج المنزل، مثل نط الحبل وشد الحبل، سوف تصبح من الماضي، والأهازيج والأغنيات الشعبية التي كانت ترتفع بها أصواتها ستكون ذكريات عذبة جميلة.

تلك هي الصورة العامة للمرأة في جنوب الجزيرة العربية، كحضرموت وعدن، مع اختلافات طفيفة، وأحياناً كبيرة، من منطقة إلى أخرى. ومع ذلك، فإن صورة المرأة في مرحلتها المختلفة هذه ليست بالضرورة أن تكون قاتمة مثلما قد يوحي به هذا التقديم، بل هي باختصار خليط من الألوان إن جاز التعبير، وهو ما سنعرفه في هذه السلسلة القصيرة من المقالات عن حياة المرأة في جنوب الجزيرة العربية، والتي لا تعطينا دراستها فكرة عن العادات والتقاليد فحسب؛ بل تمنحنا فهماً أوسع للعلاقات الاجتماعية والتبادلات الثقافية على مستوى العالم الأوسع.

اقرأ أيضاً: كيف تؤثر الحرب في اليمن على المرأة اقتصاديًّا؟

قديماً، وإلى عهد قريب، كانت الفتاة عندما تصل إلى سن البلوغ تُقام لها حفلة مُبهجة في بعض مناطق حضرموت. يتم نقش أيدي الفتاة بالحناء، وربما قُص بعضٌ من شعرها، وتُدعى الفتيات اللاتي سبقنها بالبلوغ، أو ما يُطلق عليه محلياً في حضرموت “العذورة”. أما النساء داخل البيت فيقمن بتعقيد شعرهن من خلال تقسيمه إلى عدد كبير من الضفائر، وهي عملية تستغرق الكثير من الوقت، وغالباً ما تقوم بهذه المهمة نساء متخصصات مقابل أجرة معلومة.

راعية غنم في حضرموت جنوب شرق اليمن ترتدي اللباس التقليدي- أرشيف

خلال زيارتها إلى أحد منازل شبام حضرموت التاريخية، وصفت البريطانية دورين إنجرامز، التي زارت حضرموت خلال الفترة من 1934 إلى 1944، في كتابها “أيامي في الجزيرة العربية”، عملية التعقيد ونقش الحناء، وصفاً دقيقاً يدل على تعجبها من هذه العادة؛ خصوصاً المشقة التي ترافق تعقيد الشعر ونقش الحناء؛ لكن هذه الضفائر هي من علامات جمال المرأة ليس في حضرموت فقط بل لدى الكثير من شعوب العالم العربي، وغيرهم من شعوب العالم. يقول الشاعر نزار قباني في قصيدة “المجد للضفائر الطويلة”:

وانتقم الخليفة السفاح من ضفائر الأميرة

فقصها..

ضفيرةً.. ضفيرة..

ويواصل قباني القصيدة حاكياً وصف الأميرة ومغبة قص ضفائرها حتى يختم القصيدة:

سيمسح الزمان، يا حبيبتي..

خليفة الزمان..

وتنتهي حياته

كأي بهلوان..

فالمجد.. يا أميرتي الجميلة..

يا مَن بعينها، غفا طيران أخضران

يظل للضفائر الطويلة..

والكلمة الجميلة..

تصبح الفتاة العذراء في حضرموت قليلة الحركة، وتقضي جل وقتها في بيتها إلى أن يتقدم لها أحدهم وتدخل عالم الزوجية؛ لكن طوال الفترة التي تسبق هذه المرحلة، تبقى الفتاة بعيدة عن أنظار النساء فضلاً عن الرجال؛ فلا تختلط الفتاة غير المتزوجة بالنساء من غير نساء البيت، ولا تتزين، ولا تخرج من البيت إلا باللباس الفضفاض الذي يغطيها كاملةً بحيث لا يُرى منها سوى عينَيها، وحتى حينما تحضر حفلات زواج قريناتها فإنه تُقام لهن حفلة خاصة لا تحضرها سوى الفتيات دون النساء. ولمعالجة صعوبة التنقل خارج المنزل يتم ربط المنازل المتجاورة في بعض المناطق بجسور تربط منازل الأقارب ببعضها؛ بحيث تتمكن النساء عموماً من الانتقال من منزل إلى آخر دون الخروج إلى الشارع.

اقرأ أيضاً: أثر البيئة الإسلامية والتصوف في شعراء حضرموت

إن طريقة الانتقال عبر الجسور الصغيرة هذه لا توجد سوى في مناطق معدودة؛ مثل شبام حضرموت، والتي وصفتها الطبيبة الأوروبية إيفا هوك، التي زارت المدينة -خلال الفترة من 1947 إلى 1957- بقولها: “وتتمتع النسوة بميزة كبيرة، وهي عدم اضطرارهن إلى التحجُّب عندما يقمن بزياراتهن في هذه المنازل المترابطة، وهي زيارات تحتل القسط الأوفى من حياتهن اليومية”، وذلك في كتابها “سنوات في اليمن وحضرموت”.

رقصة شعبية من التراث العدني- أرشيف

حياة ما قبل الزواج ليست ذاتها في جميع مناطق جنوب الجزيرة العربية؛ في عدن على سبيل المثال، كانت الشابات غير المتزوجات يتمتعن بحرية أكبر من بعض الطبقات أو الفئات الاجتماعية، كان من النادر جداً أن تحظى الفتاة في حضرموت بالتعليم بعد سن البلوغ؛ لكن في عدن كانت فرص التعليم للمرأة أكبر، وكانت بعض النساء أكثر تحرراً، وإن كان أغلبهن لا يغامر بالخروج من المنزل دون برقع أو عباءة، كما تروي دورين إنجرامز في كتابها. [1]

إن بقاء الفتاة دون زواج نادراً ما يتجاوز بضع سنين؛ حيث غالباً ما تتزوج الفتاة ما بين سن الثانية والرابعة عشرة. بالنسبة إلى الشباب، تُعد رحلة البحث عن الزوجة مهمة شاقة؛ ومن المعتاد أن تقوم بهذا الدور -خصوصاً في المدن- نساء متخصصات مقابل أجرة معلومة. تختلف عادات الزواج من مكان إلى آخر، فمثلاً في بعض المناطق مثل مدينة غيل باوزير، في حضرموت، وحتى منتصف القرن العشرين تقريباً؛ لم تكن الفتاة تعلم بخطبتها، إلا بعد أن يتفق أولياء الأمور لكلا العروسَين، وتوثيق ذلك في المجلس البلدي، ثم لا تعلم الفتاة بكل ذلك إلا بغتة من خلال “الربوط”؛ حيث تأتي إحدى النساء المتمرسات وتفاجئ الفتاة بقولها “أنتِ عروسة على فلان ابن فلان”، وترمي عليها ثوباً خاصاً معلنةً بذلك أول مراسيم الزواج وتُدق الطبول والدفوف.[2]

اقرأ أيضاً: بين المساجد والمجتمع في حضرموت.. حكاية تروى

وفي عدن، التي كانت تحت الإدارة البريطانية حتى نهاية الستينيات، حددت السلطات في عام 1939م سن الزواج للفتيات بـ18 عاماً، وكان أهالي عدن يختارون الأيام المباركة للزفاف؛ مثل يوم الخميس، ويتحرون تجنب عقد القران في فترة ما بين العيدَين، وذلك كما تروي الدكتورة أسمهان العَلس، في كتابها “الموروث الثقافي للمرأة العدنية”.

أما في البوادي فيتم الزواج على أساس “الرفقة”، وهي حق الشاب من الزواج بابنة عمه؛ بل وحقه في منعها من الزواج بشخص غريب. كما أنه من المتعارف عليه ضرورة زواج ابن العم من ابنة عمه إذا لم تتزوج لأي سبب كان حتى أصبحت مهددة بالعنوسة، وتعرف هذه العادة بالـ”الحميّة” أي الأنفة والإباء والتعصب القبلي من أجل ابنة العم.[3] لكن هذه العادة التي تفرضها الأعراف البدوية، والتي ربما تقدم حلاً للعنوسة، لا توجد لدى فئات المجتمع الأخرى أو في المدن، كالمكلا وعدن مثلاً؛ بل على النقيض من ذلك، ربما وُجد من العادات ما يؤدي إلى العنوسة؛ مثل عادة الكفاءة في الزواج، والتي تعني عدم تزويج الفتاة إلا من الطبقة الاجتماعية أو الأسرة ذاتها التي تنتمي إليها، وهذه العادة توجد لدى بعض طبقات المجتمع؛ مثل السادة والمشائخ والعسكر، ونراها أكثر صرامة لدى السادة.[4]

المرأة العدنية في عقد الثمانينيات من القرن العشرين- أرشيف

كما جرى العرف على عدم تزويج الفتاة الأصغر سناً في العائلة قبل الأكبر سناً في عدن ومناطق أخرى، كما لم يكن يُسمح في حضرموت لفتاة حرة أن تتزوج عبداً؛ حيث كان الرقيق يشكلون طبقة مهمة في حضرموت، وكان الرق قانونياً حتى عام 1937م. وبشكل عام، كان يجوز للرجل أن يتزوج بمن يرغب من النساء من طبقته أو من طبقة أدنى، بينما لم يكن يسمح للبنت أن تتزوج إلا من طبقتها أو من طبقة أعلى منها.[5]

اقرأ أيضاً: عدن.. مدينة التسامح والتعايش والسلام

تختلف عادات الزواج من منطقة إلى أخرى في جنوب الجزيرة العربية؛ لكن تبقى الزغاريد ونقش الحناء ورائحة البخور وتزيين العروس بالذهب والفضة من السمات المشتركة دائماً. ففي عدن، كما تروي العَلس في كتابها، تُزين العروس في حفلة “الغسل” بلبس الثوب الحريري وتسريح الشعر وتزيِّنه بضفيرتَين وزهور الفل والريحان وحبات مصنوعة من الذهب.

وفي المناطق الداخلية من حضرموت، أو ما يُعرف بوادي حضرموت، كانت العروس تُجهز بالكثير من الأشياء، من الثياب والفروش إلى أدوات المنزل والحُلي. وفي يوم زفافها، وحتى لأيام بعد ذلك، تُزين بعدد كبير من الحلي الفضية والذهبية التي قد تزن أرطالاً.[6]

شاهد أيضاً: عدن.. خزانة العرب ومعدن التجارات (فيديوغراف)

لفتت تلك العادة المكلفة التي قد توحي بالثراء نظر الرحالة فريا ستارك، التي كتبت عنها في كتابها “البوابات الجنوبية لجزيرة العرب، رحلة إلى حضرموت عام 1934م”، عند زيارتها وادي دوعن، قائلةً: “كان لثوبها الأسود تزيينات على الصدر من فضة صلبة مضفورة مع قطن، وتدلَّى حزامها بشراريب فضية، وكان في قدمَيها الحافيتَين خلاخيل ذهبية. أربكتها عند سؤالي لها في ما إذا كان زوجها قد قبَّلها، وإذا كان قد فعل فأين، لأنها قد بدت مزينة بشكل كبير ولا تبدو أنها لُمست في أي مكان براحة”.

كما وصفت ستارك سيدة حضرمية أخرى كانت تزينها الحلي بقولها: “ما زالت سيدة جميلة عندما وصلت، مثل سفينة تحت شراع، تخشخش بشدة بالخلاخيل والحزم”[7]، وكأن ستارك تحاكي قول الشاعر دعبل الخزاعي:

خِلخالُها يُسحَبُ في ساقِها

وَقُرطُها في الجيدِ ما يَنطِقُ

تعيش المرأة في جنوب الجزيرة العربية بعد الزواج حياة أكثر حرية من فترة ما قبل الزواج، وإن كان يحكمها بالطبع العادات والتقاليد التي تضبط العلاقة بين الزوج والزوجة، وحتى بين المرأة والمجتمع، وهي عادات تتغير بمرور الزمن؛ لكنها غالباً ما تنسجم وتتلاءم مع المعتقدات والتقاليد الأكثر رسوخاً، والتي تتم المحافظة عليها وتوارثها لقرون من الزمن.

المراجع:

[1] أيامي في الجزيرة العربية، دورين إنجرامز. ص 232.

[2] عادات المرأة الحضرمية وتقاليدها، ليلى عوض بن غانم. ص 44- 45.

[3] الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية في حضرموت 1918- 1945م، بتصرف، الدكتور عبدالله سعيد سليمان الجعيدي. ص 66.

[4] لقب السادة يُطلق على الأسر من سلالة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم. أما المشائخ فيطلق على الأسر التي كان أجدادها يُعرفون بالعلم والورع، والعسكر يطلق على الأسر التي كانت تشتغل في خدمة السلطان وحمايته.

[5] أيامي في الجزيرة العربية، مرجع سابق. ص 39.

[6] عادات المرأة الحضرمية وتقاليدها. مرجع سابق. ص 104.

[7]  ص 152.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة