الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

المجتمع الإيراني متعدد الأعراق وخوف طهران من الديمقراطية!

كيوبوست – ترجمات

د. بريندا شافير♦

لم يكن القرن العشرون رحيماً بالإمبراطوريات متعددة الأعراق؛ فخلال ذلك الوقت انتقل معظم سكان العالم من رعايا إلى مواطنين. وفي معظم الإمبراطوريات؛ حيث حكمت مجموعة من غير الأغلبية مجموعات عرقية أخرى، انفصلت المجموعات العرقية من المرتبة الثانية عن السيطرة المركزية. وإيران هي واحدة من الدول الاستثنائية القليلة؛ حيث كانت محصنة ضد موجات الديمقراطية التي اجتاحت معظم أنحاء العالم خلال القرن العشرين، وحافظت على سيطرتها على مناطق شاسعة وأقليات لا تتمتع بالحقوق نفسها؛ مثل الجوهر الفارسي.

اقرأ أيضاً: الثورة الإيرانية التالية: لماذا يجب على واشنطن أن تسعى لتغيير النظام في طهران؟

ويتكون أكثر من نصف سكان إيران من الأقليات العرقية غير الفارسية؛ مثل الأذربيجان والأكراد والعرب والتركمان والبلوش وغيرهم. ومعظم الأقاليم الحدودية الإيرانية مأهولة بهذه الجماعات العرقية غير الفارسية، والتي لها روابط مع عرقيات مشتركة في الدول المجاورة. ولعل خوف طهران من فقدان إمبراطوريتها الداخلية يقيد حركة إيران نحو الديمقراطية. ومثل غيرها من الإمبراطوريات متعددة الأعراق، تواجه إيران معضلة الديمقراطية. ففي الدول متعددة الأعراق؛ حيث تهيمن مجموعة من غير الأغلبية على الآخرين، ينطوي التحول الديمقراطي على خطر فقدان الإمبراطورية.

وبالطبع، يعمل القمع العنيف كرادع للجماعات العرقية، ويمنعها من السعي إلى الحكم الذاتي مع عمليات الإصلاح والتحول الديمقراطي، وبالتالي زوال التهديد بالموت والسجن والتعذيب، وغالباً ما تسعى الجماعات التي هيمن عليها الآخرون إلى الاستقلال. في حين تخلق الحرب الأهلية في عملية تغيير النظام أو انهياره أيضاً فرصة لتحقيق الحكم الذاتي، مع تداعي النخبة الحاكمة جراء المعارك الداخلية، وحتى الجماعات التي لم تكن لديها حركات استقلال قوية غالباً ما تنتهز اللحظة، وتنفصل عن المركز الحاكم. وهكذا، ترتبط اتجاهات التحول الديمقراطي مع فقدان الإمبراطورية.

اقرأ أيضاً: تحركات لنظام الملالي جعلت الفقر يستشري في إيران

بين موسكو وطهران

وبفضل هذا الارتباط، غالباً ما أدى التهديد بفقدان الإمبراطورية إلى سحق برامج الإصلاح لمختلف الإمبراطوريات والدول متعددة الأعراق. ففي كل مرة بدأ الاتحاد السوفييتي إصلاحات داخلية جادة بعد الحرب العالمية الثانية، اندلعت حركات احتجاج قوية في أوروبا الشرقية؛ على أمل الاستفادة من انفتاح موسكو الجديد لاستعادة حريتهم. وقمعت موسكو بعنف هذه التحديات لسيطرتها على أوروبا الشرقية، ومن ثمَّ أنهت الإصلاحات المحلية التي حفزت النشاط المناهض للسوفييت.

نساء إيرانيات في الملاعب الرياضية لأول مرة منذ 40 عاماً – موقع “إيران بروجكت”

وعلى العكس من ذلك، وفي أواخر الثمانينيات، لم تقُم موسكو بقمع التحدي الذي واجه حكمها في أوروبا الشرقية الذي ظهر خلال فترة جورباتشوف وحافظت على إصلاحاتها. ونتيجة لذلك، انتهى الأمر بروسيا إلى فقدان إمبراطوريتها الداخلية؛ بما في ذلك أراضٍ كان الروس يسيطرون عليها لمئات السنين.

ونجد كلا النظامَين الحاكمَين لإيران في القرن العشرين -النظام الملكي البهلوي والجمهورية الإسلامية- قد قمعا الأقليات العرقية في إيران، ولم يسمحا لها باستخدام لغاتها في المدارس والمؤسسات الحكومية. وعلى الرغم من وجود توجهات أيديولوجية واستراتيجية مختلفة إلى حد كبير بينهما، فقد منح النظامان الهيمنة للفرس؛ بما في ذلك الاستخدام الحصري للغة الفارسية.

اقرأ أيضاً: نساء إيرانيات يكسرن “محرمات” الاغتصاب على الشبكات الاجتماعية

وفي العامَين ونصف العام الماضية، اندلعت مظاهرات واسعة وأنشطة مناهضة للنظام في إيران. وتعتبر هذه المظاهرات استثنائية في تاريخ الجمهورية الإسلامية؛ حيث شملت جميع الطبقات الاقتصادية والقطاعات المهنية المتعددة وتقريباً جميع الأقاليم والمدن الكبرى في إيران. وتختلف مطالب هذه الاحتجاجات عن المطالب السابقة الموجهة ضد الجمهورية الإسلامية؛ فهي لا تدعو إلى تغيير السياسة أو الاحتجاج على نتيجة انتخابات، ولكنها موجهة ضد النظام نفسه وتدعو إلى إنهائه.

احتجاجات على ارتفاع أسعار الغاز على طريق سريع بطهران- إيران 2019- “رويترز”

وبسبب تهديد وباء “كورونا” الذي ضرب إيران بشدة، خفَّت حدة الاحتجاجات المناهضة للنظام. غير أنه بمجرد أن ينحسر الخطر الصحي، من المحتمل أن تندلع الاحتجاجات مرة أخرى. وتذكرنا أخطاء النظام الأخيرة -إسقاط طائرة تجارية، وإطلاق النار على سفن بحرية، وسوء إدارة لأزمة كورونا– بأنواع الحوادث المؤسفة التي شهدها الاتحاد السوفييتي في السنوات الأخيرة، ويبدو أنها علامات على ضعف النظام.

فقدان الإمبراطورية

غير أن الخوف من فقدان الإمبراطورية يقيِّد الحركة الديمقراطية في إيران. وتنضم معظم جماعات المعارضة الإيرانية الرئيسة إلى النظام الحاكم في رغبته في الحفاظ على هيمنة الفرس واللغة الفارسية في إيران. ويستخدم النظام بمهارة هذه الحقيقة لمصلحته، محذراً جماعات المعارضة من أن تغيير النظام يخاطر بفقدان إمبراطورية إيران الداخلية.

اقرأ أيضاً: صور القبور الجماعية في “قم” الإيرانية تفضح أكاذيب النظام بشأن “كورونا”

ويبدو أن كلاً من جبهات المعارضة الرئيسة والنظام على دراية بأن التحول الديمقراطي يمكن أن يؤدي إلى خسارة إمبراطورية إيران الداخلية، كما حدث في العديد من الأماكن. وفي الواقع، سيكون من الصعب على حكومة ديمقراطية في إيران تفسير سبب سماحها بالحريات المختلفة، مثل حرية النوع الاجتماعي، والحرية الدينية، وعدم سماحها بالحرية الثقافية واللغوية لنصف السكان. إذا لم يسمح نظام جديد بهذه الحريات، فسيحتاج على الأرجح إلى قمع الأقليات بعنف، وإنهاء الديمقراطية بشكل فعال.

مسيرة لإيرانيين في برلين تدعو المجتمع الدولي إلى دعم حرية إيران- المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ويدَّعي النظام الحاكم في إيران، وآراء الباحثين السائدة، أن إيران في الواقع دولة استثنائية وموحدة باعتبارها فسيفساء واحدة كبيرة سعيدة؛ حيث تحدد معظم الأقليات العرقية في إيران هويتها على أنها إيرانية. وهم يشيرون إلى الأعداد الكبيرة من العائلات المختلطة عرقياً، وأيضاً إلى حقيقة أن معظم سكان إيران متحدون تحت الهوية الشيعية. وبالإضافة إلى ذلك، تسمح الجمهورية الإسلامية لأفراد الأقليات العرقية بالوصول إلى السلطة إذا كانوا على استعداد للتخلي عن ثقافتهم الأصلية.

اقرا أيضاً: مستقبل النفوذ الإقليمي لتركيا وإيران في الوطن العربي

وفي الواقع، ينحدر الزعيم الإيراني علي خامنئي نفسه من عائلة مختلطة عرقياً ويتحدث الأذربيجانية، في حين أن القائد العسكري الإيراني علي شمخاني، من أصل عربي؛ مما يشير إلى أن أفراد الأقليات العرقية يمكن أن يرتقوا إلى مراتب عالية في النظام. والعوامل الأخرى التي تعمل لصالح إيران في الحفاظ على تماسك البلاد هي أن الجمهورية الإسلامية ليست فيدرالية أو كونفيدرالية، كما أن الجماعات العرقية ليست مركزة في أقاليم خارج البلاد.

وغالباً ما تسهل هذه الهياكل تفكك الإمبراطورية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن معظم جيران إيران لا يؤيدون تغيير حدودها، ويعمل البعض، مثل تركيا والعراق، بنشاط لمعارضة ذلك من خلال الهجمات المنسقة مع طهران على الأكراد. وكحماية إضافية، يقوم النظام الحاكم في إيران بتعيين حكام ورؤساء أجهزة الأمن المحلية من غير مواطني المناطق التي يحكمونها، والذين لا يتحدثون اللغات المحلية عادةً.

تنفيذ حكم الإعدام على الملأ لسجناء في سجن جوهاردشت الذي يقع شمال غرب طهران 2016- موقع “إيران بروجكت”

وهكذا، على عكس ما حدث أثناء تفكك الاتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا، هناك عدد قليل من القادة المحليين في مواقعهم ممن لديهم مصلحة في الانفصال عن المركز. وبالإضافة إلى ذلك، هناك اقتتال بين العديد من جماعات الأقليات للسيطرة على الأراضي والموارد الأخرى في المناطق المشتركة؛ مثل الأكراد والأذربيجانيين في مقاطعة أذربيجان الغربية بإيران. وطهران ماهرة جداً في تأجيج هذه الصراعات.

ثمن التحول الديمقراطي

في الوقت نفسه، تشن الحركات ذات المنشأ العرقي هجمات عنيفة منتظمة على النظام ومؤسساته. كما أن التفاوت الاقتصادي بين الجماعات العرقية يمزق إيران. فالأقاليم المأهولة بالأقليات العرقية هي الأكثر فقراً، ولديها مستويات أقل من الخدمات الحكومية وبنية تحتية أقل جودة من المركز الفارسي. وحتى إمدادات المياه غير مستقرة في المناطق المأهولة بالعرب والأكراد والبلوش. وبينما قد تكون العائلات المختلطة إثنياً في إيران شائعة في المدن المركزية، فإن هذا ليس الحال في الأقاليم، حيث تسود اللغات والثقافات المحلية.

اقرأ أيضاً: الإيرانيون الفارون من البلاد.. مستويات غير مسبوقة تنذر بالخطر

وعلاوة على ذلك، تعمل وسائل الإعلام الاجتماعية وغيرها من وسائل الإعلام الجماهيرية على تعزيز إحياء الهوية العرقية واللغوية؛ حيث يشاهد معظم الأقليات في إيران التليفزيون ويتلقون أخبارهم بلغاتهم الأصلية عبر القنوات الفضائية أو الإنترنت، وليس من وسائل الإعلام الفارسية التي تسيطر عليها الحكومة في طهران. ومن خلال وسائل الإعلام الأجنبية، والسفر إلى البلدان المجاورة، والتفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، يكتسب الكثيرون الوعي العرقي والفخر بالهوية.

رجل إيراني يواجه شرطة مكافحة الشغب خلال مظاهرة خارج جامعة أمير كبير بطهران.. يناير 2020- “أسوشييتد برس”

وعلى النقيض من ذلك، غالباً ما تقدم وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية صوراً سلبية للغاية لأعضاء الجماعات العرقية استناداً إلى الصور النمطية الشائعة على نطاق واسع. وقد استوعبت الأجيال السابقة في إيران إلى حد كبير رسائل نظام بهلوي بأن الأقليات العرقية أدنى من الأمة الفارسية العظيمة التي تحكمهم؛ لكن الأمر لم يعد كذلك.

ففي العامين الماضيين، وفي مواجهة معارضة متزايدة اتسم بعضها بالعنف، تحول النظام الحاكم في إيران إلى تعزيز الرسائل القومية الفارسية كوسيلة لتعزيز الدعم بين الجماعة العرقية الأساسية في إيران. وهذا يذكرنا باستخدام ستالين للكنيسة الأرثوذكسية الروسية والقومية الروسية لتحفيز الرعايا السوفييت للقتال خلال الحرب العالمية الثانية. وفي حين أن هذا قد يكون أداة مفيدة لتحفيز الفرس على التمسك بالجمهورية الإسلامية الحاكمة، إلا أنه يزيد من عزل وتحريض الأقليات العرقية في إيران.

اقرأ أيضاً: هل يمكن مواجهة التمدّد الشيعي دون فهم قوة إيران الناعمة؟

وقد تكون الجمهورية الإسلامية عالقة في معضلة الديمقراطية للإمبراطوريات متعددة الأعراق، مع عدم وجود مسار واضح للديمقراطية دون المخاطرة بفقدان جزء أو كل إمبراطوريتها الداخلية. ومن المرجح أن يفكر دعاة الديمقراطية الإيرانية بجدية في كيفية إدارة التحول الديمقراطي مع الحفاظ على إيران سليمة.

وقد تساعد العدالة الاقتصادية للأقليات في الأقاليم، وكذلك النظر إلى الحقوق اللغوية ليس على أنها تهديد لوحدة الدولة؛ ولكن كأداة محتملة للحفاظ على وحدة الدولة، كما هي الحال في كندا. وربما يقرر البعض حتى أن الديمقراطية أهم من استمرار حكم جميع الأقاليم الحدودية لإيران ويخاطرون بفقدان الإمبراطورية من أجل الحصول على الحرية.

♦كبيرة مستشاري الطاقة في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة فكرية غير حزبية تركز على قضايا الأمن القومي.

المصدر: ناشيونال إنتريست

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة