الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

اللغة التي ليست فيها كلمة “لا”

كيوبوست- ترجمات

آيلين مكدوغال

لا شك في أن اللغة تشبه كل الكائنات الحية، في قدرتها على التطور والنمو، وحتى الشيخوخة، وفي أحيان كثيرة الموت أو الانقراض. وفي إضاءة على هذا الموضوع كتبت آيلين مكدوغال على موقع “بي بي سي إنترناشيونال” مقالاً تستعرض فيه واقع واحدة من لغات العالم، التي توشك على الموت. كوسوندا هي اللغة الأصلية لقبيلة يعيش أفرادها في وسط وغر بنيبال، وتختلف عن كل لغات العالم بأنها لا ترتبط بأية لغة أخرى، وتحتوي على عدد من المفارقات الفريدة؛ ومنها أنها تفتقر إلى كلمات للتعبير عن النفي أو الإيجاب، ولا تستخدم كلمتَي “نعم” و”لا”. ووفقاً للبيانات الإحصائية الرسمية في نيبال لعام 2011، لا يزال هنالك 273 شخصاً من هذه القبيلة؛ لكن امرأة واحدة، فقط، هي مَن تتقن هذه اللغة تماماً؛ وهي كامالا كاتري. وعندما أطلقت حكومة نيبال برنامجاً لمساعدة السكان الأصليين في مناطق البلاد، بدأت بدفع تكاليف تعليم أبناء هذه القبيلة لغتهم الأصلية، في مدرسة في مدينة دانغ.

اقرأ أيضاً: لغوي بارز ينادي بالاعتدال في وجه طوفان اللغة “اليونيليزية”

هيما، فتاة ريفية من منطقة قريبة من دانغ، تتعلم لغة كوسوندا منذ عامَين في مدرسة دانغ، تقول: “قبل مجيئي إلى المدرسة في دانغ لم أكن أعرف لغة قبيلتي، والآن أنا فخورة بلغتي الجديدة. كنت أستمع إلى أشخاص من مجموعات عرقية أخرى، وهم يتكلمون بلغاتهم الخاصة، وأتساءل عما سيكون عليه الأمر لو تعلمت لغتي الأم. أعتقد أنه من المهم جداً لي، وللآخرين، أن ننمي تلك اللغة”.

هيما كوسوندا تتعلم لغة قبيلتها في مدرسة ثانوية في مدينة دانغ- “بي بي سي”

كانت قبيلة كوسوندا في الأصل من البدو شبه الرحل، وكانوا يعيشون في أدغال غرب نيبال، حتى منتصف القرن العشرين، ويتنقلون بين القرى، ويقايضون البطاطا واللحوم بالأرز والدقيق، وما زالوا حتى اليوم يطلقون على أنفسهم اسم “بان راجاس”؛ أي ملوك الغابة.

ولكن مع تزايد عدد سكان نيبال، واجتياح الأراضي الزراعية للغابات؛ ازداد الضغط على موطنهم الأصلي. وفي منتصف القرن الماضي، استملكت الحكومة مساحاتٍ شاسعةً من الغابات؛ مما شكَّل ضغطاً كبيراً على حياتهم البدوية، وأجبرهم على الاستقرار في المدن، والبحث عن العمل؛ كإجراء لدى المزارعين المحليين. ولقلة عددهم وتوزعهم بين القرى؛ اضطروا إلى التزاوج مع المجموعات العرقية الأكبر، وبالتدريج توقف الجميع عن استخدام لغتهم الأم؛ الأمر الذي كان يعني لهم فقدان اتصالهم بماضيهم وهويتهم. ومن وجهة النظر اللغوية، كان ذلك خسارة أخرى.

يقول أستاذ اللسانيات في جامعة تريبوفان في كاتماندو، ماداف بوخاريل، الذي عمل على لغة كوسوندا على مدى الخمسة عشر عاماً الماضية: إن العديد من اللغويين حاولوا ربط كوسوندا بلغات محلية أخرى، في باكستان والهند؛ ولكن جميع محاولاتهم باءت بالفشل. واليوم يعتقد اللغويون أن كوسوندا هي وريثة لغة السكان الأصليين القدماء في مناطق الهيمالايا، قبل وصول القبائل التبتية البورمية والهندية الآرية.

ويقول بوخاريل: “يمكننا أن ننسب كل المجموعات اللغوية الأخرى في نيبال إلى القبائل التي جاءت من الخارج، إلا كوسوندا”.

اقرأ أيضاً: هل يهدد الإيموجي مستقبل اللغة؟

إلى جانب بداياتها الغامضة، هنالك العديد من السمات الفريدة في كوسوندا؛ فهي على سبيل المثال لا تحتوي على طريقة قياسية لنفي الجملة، ويتم بدلاً من ذلك استخدام السياق للدلالة على النفي، وكذلك لا توجد فيها كلمات للدلالة على الاتجاهات المطلقة؛ مثل اليمين أو اليسار، حيث يستخدم المتحدثون كلمات مثل إلى هذا الجانب أو إلى ذلك الجانب. ويقول اللغويون إن لغة كوسوندا لا تحكمها قواعد، أو تراكيب نحوية صارمة مثل معظم لغات العالم، فلا يوجد فيها تمييز بالماضي والحاضر، ويمكن الاستدلال على الزمن المقصود من خلال سياق حديث المتكلم. ومن المفارقات أن هذه السمات التي تجعل من لغة كوسوندا جذابة للغاية بالنسبة إلى علماء اللغات، هي إحدى أسباب انحسارها في مواجهة لغات أخرى.

تقول كامالا كاتري، وهي آخر المتحدثين بطلاقة بلغة كوسوندا: “في الماضي اعتقدت أنه من الأفضل لأولادي تعلم اللغة النيبالية، كان الناس يسخرون من لغتنا، ويقولون إنها غير طبيعية. ولكنني الآن أشعر بالأسف؛ لأنني لا أستطيع التحدث مع أولادي بلغتنا الأم”. واليوم تعمل كاتري مع لجنة اللغات في نيبال؛ حيث تقوم بتدريس لغة كوسوندا، وتقول: “إذا تمكنا من التدرب والتحدث والغناء بلغتنا؛ فقد نتمكن من الحفاظ عليها حية”.

كامالا كاتري.. آخر المتحدثين بطلاقة بلغة كوسوندا- “بي بي سي”

وقد بدأ مؤخراً استخدام التكنولوجيا الحديثة في جهود تنشيط لغة كوسوندا، من خلال أفلام العالم الافتراضي التفاعلية، التي تصور حياة شعب كوسوندا؛ حيث يجب على المشاهد أن يتعلم ويستخدم كلمات من اللغة نفسها؛ للتفاعل مع القصة والاستمرار بالسرد. ولكن العمل على الحفاظ على هذه اللغة هو جزء من المهمة. فمعظم أفراد كوسوندا يعيشون تحت خط الفقر، ويعملون كحمالين أو فلاحين، ويعانون حرماناً شديداً في مجالات الصحة والتعليم. وإذا ما فقد أبناء قبيلة كوسوندا لغتهم؛ فلن يكون لهم ما يميزهم عن بقية المجموعات العرقية الأخرى في نيبال، فلغتهم هي هويتهم، وهي ما يجذب انتباه الحكومة لهم.

تلاميذ يتعلمون لغة كوسوندا في مدرسة ماههيندرا الثانوية- “بي بي سي”

وبمساعدة اللغويين من مختلف أنحاء العالم؛ ومنهم زميل ما بعد الدكتوراه في جامعة لندن تي بودت، يطالب أبناء قبيلة كوسوندا الآن بقطع من الأرض؛ لإقامة مستوطنة خاصة بهم. ويرى بودت أن مثل هذا المشروع الذي سيضم مركزاً صحياً ومدرسة، لن يمنح شعب كوسوندا حقوق الأرض فقط؛ بل سيمنحهم الفرصة لتعلم لغتهم والتحدث بها في ما بينهم. وتقول جوليا سالابانك، أستاذة سياسة اللغة في جامعة لندن: “غالباً ما ارتبط التحول اللغوي بصدمة تاريخية ناتجة عن الاستعمار أو الاضطهاد، وفقدان تقدير القيمة الذاتية”؛ ولذلك فإن استعادة اللغة الأصلية والهوية الثقافية للأفراد يمكن أن تشكل قوة على المستويين الشخصي والمجتمعي.

المصدر: بي بي سي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة