الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

المؤرخة حياة عمامو تروي سيرة أستاذها وزميلها “هشام جعيط”

المفكر التونسي الراحل كان يسعى لشرح الظرفية الزمنية والمكانية التي مثَّل فيها الإسلام حلقةً من حلقات الحضارات الإنسانية الخالدة

تونس- فاطمة بدري

رحل قبل عدة أسابيع المفكر والمؤرخ التونسي الجريء هشام جعيط، الذي سعَى على مدار سنوات طويلة لترسيخ التفكير العلمي في التعاطي مع ملفات جدلية في التاريخ العربي الإسلامي.

رحل المؤرخ المولع بالنقد والمهووس بالتحليل، والذي دأب على الذهاب مباشرةً إلى أمهات القضايا، متسلحاً بالمنهج التأريخي العلمي، ومتجرداً من الأيديولوجيات والشعارات، نابشاً في الجذور العميقة للحضارة الإسلامية.

اقرأ أيضاً: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 10: الوجود والزمان.. مارتن هايدجر

ترجل بعد سنوات من البحث المتواصل، أفرزت كتابة وقراءة جديدة لهذا التاريخ، كشفت عن حقائق مثيرة للجدل؛ لا سيما في ما يتعلق بتاريخ الإسلام المبكر، فعل ذلك متبعاً منهجاً بحثياً خاصاً جعله ينجح في تقديم هذا التاريخ كمادة فكرية تُقرأ بسلاسة، ويرسي اختصاص “الإسلام المبكر” في الجامعة التونسية؛ حتى إن الأساتذة التونسيين في هذا الاختصاص هم من طلبته أو من طلبة طلبته، من بينهم الباحثة والمؤرخة حياة عمامو، التي أشرف الراحل هشام جعيط على رسائل تخرجها في الماجستير والدكتوراه، وظلَّت تواظب على حضور دروسه لقرابة العقد.

حياة عمامو الطالبة التي سارت على خطى المعلم- (صورة من حسابها على “فيسبوك”)

كان لا بد أن نتوقف مع الباحثة والمؤرخة حياة عمامو، عند جعيط الأستاذ  الأكاديمي، فكان سؤالنا الأول: كيف يمكن أن تتحدث الطالبة عن أستاذها؟

“تعرفت على (سي) هشام سنة 1984، تواصلت معه للمرة الأولى من أجل الإشراف على موضوع أعمل عليه في إطار ما يُسمى حينها شهادة الكفاءة العلمية؛ ما يعادل الماجستير حالياً. ولم يكن لديه مكتب في الجامعة؛ ولهذا مدَّني وزميلتي برقم هاتفه، واتصلنا به ليحدد لنا موعداً في منزله، رغم أنه ليس هناك الكثير من الأساتذة الذين يستقبلون طلبتهم في منازلهم. طبعاً ذهبنا وتحدثنا معه مطولاً، كان حينها موضوع بحثي حول الفتنة، بينما زميلتي حول الخوارج. في الأثناء واظبت على حضور الدروس التي كان يلقيها كل يوم جمعة في الجامعة.

اقرأ أيضاً: هشام جعيط .. رحيل المؤرخ الجريء للإسلام

كان جعيط يتقن الربط بين السياقَين التاريخيَّين، القديم والحاضر، بطريقة فيها الكثير من التشويق بشكل يجعلنا نجلس لمتابعة دروسه دون ضجر مهما طالت الساعات. لهذا استمررت في حضور دروسه من سنة 1984 حتى سنة 1995، الموافقة تقريباً لسنة تقاعده؛ لأن التكوين الجامعي لم يكن شاملاً، وما كان يقدم من معارف في سياق اختصاص دراستي لا يضاهي أبداً ما يقدمه جعيط.

واصلت بحثي معه رغم اعتراضه في البداية على بعض التفاصيل؛ ولكنه أشاد به يوم تقديمه أمام اللجنة العلمية، وكذلك كنت معه في شهادة الدراسات المعمقة (الدكتوراه حالياً)، وكان موضوع بحثي أصحاب محمد. وعلى خلاف ما يعتقد البعض، فإن هشام جعيط كان قارئاً جيداً لأعمال طلبته، ولا يبخل بالنصيحة المثمرة والإشادة في الوقت المناسب. وأذكر بعد نقاش رسالة الدكتوراه بشهر، زرته في بيته، فقدمني لزوجته قائلاً: كانت طالبة تشتغل معي فأصبحت زميلتي، ومنذ ذلك الحين أخبرني بصريح العبارة أنه لم يعد مسؤولاً عما أنجزه؛ ولكن ظلت الصلة بيننا متواصلة، ودرَّسنا جنباً إلى جنب في الجامعة.

هايدغر من الفلاسفة الذين بَهروا جعيط- (صورة وكالات)

وربما لمَن لا يعرف جعيط، فهو كان يهتم كثيراً بالشأن العام، وتحدث وكتب فيه بجرأة لا توجد عند أي مثقف تونسي باستثنائه. وللرجل الكثير من الكتابات الصحفية الصادرة في عدة دوريات عربية وعالمية؛ خصوصاً الفرنسية منها، وأعتقد أنها تستحق أن تُجمع في كتاب؛ لأنها ليست مجرد مقالات عادية، بل تطرح أفكاراً وتهتم بمشاغل الناس ومشكلات العرب وعلاقتهم مع الغرب”.

تضيف عمامو: “أُدين بتكويني العلمي لهشام جعيط؛ فقد كان في تفكيري شيء من الاندفاع والتسرع من منطلق الالتزام السياسي عندما كنت طالبةً، ولكن هو مَن قام بتعديله وجعله فكراً رصيناً به نوع من الاتزان؛ لأن جعيط كان حريصاً على أن نهتم بمواضيع ملحة وتهم العرب والمسلمين، ولكن دون أيديولوجيا وشعارات، وأن نعتمد المنهج التاريخي العلمي؛ (لهذا أكرر ما قلته له سابقاً: إن المنهج العلمي الذي أكتب به حالياً، وكتبت به منذ كنت في مرحلة الدكتوراه، أُدين به للأستاذ جعيط)”.

اقرأ أيضًا: الفلسفة.. مسيرة العقل البشري

فكر جعيط

وأما بالنسبة إلى تقييمها لفكر هشام جعيط، وما تركه للفكر العربي الإسلامي، فتقول عمامو: “الجميع ينعت جعيط بأنه مؤرخ ومفكر؛ ولكنني في حقيقة الأمر لا أميل إلى الفصل بينهما؛ لأن ما كتبه عن الإسلام وعن العرب في الوقت الحالي له صلة بالماضي وبالتاريخ، وهذه هي ميزة جعيط (إجادة الوصل بين الزمنَين بطريقةٍ لا مثيل لها على الصعيد العربي والإسلامي)، وإن كان دائماً ما يشبه نفسه بعبدالله العروي، رغم اختلاف منهجيهما.

غلاف كتاب «الوحي والقرآن والنبوة »

لقد ترك لنا جعيط جملة من المسائل التي بإمكاننا الحسم فيها بمجرد قراءة كتبه بصفة معمقة؛ مثلاً كتب «الشخصية العربية» و«المصير العربي الإسلامي» و«أوروبا والإسلام» و«أزمة الثقافة العربية الإسلامية»، هذه الكتب الثلاثة جمع فيها كل المشكلات التي يتخبط فيها العرب والمسلمون، وقدم حلولاً يمكن أن تحل عدة مشكلات لو قرأناها جيداً، ولو تمكن منها السياسيون الذين يقودوننا”.

 

أما مزية جعيط الكبرى والقصوى في التاريخ، والتي لا يضاهيه فيها أحد، حسب عمامو؛ فهي جداله في كتاباته مع الفاعلين، سواء أكانوا من رواة الكتابات التاريخية التي تعتمد كمصادر لكتابة التاريخ، أم مع المستشرقين وغير المستشرقين الذين يجادلهم في الكثير من الأفكار؛ ليثبتها أو يدحضها، يطورها أو ينقدها.

اقرأ أيضاً:  يوسف الصديق: لم نستطع رفع النص القرآني إلى مجال الفكر والفلسفة

“جعيط كان قارئاً جيداً لكل ما هو حديث، وقارئاً ناقداً لكل التراث الذي ترك في المصادر بمختلف أنواعها؛ سواء أكانت فقهية أم إخبارية تاريخية أم أدبية.. وغيرها. كما كان يجيد التعامل مع الآثار؛ فكتابه «الكوفة» اعتمد على قراءة جيدة لتقارير علماء الآثار، وجادل فيه المستشرق الكبير ماسينيون، وأتى في كتابه بما يخالف ما ذهب إليه الأخير تماماً. ولهذا يبقى هذا الكتاب خالداً بالنسبة إلى العمارة الإسلامية، والتمصير بصفة عامة؛ لأنه يمثل قضية مهمة جداً، تتمثل في نشأة الإسلام وانتشاره وهجرة العرب من الجزيرة نحو العراق، والذي كان يمثل بالنسبة إلى جعيط المركز الأساسي الذي انطلق منه الإسلام نحو الانتشار ونحو تأسيس الإمبراطورية، ونحو المسار الذي أصبحت من خلاله الحضارة العربية الإسلامية حضارة عالمية.

لقد كان هاجس جعيط في كتبه الفكرية توضيح كيف مثَّل الإسلام في مرحلةٍ معينة حلقةً من حلقات الحضارات الإنسانية الخالدة التي أثرت وتأثرت بالفكر الإنساني في ذلك الزمن، وهذه كانت معركته الأساسية مع المستشرقين. وهو لم يكن يرفضهم جميعاً؛ بل كان يقسمهم إلى مستشرقين أكاديميين؛ خصوصاً الألمان منهم، والذين يرون أن الحضارة الإسلامية كانت فاعلة في فترة ما من تاريخ الإنسانية، ومستشرقين جدد اعتمدوا على الأيديولوجيا، وواصلوا ما كان يقوم به رجال الدين في العصور الوسطى الذين يرون أن الإسلام لم يأتِ بأي شيء جديد، وأنه شوَّه عدة أمور”.

غلاف كتاب «الفتنة – جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر»

الفتنة الكبرى

ولدى سؤالها عن رأيها في الاعتقاد الرائج بأن الفتنة الكبرى يبقى أهم كتب المفكر الراحل، أجابت بقولها: “إن مزية كتاب الفتنة الكبرى الأساسية أنه يبقى الكتاب الوحيد الذي اهتم بهذا الحدث المهم في التاريخ الإسلامي، وما قام به جعيط في هذا العمل لم يقُم به أحد ممن سبقوه، بطرحه جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، فضلاً عن أن الكتاب كُتب بأسلوب شبيه بأسلوب الرواية؛ يشد القارئ حتى من غير المؤرخين، واستطاع من خلاله أن يتجاوز الكثيرَ من المستشرقين الذين كتبوا بطريقة ثانوية عن هذا الحدث المهم.

اقرأ أيضاً: كمال داود: فرنسا تملك كل شيء لتبتكر مستقبلاً للإسلام

ولكن أهمية هذا الكتاب لا تنقص من أهمية بقية كتب جعيط؛ خصوصاً الثلاثية التي تهتم بتاريخ النبي محمد. فهذا العمل ورد بعد جملة من كتابات المستشرقين في هذا الغرض؛ الأمر الذي دفع البعض للقول إن جعيط لن يأتي بالجديد في هذه الثلاثية، فضلاً عن تشكيك بعض رواد الفكر التشكيكي في إمكانية كتابة سيرة محمد، (ولكني أعتبر شخصياً أن جعيط أتى بالكثير في هذه الثلاثية؛ خصوصاً الجزأين الثاني والثالث، حيث كتب سيرة محمد من زاوية نظر مؤرخ يلتزم بالمنهجية العلمية، وينتمي إلى الثقافة العربية الإسلامية)”.

أما بالنسبة إلى صورة جعيط خلال الفترات السياسية الثلاث (بورقيبة، وبن علي، وبعد الثورة)، فقد شددت عمامو على أن جعيط استطاع أن يحافظ على استقلاليته مع كل الفترات السياسية؛ سواء مع بورقيبة أو مع بن علي أو بعد الثورة. وأوضحت: “لا أعتقد في صحة ما يروج عن رغبة بورقيبة في توزيره لعدة أسباب؛ أولاً لأن بورقيبة في الستينيات كان لا يعتبر جعيط مؤرخاً لمجرد اختصاصه في التاريخ الإسلامي، بل هو رجل دين أو ما شابه ذلك؛ خصوصاً لانتسابه إلى عائلة محافظة تنتمي إلى الثقافة الدينية التي كانت أساس المفتيين وشيوخ الزيتونة، ولذلك ألحقه بورقيبة بالزيتونة.

الإسلام السياسي استغل جعيط دون أن يفهم فكره- (صورة وكالات)

لقد عانى جعيط من ذلك؛ لأنه زاول تعليماً يليق بالمدرسة اللائكية “العلمانية”، وحتى عندما التحق بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 9 أبريل، ظل يُنظر إليه وكأنه دخيل. ثانياً، كل الذين درسوا في فرنسا وعادوا إلى تونس انضموا إلى الحزب الحاكم، آنذاك، وكانوا من رجال بورقيبة ومن مؤسسي الدولة الوطنية؛ لكن جعيط لم يفعل ذلك رغم أنه قابل بورقيبة عديداً من المرات. وبسبب مقالته النقدية المشهورة “لقد وصل الانتهازيون”، صُنِّف كمعارض للدولة الوطنية والسلطة، وهو في الحقيقة كان معارضاً إلى حد ما؛ لأنه كان يعتبر أن ما قامت به الدولة الوطنية في ذلك الوقت كان بالإمكان إنجازه بطريقة أخرى، وظل هذا تفكيره حتى في صلب الجامعة التونسية؛ وهو ما أثر سلباً على علاقاته مع زملائه الناشطين في الحزب الحاكم.

بالنسبة إلى بن علي، فإن الأمر كان محسوماً؛ فبعد توليه الرئاسة بسنة وشهر، كتب جعيط مقاله المشهور الذي تحدث فيه عن النقاط السوداء لهذا النظام، وقال بصريح العبارة: إن هذا النظام لا يمكن أن يكون إلا مستبداً، فتعرَّض إلى الكثير من المضايقات، وتدخلت فرنسا في ذلك الوقت لرفع تلك المضايقات.

أما بعد الثورة، فقد اختلفت الآراء حول فكر جعيط؛ فالإسلام السياسي تبنى الرجل واعتقدوا أنه مفكر إسلامي استئناساً بكتاباته التي كان محورها التاريخ الإسلامي، وأنا على يقين أنهم لم يقرأوا ما كتب جعيط ولم يفهموه، وإلا لما كانوا قد ذهبوا إلى هذا المذهب.

اقرأ أيضاً: الكافر والبروفيسور.. قصة صداقة صبغت الفكر الحديث

في المقابل، هناك الحداثيون المتطرفون كما كان يسميهم في كتابه «الفتنة»، والذين يعتبرون أن جعيط غير جريء ولا يعتقد بالعلمانية، ويربط بين الدين والسياسية، ومنهم مَن قال إنه اقترح إقحام الشريعة الإسلامية. وهم أيضاً بعيدون جداً عن فهم فكر جعيط الذي يؤمن بمبدأ القطيعة في الاستمرارية؛ بمعنى أن نتناقش مع إرثنا الحضاري والثقافي، ونستخرج منه ما يجعلنا نلتحق بالحداثة والبلدان المتقدمة”.

تختم عمامو: لا ينفي جعيط ضرورة أن نتأثر بالغرب؛ ولكن يرفض أن نكون مقلدين لهم، لأننا بنظره ورثة حضارة وثقافة مهمة، وعلينا الاطلاع على كل هذا الإرث واستخلاص المفيد منه، وهذا المسار، حسب جعيط، هو الذي يحدث التقدم الحقيقي. وكان دائماً يقول إن أزمة الدول الوطنية بعد الاستقلال هي أنها لم تتعامل مع تراثها وإرثها بصفة إنسانية، ورمته بكليته؛ “لذلك تم احتواؤه من قِبل الإسلام السياسي وتوظيفه؛ ما جعلنا نتأخر أكثر مما كنا متأخرين، وخسرنا الكثير من الوقت في مناقشة قضايا من المفروض أننا قد انتهينا منها منذ نصف قرن”.

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة