فلسطينيات

المرأة الحديدية: ريم البنا.. ناضلت ضد المرض والاحتلال معًا ورحلت

أصيبت بالسرطان ولكنها انتصرت عليه

كيو بوست – 

بالأمس .. كنت أحاول تخفيف وطأة هذه المعاناة القاسية على أولادي ..

فكان علي أن أخترع سيناريو ..

فقلت لا تخافوا .. هذا الجسد كقميص رثّ .. لا يدوم ..

حين أخلعه ..

سأهرب خلسة من بين الورد المسجّى في الصندوق ..

وأترك الجنازة “وخراريف العزاء” عن الطبخ وأوجاع المفاصل والزكام … مراقبة الأخريات الداخلات .. والروائح المحتقنة …

وسأجري كغزالة إلى بيتي …

سأطهو وجبة عشاء طيبة ..

سأرتب البيت وأشعل الشموع …

وانتظر عودتكم في الشرفة كالعادة ..

أجلس مع فنجان الميرمية ..

أرقب مرج ابن عامر ..

وأقول .. هذه الحياة جميلة ..

والموت كالتاريخ ..

فصل مزيّف ..

بهذه الكلمات ودعت ريم البنا أبناءها والحياة معًا، بعد أن جابهت المرض وصارعته 9 سنوات، ولم تفقد أملها أو عزيمتها ليوم واحد، إلا أن المرض أنهكها، فيما قالت الوعكة الصحية الأخيرة التي ألمت بها كلمتها الأخيرة. وعلى الرغم من ذلك، وفي بداية الوعكة صرحت ريم على لسان شقيقها فارس البنا، وهي على فراش المرض، بأنها على استعداد للتحضير لألبومها ومشاريعها القادمة: “بدي أحضر للمشروع الجاي.. ألبوم جديد وجولة عروض”، ولكن يبدو أن المرض كان أقوى منها هذه المرة.

ولم يكن ما كتبته ريم يوحي بصعوبة حالتها فقط، فوالدتها الشاعرة الفلسطينية زهيرة الصباغ، كانت قد ألمحت إلى ذلك عبر تدوينة على فيسبوك، قالت فيها: “غزالتي الصغيرة البيضاء النزقة، تتحفز لتهرب نحو المرج، مرج ابن عامر الذي تعشقه حيث الأخضر الدائم، تمهلي يا غزالتي، لا تهربي، انتفضي يا حرة، وانفضي عنك، غبار السقام”. ما قالته ريم وما كتبته أمها أوجعا كل محبيها، فالروح الإيجابية التي لطالما أظهرتها في تصديها للمرض، أوحى لكل من يعرفها أنها ستهزمه في كل مرة يعود إليها.

 

صراعها مع المرض

أصيبت البنا بمرض سرطان الثدي عام 2009، لتمضي بعدها رحلة علاج طويلة، مرسومة بالابتسامة والإيجابية. وبالفعل هزمت هذه الروح المتفائلة المرض، إلا أنه عاود الرجوع إليها في يونيو/حزيران 2015 للمرة الثانية، وحينها أوضحت البنا في لقاءاتها الإعلامية أن المرض لم ولن يثنيها عن مواصلة مسيرتها الفنية الثورية، بل إنه سيزيدها عزمًا، وستنتصر عليه كما انتصرت أول مرة.

وحينها نشرت ريم صورة لها بشعرها القصير للغاية، وعلقت عليها قائلة: “هذه ليست موضة ولا صرعة ولا “نيو لوك”. إنها مرحلة جديدة من حياتي.. هي مرحلة مؤقتة.. مدتها أشهر قليلة.. فيها سأختبر نفسي للمرة الثانية.. وأعرف أنّي سأكون قادرة على اكتشاف روحي أكثر.. وقوّتي وشجاعتي بشفافية مُطلقة ومُعلَنَة”.

وأضافت قائلة: “أريدكم أن تتقبّلوني كما أنا الآن.. لأنّي في مرحلة علاج كيماوي جديد.. تمامًا كالعلاجات السابقة التي أخذتها لمدة 6 سنوات.. لا جديد في الأمر.. وصحتي جيدة ومستقرّة.. الفرق فقط.. هو أن هذا العلاج أفقدني شَعري.. لكنّه لم يُفقدني ابتسامتي.. ولا روحي المرحة المفعمة بالتفاؤل والحب والحلم”.

وفي إصرار على هزيمته كما الهزيمة الأولى، قالت: “سأتجاوز هذه الفترة بسلام.. وسأنتصر على مرض سرطان الثدي المشاكس كما انتصرت في السابق.. وها أنا الآن أقترب من الشفاء.. لأنني قررت ذلك.. ولأنّي أحب الحياة.. ولأنّي أحب الناس.. ولأنّي أريد أن أغني أكثر وأقدّم لشعبي ولبلدي أكثر”.

وكأن السرطان لم يكن يكفي، ففي 2015 أصاب الشلل الوتر اليساري حنجرة ريم، لتتوقف عن الغناء لحين العلاج، وهنا بدأت رحلة أخرى في سبيل إعادة صوتها المقاوم.

وتعد البنا إحدى أشهر النساء المؤثرات في الوطن العربي، نظرًا لرحلتها الطويلة والصعبة مع المرض، التي قابلتها بكل عزيمة وإصرار على هزيمته.

 

حياتها الفنية

توصف ريم البنا بصوت النضال الفلسطيني الملتزم، فمنذ سن العاشرة برزت لديها موهبة الغناء، لتتخصص في الغناء الحديث، وقيادة المجموعات الموسيقية في المعهد العالي للموسيقى في موسكو لـ6 سنوات، ثم أصدرت ألبومها الأول “جفرا” عام 1985. ومنذ ذلك الحين واصلت مشوارها الإبداعي، فأصدرت 13 ألبومًا طغى عليها الطابع الوطني، وتنوعت ما بين أغانٍ للأطفال، وترنيمات مسيحية، وتهاليل فلسطينية تراثية ممزوجة بالموسيقى العصرية. ويعد ألبوم “مزايا الروح” من أبرزها ألبوماتها، نظرًا لما قدمته للأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال في أغاني هذا الألبوم.

وكرمت البنا خلال مسيرتها بجوائز كثيرة أبرزها: شخصية العام وسفيرة السلام في إيطاليا عام 1994، وشخصية العام من وزارة الثقافة التونسية 1997، وفي عام 2000 جائزة فلسطين للغناء، وجائزة ابن رشد للفكر الحر 2013.

 

نضال ضد الاحتلال

عندما نعت وزارة الثقافة الفلسطينية ابنة مدينة الناصرة، أشارت إلى أن أعمالها شكلت قيم الصمود والبناء والعمل، فقد اختصرت كل ما يمكن قوله عن فلسطين والنضال والمرأة الفلسطينية بفنها، وحملت وطنها وقضيتها أينما ذهبت في مهرجاناتها أو لقاءاتها الإعلامية حول العالم، على الرغم من محاولة الاحتلال بكل ما استطاع إيقاف صوتها ومضايقتها.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة