شؤون عربيةفلسطينيات

المجاهدون التونسيون في فلسطين قبل النكبة: نضال وشهادة وشجاعة

هل سمعت من قبل بجهاد التونسيين مع الفلسطينيين ضد الاستعمار الصهيوني؟

خاص كيو بوست –

بدأ الارتباط التونسي بالقضية الفلسطينية منذ ما قبل نكبة عام 1948، برغم البعد الجغرافي بين البلدين، إذ تشكّل الوعي التونسي حول مسألة فلسطين في فترة العشرينيات، بحسب المؤرخ التونسي عميرة عليّة الصغيّر، الذي أورد في بحثه “التونسيون والقضية الفلسطينية 1920-1948” تخوّف النخب التونسية مبكرًا من خطط الانتداب البريطاني في فلسطين، وتنبؤ التونسيين بتسليم الانتداب فلسطين إلى الحركة الصهيونية.

ويستشهد الصغيّر بمقال نشره أحد رواد الصحافة الوطنية بتونس، زين العابدين بن محمد السنّوسي في جريدة الأمة عام 1921، حين كتب: “قضت إدارة الإنجليز أن تمنح اليهود أراضي فلسطين كوطن قومي حسب دعوة الصّهيونيين ليؤلّف منهم عبيدًا (الصهاينة)، ويستخدمهم في قضاء مآربه بالشرق تحت اسم أصدقاء مقرّبين”.

وتابعت جريدة “الأمة” في ذلك الوقت، نشر أصداء الأحداث في فلسطين، بما فيها الاحتجاجات على وعد بلفور، حتى أصبح الوعي التونسي، واضحًا لدى النخبة، تجاه خطط الانتداب، وتبعات وعد بلفور المشؤوم؛ فيورد الباحث دعوة ثانية للكاتب السنّوسي، في مقال له بجريدة إفريقيا عام 1925: “وإننا بما لنا من الروابط المتينة بتلك الأمّة الفلسطينية نرى أن من واجبنا أن نتألّم لآلامها وأن نشعر بها، وأنّ هناك أمّة عربيّة تُضطهد بيد الاستعمار الأوروبي فنمنحها عواطفنا وشفقتنا، ونتضرع إلى الله أنّ يجعل لها الخلاص وأن يؤيّدها في جهادها بروح منه”.

أما وقد كانت الجغرفيا حائلًا للتواصل المباشر بين تونس وفلسطين، فقد وصلت بعض التبرعات من الشعب التونسي، إلى فلسطين، بعد نداء الاستغاثة الذي وجهه المفتي “أمين الحسيني” بعد ثورة البراق 1929، لنجدة المقاومين، وقد “أثمرت حملة تبرّعات لنجدة المقاومين أشرف عليها مناضلون من الحزب الدستوري الحر عن جمع الكثير من الأموال، التي أُرسلت إلى رئيس اللجنة الفلسطينيّة العربية بالقاهرة وصاحب جريدة “الشورى” محمّد علي الطّاهر في فبراير 1930، وجرى تحويل مبلغ آخر بقيمة 100 جنيه استرليني إلى حساب نفس الشخصيّة في “البنك العثماني”، وعند وصول تلك التبرّعات تلقى الحزب الدستوري الحرّ التّونسي رسالتي شكر من فلسطين، الأولى من اللّجنة التنفيذيّة الفلسطينيّة، والثانية من المحكمة العليا الإسلامية بالقدس”.

وكانت حصيلة الحملة الثانية لجمع التبرعات حتى أواخر ديسمبر 1936 ما مجموعه 90 ألف فرنك فرنسي، أمّا “يوم الصّوم” الذي خصص لجمع التبرعات، وشارك فيه العرب على نطاق واسع، فقد أثمر عن جمع 55 ألف فرنك، كما وصلت جملة التبرّعات عام 1937 إلى 242 ألف فرنك فرنسي.

مظاهرة في تونس دعمًا للفلسطينيين

كما قام سياسيون وحزبيون وأفراد من النخبة التونسية بنضالات على أرضهم لخدمة القضية الفلسطينية، وقاوموا الأصوات الصهيونية داخل تونس، التي دعمت دعاية الحركة الصهيونية، وفنّدوا ادعاءاتهم؛ فقاموا بالتصدي لها، وأفشلوا الزيارة التي كان من المفترض أن يقوم بها القيَادي الصهيوني فلاديمير جابتنسكي في 17 مارس 1932. بالإضافة إلى ذلك، وقع أكثر من اشتباك عنيف مع الصهاينة في تونس، أدى في بعض الأحيان إلى سقوط قتلى، كما اعتبر الوطنيون التّونسيون قدوم الدعاة الصّهاينة إلى تونس ونشر أفكارهم وجمع التبرعات لهم، من باب التعدّي على السيادة التونسية، ومدعاة لتشويش الأمن العام، وإفساد العلاقات بين مسلمي تونس ويهودها؛ ومن ذلك ما كتبه محمد الجعايبي في جريدة “الصّواب” 1932، ويقول: “نعلن لكافة الإسرائيليين بأنّ رغبتنا في تطهير بلدنا من الدعايات المختلفة ليس القصد منه التشفي من اليهود أو الاعتداء على حريتهم، وإنّما مرادنا أن نحافظ عمّا بيننا من العلاقات والروابط التي مرّت عليها السنون”.

 

متطوعون تونسيون للمقاومة في فلسطين

لم يقتصر دعم الشعب التونسي للقضية الفلسطينية على المظاهرات والتبرعات وكتابة العرائض لحكومات الدول الكبرى؛ ففي كتاب “تونس: عروبة متجذرة ودور متجدد” يورد الكاتب محمد صالح الهرماسي، بعض الرسائل من المجاهدين التونسيين الذين تطوعوا للقتال في فلسطين، فقد كتب أحد مسؤولي حملة التطوع: “على طول طريقي نحو طرابلس كان يعترضني مئات من التونسيين المتوجهين إلى فلسطين للتطوع في صفوف المجاهدين العرب” (صـ87).

فقد كان في العاصمة تونس وفي المدن الداخلية، مكاتب تستقبل المتطوعيين وتحوّلهم إلى الحدود مع طرابلس الليبية في الجنوب. كما أورد الكاتب في كتابه تقريرًا من المقيم العام الفرنسي في 20 يوليو 1948، يفيد أنه قبل ذلك التاريخ بيومين، أحصت الأجهزة الأمنية 2676 تونسيًا متطوعًا، إما جرى احتجازهم على الحدود مع طرابلس، أو تم إيقافهم قبل عبور الحدود الليبية.

منزل الرئيس االفلسطيني الراحل ياسر عرفات في تونس

وعلى الرغم من عدم العلم بالعدد الحقيقي للذين استطاعوا اجتياز الحدود المصرية، ثم الدخول إلى فلسطين للمقاومة، إلّا أنه وبعد النكبة مباشرة، وجدت برقية ثانية من المقيم الفرنسي بتاريخ 17 مايو 1949، أي بعد تثبيت الهدنة على معظم الجبهات وتوقف القتال، أن هناك 188 تونسيًا ما يزالون عالقين في طرابلس، وتعمل السلطات على ترحيلهم إلى بلدهم تونس.

وأورد التقرير الفرنسي أن عدد المتطوعين الذين حاولوا الدخول إلى فلسطين بلغ ما يقارب 3 آلاف تونسي، وبعضهم تم احتجازه أثناء محاولتهم العبور، أما من استطاع الدخول إلى فلسطين فقد حارب في صف المتطوعين السوريين أو ضمن متطوعي مصر أو لبنان، أو انضم إلى الفصائل الفلسطينية المسلحة. وكان المتطوعون من تونس العاصمة، تليها صفاقس، ثم سوسة والساحل وقابس. كما كان معظم هؤلاء من الفقراء المعدمين، والحرفيين، والعمّال والفلاحين الفقراء، والعاطلين عن العمل، وطلبة من جامعة الزيتونة.

كما أورد تقرير المقيم الفرنسي العام ذاته، يوليو 1948، أن الفرقة الأولى من المتطوعين وصلوا إلى مدن بيت لحم ويافا والقدس واشتبكوا مع الصهاينة، واستشهد منهم 11 تونسيًا، منهم عبد الحميد الحاج سعيد، وبلقاسم عبد القادر، ومحمد التونسي، وثلاثتهم استشهدوا جنوب القدس، والشهيد علي بن صالح التونسي، الذي استشهد في مدينة يافا عام 1948.

كان المتطوعون التّونسيّون الذين يجتازون الحدود التونسية اللّيبية ينقلون عبر شاحنات مملوكة لعائلة السّنوسي (الليبية) إلى مدينة بنغازي، ويقوم قنصل مصر ببنغازي بتحويل المتطوّعين إلى مدينة مرسى مطروح على مقربة من الحدود المصرية الليبية، وبعد تعرضهم لفحوصات طبية دقيقة وتسليمهم تصاريح لدخول التراب المصري، وعند بلوغهم ثكنة مرسى مطروح، يجري إعطاؤهم زيًا عسكريًا، ثم يقسّمون إلى كتائب صغيرة، ويشرع في تدريبهم على استعمال الرشاشات والبنادق ورمي القنابل، فضلًا عن التمرينات الرياضيّة المكثفة، كما يحصل المتطوعون على تربية سياسية واجتماعيّة ودينيّة.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات