الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

المحور الأمريكي في شرق آسيا

كيوبوست- ترجمات

مارك كوكيس♦

لا شك في أن الوقت قد حان بالنسبة للولايات المتحدة لاستخلاص العبر مما أدت إليه سياسات حلف شمال الأطلسي في أوروبا الشرقية، والاستفادة من هذه العبر في سياساتها تجاه الصين. وفي هذا الشأن كتب مارك كوكيس، أستاذ العلوم الاجتماعية، والزميل غير المقيم في معهد كوينسي، مقالاً نشره موقع “ريسبونسيبل ستايتكرافت”.

يشير كوكيس، في مطلع مقاله، إلى أن بوتين والقادة الروس لديهم الآن، وأكثر من أي وقتٍ مضى، أسباب للشعور بأنهم محاصرون، بعد تحرك السويد وفنلندا للانضمام إلى حلف الناتو، وأصبحوا يشعرون بخوفٍ حقيقي من اعتداء غربي على حدود روسيا في أعقاب حربها مع أوكرانيا.

اقرأ أيضاً: ماذا يريد بوتين من أوكرانيا؟ روسيا تسعى لوقف توسع الناتو

وفي عودة إلى التاريخ غير البعيد، يذكِّر كوكيس بالجدل الذي دار في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي. رأى البعض أن دول أوروبا الشرقية ستكون معرضة لتهديدٍ مستقبلي سيظهر بعد أن تقف روسيا على قدميها من جديد، بينما جادل آخرون بأن روسيا ستتحول إلى دولة متعاونة منزوعة السلاح إلى حد كبير، وستندمج مع أوروبا، وبالتالي لم يعد هنالك مبرر لوجود حلف الناتو.

إن تذكُّر هذا الجدل هو أمر في غاية الأهمية عند النظر في تصرفات الولايات المتحدة، وحلفائها في شرق آسيا، ففي التسعينيات لم يكن واضحاً ما إذا كانت روسيا سوف تعيد إحياء طموحاتها العسكرية، ولكن المؤكد أنها اعتبرت توسع الناتو تهديداً أمنياً.

وبالمثل، فاليوم لا يزال من غير الواضح ما إذا كان لدى الصين طموحات عسكرية إمبريالية، كما يزعم كثيرون في واشنطن، ولكن القادة الصينيين عبروا مراراً عن أنهم يرون في توسيع الوجود العسكري الأمريكي في آسيا تهديداً وجودياً لبلادهم.

المقر الرئيسي لحلف شمال الأطلسي “الناتو” في بروكسل- وكالات

وهذا تصور مشابه تماماً لذلك الذي كان سائداً في موسكو، ولا شك في أن القادة الصينيين لديهم أسباب وجيهة تدفعهم للتفكير والتصرف، كما فعل نظراؤهم الروس في مطلع القرن الحالي، في بناء قدراتهم العسكرية. ولا شك أن الطريق إلى حربٍ مستقبلية في آسيا تبدو مشابهة بشكلٍ كبير لتلك التي نشأت قبل 25 عاماً في أوروبا، وأوصلت إلى الحرب في أوكرانيا.

حصل أهم توسع للحلف منذ إنشائه في عام 1999 عندما انضمت إليه كل من هنغاريا وبولندا والتشيك -وهي دولٌ كانت أعضاء في حلف وارسو- في خطوةٍ يرى كثيرون أنها حسمت مستقبل الحلف كقوة دفاعية في وجه الطموح العسكري الروسي.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن إنقاذ النظام العالمي لفترة ما بعد الحرب العالمية؟

وفي عام 2004 جاء التوسع الكبير الثاني الذي أوصل الحلف إلى حدود روسيا، مما دفعها إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكلٍ كبير، الأمر الذي أثار قلق جيرانها من خارج الناتو، وخاصة أوكرانيا.

وهكذا نشأت الدوامة، فقد دفع توسع الناتو روسيا لزيادة قوتها العسكرية، وهذا ما دفع بدوره المزيد من الدول إلى طلب الانضمام إلى عضوية الناتو.

واليوم بدأت نفس هذه الدوامة بالتشكل في بحر الصين الجنوبي، ومن المؤكد أن الصين سوف تنظر إلى أي محور أمريكي في المنطقة على أنه تهديد عسكري مباشر لوجودها، في مشهدٍ يشبه إلى حد كبير المشهد الأوروبي عام 1999، مع فارق واحد هو أن الحرب في آسيا من المرجح أنها ستأتي أسرع بكثير. فالمنطقة تدخل في سباق تسلح، والصين تمتلك جيشاً هائلاً قادراً على مواجهة القوات الأمريكية في بحر الصين الجنوبي. ولعبة الحرب هذه ستحمل كارثة لجميع الأطراف.

تقدمت كل من فنلندا والسويد بطلبات للانضمام إلى حلف الناتو- أرشيف

يرى كوكيس أنه على الرغم من أن هذه الحرب لن تصل إلى اجتياح بري أو تبادل نووي، وستنحصر في البحر والجو، وهذا يعني أن طرق التجارة في المحيط الهادي سوف تتقطع مما سيتسبب في خسائر هائلة للولايات المتحدة والصين، بل للعالم بأسره. كما أن انهيار العلاقات الاقتصادية بين البلدين سوف يتسبب بأكبر صدمة اقتصادية تشهدها الولايات المتحدة منذ الكساد الكبير. وسوف تختفي الكثير من السلع من أسواق الولايات المتحدة مع اختفاء الواردات الصينية التي يتجاوز حجمها 440 مليار دولار سنوياً، وكذلك ستتلاشى 9 مليارات من الاستثمارات الصينية، ناهيك عن تراكم ما قيمته 122 مليار من السلع الأمريكية التي كانت تصدر إلى الصين، وسينخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 10%.

يخلص كوكيس إلى أن احتمال وقوع هذ السيناريو الكارثي سيزداد كل يوم ما لم يتعلم صناع السياسة الأمريكيون من الحرب التي تجري في أوكرانيا أنه لا بديل عن السلام، وأنه لا بد من إيجاد طريقةٍ لوقف الديناميكيات الحالية، ولوقف تدفق الأسلحة إلى المنطقة، والسعي إلى التوصل لاتفاق تعاون أمني مع بكين، بدلاً من السير ببطء نحو حربٍ متوقعة يمكن تجنبها.

♦أستاذ العلوم الاجتماعية، وزميل غير مقيم في معهد كوينسي.

المصدر: ريسبونسيبل ستايتكرافت

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة