الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون عربية

المجموعات الراديكالية المتناحرة تقود إلى حروب أهلية، لبنان نموذجًا

نظرة قريبة على التحذير اللبناني

ترجمة كيو بوست –

المصدر: مجلة عين أوروبية على التطرف، بقلم المفكر الدانمركي من أصول لبنانية، أحمد عكاري.

عندما أتحدث أو أسمع حديثًا حول الاضطرابات الحاصلة بين الأقليات المسلمة في الغرب، غالبًا ما يكون التركيز على العصابات أو الأحزاب الإسلامية. في هكذا سياق، أتذكر وضع المجتمع اللبناني قبل اندلاع الحرب الأهلية الكارثية عام 1975. عند النظر في مجموعات المهاجرين في المجتمعات الغربية، ينبغي عدم إغفال الظروف التي قادت إلى الحرب الأهلية اللبنانية. من شأن فهم القضايا التي أحاطت بأزمة اللاجئين المشابهة من ناحية الأبعاد السياسية والدينية والقومية، أن يساعد في تسهيل التحليل عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع التحديات في الغرب.

اقرأ أيضًا: العصابات الإسلاموية في الغرب: استذكار شبح الحرب الأهلية اللبنانية

عند النظر إلى الفترة التي سبقت الحرب الأهلية، ما بين 1968 و1975، سنجد مجتمعًا ليبراليًا ذا أداء وظيفي عال يزدهر بجوار البحر الأبيض المتوسط. كان ذلك المجتمع مبنيًا على تفكير علماني، ممزوج باحترام عميق للقيم الدينية، ثم أدى إلى ثقافة تعايش حقيقية. كان الاقتصاد ينمو والجامعات تزدهر، وقد أحب الغربيون ذاك المجتمع كثيرًا، فقد كان لبنان مقصدًا كبيرًا للسياحة. ومع كل ذلك، كانت هناك كارثة تتشكل بسبب الصراع في وجهات نظر اللبنانيين، ومجموعات المهاجرين، والعصابات والمجموعات المتطرفة، والثوريين الفلسطينيين.

وصل الفلسطينيون كلاجئين من الحرب الإسرائيلية – الفلسطينية، وجرى وضعهم في مخيمات مؤقتة بعد أزمة عام 1948. وبمرور الوقت، تضخمت أعدادهم، وعاشوا فيما بينهم، وشكلوا علاقات بين أفراد وجماعات ذات خلفية مماثلة. ثم وصلت منظمة التحرير الفلسطينية بقضيتها التحررية، ونظمت مظاهرات مفتوحة في شوارع بيروت وصيدا، وعرضت أسلحتها وقوتها، وأعلنت أنها ستحسم الصراع مع إسرائيل من الأراضي اللبنانية. جرى إسكات اللاجئين الفلسطينيين بشكل رئيس في دول صارمة في المنطقة، مثل سوريا والعراق والأردن، بينما تمكن الفلسطينيون في لبنان من استخدام قوانين أكثر ليبرالية، واستفادوا من قيم التسامح والتعاطف اللبنانية، ليصبحوا صوتًا سياسيًا مستقلًا ومنظمًا.

في تلك المرحلة، أصبح دور الميليشيات، والمجموعات الراديكالية من مختلف أنواعها، واضحًا قبل الحرب وأثنائها، فقد كانت عاملًا رئيسًا في مجرى الحرب. وقد نبع التهديد الهائل للمجتمع المدني من القرارات السابقة، التي تركت جيوب العصابات والمجموعات السياسية المتناحرة تنمو في إطار السيادة اللبنانية الليبرالية العلمانية. وببساطة، ازدادت قوة الميليشيات والعصابات، سواء اليسارية أو الإسلامية أو اليمينية، وتمكنت من دفع أجندتها بشكل كبير. ومن الجدير بالذكر أن معظم المجتمع المدني لم يشارك بنشاط في الحرب، ولم يدعم الأحزاب المتحاربة، بل وقف إلى جانب الجيش ودعم الرئيس ورئيس الوزراء، إلا أن جميع جهود إنهاء الحرب فشلت مرارًا وتكرارًا.

وقد كان العامل الهام في هذا السياق هو التدخل السري من قبل بلدان أكبر في المنطقة، مثل سوريا والعراق وإيران وليبيا. وقد انخرطت هذه الدول في تدخلات سرية، ولعبت لعبة الشطرنج بجنود تسيطر عليهم في لبنان، ما أدى إلى آثار مدمرة. وقد جرى إفساد كل محاولة لإنهاء النزاع بواسطة سيارة مفخخة أو عملية اغتيال، وأصبح مقاتلو العصابات بمثابة أذرع طويلة لبلدان أجنبية. وهكذا، كلما احتاجت قوة إقليمية ممارسة الضغط على منافس، أو إحباط اتفاقية لا تعجبها، كلما عملت على تنشيط عصابة أو مجموعة لارتكاب أعمال استفزازية ضد مجموعات معارضة. ونتيجة لذلك، دفع المدنيون والسياسيون الثمن، كما دفعت أمة لبنان كمجتمع نام مسالم الثمن الباهظ.

اقرأ أيضًا: عصابات وجماعات إسلامية أيديولوجية في الغرب تعمل كأذرع طويلة لدول أجنبية

وفي نهاية المطاف، انزلقت السيطرة تمامًا من أيدي الجيش اللبناني، وانقسمت الولاءات انقسامًا شديدًا وفقًا للتوجيهات السياسية أو الدينية. وقد كانت الحرب في طريقها إلى كارثة أكبر، لتتحول من صراع إقليمي إلى أزمة دولية.

وباختصار، انهار النظام السياسي والديمقراطية الليبرالية في لبنان خلال الحرب؛ لانعدام الاستعدادات لمثل هذا السيناريو الوحشي آنذاك. لم يكن أمام الحكومة اللبنانية سوى القليل من الوقت للتصرف والاستجابة، بعد أن سهلت المخابرات اللبنانية على العصابات والمجموعات المتطرفة مهمة تأمين مساحة لنشاطاتها الوحشية بشكل غير مباشر.

وكما ذكرت في مقالاتي السابقة، أوروبا الغربية ليست لبنان، والوضع ليس سيئًا للغاية، لكن الحكومات المعادية لا تزال تنشط في الظل، وأوجه التشابه موجودة بالفعل، وكذلك المخاطر، ولا بد من تحليلها وإدارتها بعناية فائقة.

 

المصدر: مجلة عين أوروبية على التطرف

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة