الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

المحصلة صفر

المنطق المدمر الذي يهدد العولمة

كيوبوست – ترجمات

أدى النظام الاقتصادي العالمي الذي كان يسير منذ عام 1945 وفقاً للقواعد والمعايير التي أقرتها الولايات المتحدة الأمريكية إلى تكامل اقتصادي غير مسبوق، عزز النمو وساعد الغرب على الانتصار على روسيا السوفييتية في الحرب الباردة. ولكن هذا النظام بات اليوم في خطر، حيث تتسابق الدول نحو الصناعة الخضراء وتقييد تدفق رؤوس الأموال والابتعاد عن المنفعة المتبادلة، ولتتوجّه بدلاً من ذلك إلى المكاسب الوطنية. وقد زاد من الضغوط التي يتعرض لها النظام الدولي تراجع الولايات المتحدة عن اهتمامها بالحفاظ عليه بعد الأزمة المالية التي مرت بها بين عامي 2007 و2009.

ومؤخراً وجهت سياسة الرئيس بايدن بالتخلي عن قواعد السوق الحرة ضربة جديدة لها، حيث أطلقت الولايات المتحدة حملة إعانات ضخمة وصلت إلى 465 مليار دولار للطاقة الخضراء والسيارات الكهربائية وأشباه الموصلات، شريطة أن يكون الإنتاج محلياً. كما يحظر المسؤولون الرسميون تدفق المزيد من الصادرات – ولاسيما الرقائق الإلكترونية المتطورة ومعدات تصنيعها – إلى الصين.

يعتقد كثيرون في واشنطن أن هذه السياسة الصناعية الهجومية يمكن أن تساعد في تعزيز الهيمنة التكنولوجية الأمريكية على الصين، كما تعكس الأمل في أن تدخُّل الحكومة قد ينجح حيث فشلت الشركات الخاصة في إعادة التصنيع إلى الأراضي الأمريكية.

ولكن النتيجة المباشرة كانت اندلاع دوامة خطيرة من السياسات الحمائية في جميع أنحاء العالم. حيث قدمت العديد من الدول حوافز اقتصادية للشركات الخاصة فيها للاستثمار في بناء مصانع الرقائق الإلكترونية، كما بدأت الدول التي تمتلك المواد الخام اللازمة لصنع البطاريات بوضع ضوابط لتصدير هذه المواد حيث حظرت إندونيسيا تصدير النيكل، وبدأت الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي بالعمل على التعاون في استثمار مناجم الليثيوم بطريقة مشابهة لعمل منظمة أوبك.

اقرأ أيضاً: توقعات ستراتفور السنوية.. كيف يبدو العالم في 2023؟

أصبح الصراع الاقتصادي مع الصين حتمياً مع تزايد انخراط الصين في الاقتصاد الدولي وهجرة مليون فرصة عمل صناعية من أمريكا إلى الصين، الأمر الذي أدى إلى تخلي أمريكا عن حب العولمة. واليوم تشعر إدارة بايدن بقلق شديد من تزايد اعتماد الولايات المتحدة على الصين في إنتاج البطاريات بشكل مشابه لاعتماد أوروبا على الغاز الروسي، كما يشعر الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء بالقلق من فقدان الريادة في صناعة الرقائق الإلكترونية لصالح تايوان سوف يقوض قدرتها على تطوير استخبارات ذكية في وقت تعتمد فيه جيوش المستقبل على التخطيط العسكري الاستراتيجي وتوجيه الصواريخ.

يرى البعض أنه ينبغي منع الصين من أن تصبح دولة غنية، وكأن إفقار 1.4 مليار شخص هو أمر أخلاقي أو من المحتمل أن يضمن السلام، بينما يفكر البعض بطريقة أكثر حكمة، ويرون أنه ينبغي زيادة مرونة الولايات المتحدة الاقتصادية والحفاظ على تفوقها العسكري، ويرون أن إعادة التصنيع إلى داخل البلاد ستعيد إحياء رأسمالية السوق، وكل ذلك من شأنه أن يمكن الولايات المتحدة من الحفاظ على موقعها في منافسة الدول الأخرى.

تضاعف حجم صناعة الرقائق الالكترونية في الصين على الرغم من استمرار الحرب الاقتصادية … فيرديكت

ولكن كلتا وجهتي النظر هما تفكير مضلل، فحتى إذا أعيد إحياء الصناعة الأمريكية فمن المرجح أن تأثير ذلك في العالم سيكون في إحداث ضرر كبير من خلال تهديد الأمن العالمي وإعاقة النمو ورفع كلفة التحول الأخضر. ومن المشاكل التي سترافق مثل هذه التوجهات هي التكاليف الاقتصادية الإضافية التي ستنتج عن التحول نحو التصنيع في الداخل، الأمر الذي سيؤدي إلى رفع الأسعار والإضرار بالفقراء أكثر من غيرهم. كما أن اعتماد سلاسل التوريد الخضراء سيزيد من التكاليف وسيجعل الفطام عن الكربون أكثر تكلفة لأمريكا وللعالم. أما المشكلة الثانية فتكمن في غضب الأصدقاء والحلفاء. فقد كانت عبقرية الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية تدرك أن مصلحتها تكمن في دعم الانفتاح في التجارة العالمية، ونتيجة لذلك سعت نحو العولمة. واليوم تبدو الولايات المتحدة بحاجة إلى الأصدقاء أكثر من أي وقت مضى، فالحظر الذي فرضته على الصادرات إلى شركات إنتاج الرقائق في الصين لن يحقق هدفه إلا إذا رفضت شركة ASML الهولندية وشركة Tokyo Electron اليابانية تزويد الصين بالمعدات. وبالمثل فإن سلاسل توريد صناعة البطاريات ستكون أكثر أماناً إذا ما عمل العالم الديمقراطي ككتلة واحدة، ومع ذلك فإن الحمائية الأمريكية تثير غضب الحلفاء في أوروبا وآسيا.

اقرأ أيضاً: الصين خسرت الهند

ولا بد لأمريكا أيضاً من استمالة القوى الاقتصادية الناشئة. بحلول عام 2050 ستكون الهند وإندونيسيا ثالث ورابع أكبر اقتصادات العالم، وكلتاهما دولتان ديمقراطيتان ولكنهما ليستا صديقتين مقربتين لأمريكا. وبحلول عام 2075 ستكون نيجيريا وباكستان قد اكتسبتا نفوذاً اقتصادياً كبيراً أيضاً، وإذا ما طالبت الولايات المتحدة مثل هذه الدول بالضغط على الصين دون السماح لها بالوصول الكافي إلى الأسواق الأمريكية فلا شك أن هذه القوى الصاعدة سوف ترفض طلبها.

ويبقى القلق النهائي هو أنه كلما توسع الصراع الاقتصادي ازدادت صعوبة معالجة المشاكل التي تتطلب تعاوناً دولياً مثل مساعدة الدول الفقيرة على التخلص من الكربون. وإذا لم تتمكن الدول من التعاون لحل مثل هذه المشاكل فإن حلها سيكون مستحيلاً وسيعاني العالم بأسرة من تبعات ذلك.

ربما يبدو إنقاذ العولمة أمراً مستحيلاً في ظل تحول السياسة الأمريكية نحو الحمائية، لكن مساعدة الكونجرس لأوكرانيا تظهر أن الناخبين ليسوا في معزل عن السياسة العالمية، وتشير الدراسات الاستقصائية إلى أن شعبية التجارة الحرة بدأت بالتعافي، وهنالك دلائل على أن إدارة بايدن بدأت تستجيب لمخاوف الحلفاء بشأن سياساتها الاقتصادية. ومع ذلك، فإن إنقاذ النظام الاقتصادي العالمي سيتطلب قيادة أمريكية أكثر جرأة ترفض مرة أخرى الوعد الزائف بالتفكير الصفري. ولا يزال هنالك ما يكفي من الوقت لتحقيق ذلك قبل أن ينهار النظام العالمي تماماً بشكل يلحق الضرر بسبل العيش ويعرض أسباب الديمقراطية الليبرالية ورأسمالية السوق للخطر.

المصدر: ذا إيكونوميست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة