الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

المرأة على خشبة المسرح.. معركة لا تزال قائمة

كيوبوست

لطالما كان الإغريق سباقين في إنتاج مظاهر الثقافة، ومن إنجازاتهم العديدة كان المسرح، الذي نشأ منذ أكثر من ألفَين وخمسئة عام في اليونان القديمة. وعلى الرغم من أن الآلهة كانت تشغل حيزاً كبيراً في المسرحيات الإغريقية؛ فإن الإغريق الذين نظروا إلى المرأة بشكل دوني، نفوها من على خشبة المسرح اليوناني القديم، وكان الرجال يقومون بأدوارهن، ويتنكرون بثيابهن ويقلدون أصواتهن؛ ولكن سُمح لها بالحضور ضمن الصفوف الخلفية من المتفرجين، ومثلهم فعل الرومان.

منذ البدايات الأولى للمسرح اليوناني، وإلى اليوم، ما زالت المرأة تُثابر فنياً لشق طريقها نحو خشبة المسرح، ومن تلك المحاولات عربياً انطلاق الدورة التأسيسية الأولى للمهرجان الدولي لمسرح المرأة بعنوان “إيزيس”، والذي اعتبره النقاد فرصة كبيرة لتحفيز النساء المبدعات في مصر وخارجها، لكسر الحواجز والتعبير عن قضاياهن في إطار فني وفكري.

اقرأ أيضاً: “كوكو شانيل”.. مسرحية خارج قاعة المسرح!

الكتابة بوابة إلى المسرح

كانت مشاركة النساء بالعمل المسرحي ككل ممنوعة، وكانت بداية المشاركة من خلال الكاتبات المسرحيات وليس الممثلات، فقد تمكنت الراهبة الألمانية “هروسفيثا” من دخول المسرح خلال القرن العاشر؛ إذ اعتبرت أول كاتبة مسرحية في أوروبا. وعبر مسرحياتها قدمت “هروسفيثا” النساء على أنهن قويات ونبيلات، على عكس الصورة النمطية للمرأة في أوروبا في ذلك الوقت؛ مُنقادة وضعيفة الشخصية.

قدمت “هروسفيثا” النساء على أنهن قويات ونبيلات- greelane

ومن ضمن الكتَّاب الذين أسهموا في إشراك النساء في المسرح، كان الكاتب الإنجليزي “ويليام شكسبير” (1564- 1616)، الذي قدم بعضاً من أكثر الشخصيات النسائية قيادة في التاريخ، كروزاليند في مسرحية “كما تحبها”، وكورديليا في مسرحية “الملك لير”، وليدي ماكبث في تراجيديا “ماكبث”، وغيرهن من شخصيات بصفات استثنائية؛ كالعميقة والماكرة والشجاعة، والمُحِبَّة المخلصة مثل جولييت.

حتى مع مساهمات الكتَّاب، ظل دخول النساء إلى عالم المسرح مرفوضاً، إلا أن تطوراً مهماً حدث في القرن السابع عشر في أوروبا، الأوبرا (المسرح الغنائي)، وهنا كان من الصعب التخلي عن الصوت الأنثوي؛ لكن الفرحة لم تكتمل، ففي محاولة لإبقاء السيطرة على المرأة، رفضت الكنيسة الغناء الأوبرالي الأنثوي، اعتقاداً أن مشاركة المرأة في المسرح تقلل من عفتها، لذلك استُبدل بأصوات النساء أصوات الكاستراتي- Castrati الذكورية، التي تشبه نبرة الصوت الأنثوي.

اقرأ أيضاً: هيلين ماكروري.. نجمة المسرح والشاشة التي هزمها السرطان

الصعود إلى المسرح

كان القرن السابع عشر، قرن التغيير بالنسبة إلى المسرح؛ ففي عام 1660م، ظهر في إنجلترا أسلوب كتابي مسرحي كوميدي عُرف باسم “”Restoration comedy، والذي كان بمثابة نهضة للمسرح الإنجليزي، محدثاً تغييراً في الموقف الجماعي تجاه الفنانات، وبدعم من الملك تشارلز الثاني (م1660- 1685م)، سُمح للنساء أخيراً بأداء أعمال مسرحية كبرى.

وخلال النصف الأخير من القرن السابع عشر، ظهرت كاتبات مسرحيات محترفات في أوروبا؛ منهن “أفرا بن” و”سوزانا سينتليفري”، اللواتي طرحن من خلال مسرحياتهن موضوعات مثيرة للجدل تخص المرأة، على سبيل المثال عبرت “أفرا بن” عن ازدرائها من الزواج القسري من خلال بعض أعمالها المسرحية.

رسم لـ”أفرا بيهن” للفنان الهولندي السير بيتر ليلي- مركز ييل للفنون البريطانية

راكمت المرأة إنجازات على صعيد المسرح خلال القرون القليلة التالية؛ ففي الولايات المتحدة كان أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين فترة تقدم للمرأة في مجال الفنون المسرحية؛ فقد تمكنت الفنانات من تحقيق مكانة بارزة نسبياً تحت أضواء شارع “برودواي” في نيويورك، وهو واحد من أهم شوارع العروض المسرحية والسينما والنشاطات الثقافية في العالم.

اقرأ أيضاً:  لينين الرملي والرقابة.. قصص وحكايات لكاتب مصري

المرأة العربية والمسرح

انطلق المسرح العربي متأخراً نسبياً في لبنان بين عامَي 1847م و1871م، على يد التاجر اللبناني “مارون النقاش”، أول الداعمين للمسرح العربي، ثم انتقل إلى سوريا ومصر؛ لكنه توقف مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وظل راكداً لمدة عشرين عاماً، ثم استعاد نشاطه.

وواجه المسرح العربي موقفاً سلبياً في بداياته، ومناهضةً من قِبل رجال الدين؛ فقد كتب الشيخ سعيد الغبراء من سوريا، إلى الخديو في مصر عن موقفه من مسرح “أبو خليل القباني” في الشام عام 1870م، وعن صعود المرأة على الخشبة: “أدركنا يا أمير المؤمنين، أن الفسق والفجور قد تفشيا في الشام، فهتكت الأعراض، وماتت الفضيلة، ووئد الشرف، واختلطت النساء بالرجال”، ما اضطر القباني، رائد المسرح الغنائي العربي، إلى مغادرة بلاد الشام والتوجه إلى مصر.

الممثلة والمغنية المصرية منيرة المهدية- أرشيف

ومع أن المجتمع كان عالقاً بمحظورات الدين، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود مشاركات نسائية؛ مثل مسرحية “الهوى والوفاء” التي كتبتها الشاعرة اللبنانية زينب فواز (1860م- 1914م)، ومع أن التمثيل كان مقتصراً على فنانات عربيات من خلفيات يهودية ومسيحية، إلا أن المرأة العربية المسلمة شاركت أخيراً، وذلك عندما صعدت المغنية المصرية “منيرة المهدية” على خشبة المسرح عام 1914م؛ لكن هذه المرة كممثلة.

بالمحصلة بذلت المرأة جهوداً لضمان وجودها على خشبة المسرح، ومع ذلك لا تزال النساء ممثلات بشكل غير متساوٍ مع الرجال في المسرح، فوفقاً لـWorks By Women، “تشير التقديرات إلى أن الكاتبات المسرحيات والمخرجات والمصممات يمثلن 20٪ فقط من جميع المهنيين المسرحيين المعينين سنوياً”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة