الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

الله والإنسان والطبيعة.. بين العقل العربي والعقل الغربي

أحمد المطرودي♦

بدءاً، تجدر الإشارة إلى أن هناك تفريقاً وتمييزاً أقامه المستشرقون والمفكرون الغربيون أو بعضهم في العصر الحديث، وبقي فاعلاً في الفهم والتلقي والانجذاب نحو الغرب، ويقوم هذا التفريق وهذا التمييز على مرتكز يصف ويسم العقلية السامية؛ ومنها العربية -بطبيعة الحال- على أنها عقلية تجزيئية غيبية، بينما يخلع على العقلية الآرية (الغربية) كونها عقلية تركيبية علمية.

وتبقى المعرفة اليقينية، ويبقى التطابق بين العقل ونظام الطبيعة، متوقِّفاً على ما تزودنا به التجربة، ويبقى العقل حافّاً، وضابطاً لاتزان ضروري.. وهذه توطئة تقودنا لتساؤل: هل كل ما كان واقعياً يصبح عقلياً بالضرورة؟

ذاك مذهب دشَّنه هيجل، ويعني أن كل شيء واقعي يمكن تفسيره عقلياً؟!

الفيلسوف الالماني هيجل

وهذا يدفع بنا لمقولة مشهورة ترى: أن العلم لا يؤمن بمصدر آخر غير الواقع.. وهي مقولة علمية صلبة راسخة، تعيدنا إلى عنوان مقالتنا: الله والإنسان والطبيعة؛ فكيف تعامل العقل العربي مع هذا الثالوث؟

وبالمقابل: كيف تعامل معه الفكر الغربي؟

وقبل أن نتصدى لهذين السؤالين وقبل أن نحاول الإجابة عنهما، يجب علينا أن نقرّ أن الحقيقة المطلقة ليست معطى جاهزًا؛ بل هي معطى يفرّ منَّا، ويبتعد عنَّا كلما حاولنا الاقتراب منه؛ وفقاً لتعبير الجابري في كتابه «تكوين العقل العربي».

اقرأ أيضًا: الفلسفة.. مسيرة العقل البشري

غلاف كتاب «تكوين العقل العربي»

في العلم الحديث تُستَبعَد فكرة الإله؛ وهذا لا يعني بالضرورة عدم الاعتراف بوجوده؛ بينما في العقل العربي هناك حضور كثيف وفاعل للإله والإنسان، وغياب للطبيعة، ويمكن تكثيف هذه العلاقة -بوصف الجابري- حول قطبين اثنين: الله والإنسان.. وتسجِّل الطبيعة -هنا- غياباً نسبياً، والدور الغيابي النسبي الذي يخلعه العقل العربي على الطبيعة يقابله غيابٌ نسبي في حق الإله في الفكر اليوناني الأوروبي.

الطبيعة في الفكر العربي تقوم بدورٍ وسيط، يعلِّل حكمة الإله، ويفسِّرها؛ بينما تأتي فكرة الإله في الفكر اليوناني- الأوروبي مطابقة للطبيعة في الفكر العربي؛ ففكرة الإله في الفكر اليوناني- الأوروبي تأتي في سياق تبرير مطابقة قوانين العقل لقوانين الطبيعة، وبمعنى آخر فإن الطبيعة -في العقل الغربي- تقوم بدور المعين للعقل البشري في اكتشاف الله، والتعرُّف عليه؛ بينما يُطلَب من العقل العربي أن يتأمَّل الطبيعة؛ ليتوصل إلى خالقها..

اقرأ أيضًا: هل يستطيع أحد أن يعلن موت الفلسفة؟

الله في العقل اليوناني- الأوروبي وسيلة لفهم الطبيعة، وضامن لصحة فهمها؛ بينما يستحضر العقلُ العربي اللهَ في كل حركاته وسكناته، وينتظر تدخلًا إلهياً مباشراً في كل جزئية جعلها الخالق صلاحية للبشر؛ وفقاً لأزمانهم وأمكنتهم!

وفي جانبٍ ذي صلة مباشرة تتأسس الأخلاق في الفكر الغربي على المعرفة، وفي الفكر العربي تتأسس المعرفة على الأخلاق.. وفرقٌ كبير بين الاتجاه من المعرفة إلى الأخلاق، والاتجاه من الأخلاق إلى المعرفة، كما يقول الجابري في مشروعه الباذخ ونقده.

♦مختص باللغويات التطبيقية وعلم اللغة الحاسوبي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة