الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

اللعبة الكبرى.. استراتيجية الصين الكبرى لإزاحة النظام الأمريكي

كيوبوست

ألَّف “رش دوشي” كتاباً بعنوان «اللعبة الكبرى.. استراتيجية الصين الكبرى لإزاحة النظام الأمريكي»، ويسعى من خلاله المؤلف إلى الكشف عن لعبة بكين الطويلة والمنهجية لإزاحة أمريكا من موقعها المهيمن في كل من النظام الإقليمي لشرق آسيا والنظام الدولي، وذلك من خلال ثلاث “استراتيجيات إزاحة” متتابعة. ويعتمد دوشي في ذلك على قاعدةٍ غنية من المصادر الأولية الصينية؛ بما في ذلك عقود من وثائق الحزب الشيوعي، والمواد المسربة، ومذكرات قادة الحزب، بالإضافة إلى تحليل دقيق لسلوك الصين واستراتيجيتها الكبرى منذ نهاية الحرب الباردة.

 

ويشير دوشي إلى أن هناك حاجة إلى فهم عميق لنيَّات الصين واستراتيجيتها بصورة تفوق أي وقتٍ مضى، وهو ما يرتبط بعددٍ من الاعتبارات؛ أبرزها أن الصين تشكل تحدياً لا مثيل له على الولايات المتحدة، وذلك بعد غياب أية دولة قادرة على تهديد وضعها. فعلى مدار أكثر من قرن، لم تستطع أية قوى معادية، أو أي تحالف من القوى المعادية أن يشكل مجتمعاً ما نسبته 60% من الاقتصاد الأمريكي.

وينطبق ذلك القول على ألمانيا النازية واليابان أثناء الحرب العالمية الثانية، أو حتى الاتحاد السوفييتي في قمة الحرب الباردة. أما الصين، فتعد حالياً صاحبة أكبر اقتصاد على مستوى العالم، وبنسبة تزيد بنحو 25% عن الاقتصاد الأمريكي. ومن الواضح في ضوء ما سبق، أن الصين ستكون أهم منافس للولايات المتحدة، وهذا الوضع سيشكل مسار التفاعلات في القرن المقبل.

مؤلف الكتاب رش دوشي

أما ما لا تعلمه الولايات المتحدة، فهو ما إذا كان لدى الصين استراتيجية كبرى، وماهية هذه الاستراتيجية. ويعرِّف هذا الكتاب الاستراتيجية الكبرى بأنها نظرية الدولة التي تستخدمها لتحقيق أهدافها المقصودة عبر توظيف أدوات قوة الدولة العسكرية والاقتصادية والسياسية، والتنسيق في ما بينها.

الاستراتيجية الكبرى وإعادة تشكيل العالم:

عندما يكون لدى الدول استراتيجيات كبرى، فإنها تستطيع إعادة تشكيل العالم. وتاريخياً قامت ألمانيا النازية باستخدام استراتيجية كبرى تمثلت في الأدوات الاقتصادية لتقييد جيرانها، وحشد قوتها العسكرية لتخويف خصومها، وإقامة تحالفات سياسية لتطويق أعدائها؛ مما سمح لها بالتفوق على منافسيها من القوى العظمى لفترة طويلة، وذلك على الرغم من أن ناتجها المحلي الإجمالي كان أقل من ثلث نظيره لدى خصومها.

وخلال الحرب الباردة، اتبعت واشنطن استراتيجية كبرى أيضاً؛ فقد استخدمت، في بعض الأحيان، القوة العسكرية لردع العدوان السوفييتي، وكذلك قدمت المساعدات الاقتصادية للحد من النفوذ الشيوعي، كما استخدمت المؤسسات الدولية لربط الدول الليبرالية معاً للحد من نفوذ موسكو، وذلك دون أن تضطر إلى الدخول في مواجهة عسكرية ضد موسكو.

اقرأ أيضًا: في مئوية الحزب الشيوعي الصيني

ويعد السؤال الأبرز، وفقاً لدوشي، هو كيف تدمج الصين أدوات القوة في سعيها لتحقيق أهدافها الإقليمية والدولية؟ ويلاحظ أن الإجابة عن هذا السؤال تظل مجالاً لتكهنات غير محسومة، دون أن تخضع للدراسة الدقيقة على الرغم من ضخامة العواقب على النظام الدولي.

وتسمح استراتيجيات الدول الكبرى، القائمة على التخطيط طويل المدى والتنسيق بين أدوات القوة المختلفة، للدولة بأن تضرب دولاً تفوق حجمها؛ فالصين بالفعل دولة ذات وزن كبير، إذ إن لديها اقتصاداً قوياً تبلغ قيمته 14 تريليون دولار، كما تتمتع بنفوذ سياسي متزايد حول العالم.

وتجهل الولايات المتحدة ذلك النفوذ، أو تسيء فهمه. وتتأقلم واشنطن مع هذا الواقع بصورة بطيئة، والنتيجة هي إعادة تقييم سياستها تجاه الصين. ومع ذلك، فإنه وسط عملية إعادة التقييم هذه، فإن هناك خلافات واسعة حول ما تريده الصين، وإلى أين تتجه.

مواجهة محتملة بين بكين وواشنطن

ويعتقد البعض في الولايات المتحدة أن بكين لديها طموحات عالمية، بينما يجادل آخرون بأن تركيز الصين هو محيطها الإقليمي بدرجةٍ كبيرة. وفي حين يدعي البعض أن لديها خطة واضحة العالم ومتماسكة مدتها 100 عام؛ يجادل آخرون بأن بكين لديها سياسات انتهازية، وتميل إلى ارتكاب أخطاء.

وبينما ينظر البعض إلى الصين باعتبارها “دولة مراجعة” (Revisionist state)، فإن البعض يراها قوة رصينة لها مصالح تتمثل في الحفاظ على النظام القائم حالياً. وبالمثل، يشير البعض إلى أن بكين تريد خروج الولايات المتحدة من آسيا، وفي المقابل يزعم آخرون بأن بكين تتسامح مع دور أمريكي متواضع. وبينما يربط بعض المحللين سياسات الصين الحالية بشخصية الرئيس الصيني الحالي، فإن آخرين يؤكدون أنها ترتبط بالحزب الشيوعي الصيني.

ويرى “دوشي” أن انقسام النقاش المعاصر حول العديد من الأسئلة الجوهرية المتعلقة باستراتيجية الصين الكبرى، أمر مثير للقلق؛ خصوصاً أن كل سؤال يحمل تداعياتٍ سياسية مختلفة تماماً.

اقرأ أيضًا: كيسنجر يجيب عن أسئلة الغرب المُلحة.. عن الصعود الصيني ومسائل أخرى

ويسعى هذا الكتاب إلى حد كبير إلى حسم هذا الجدل، والإجابة عن طبيعة الاستراتيجية الصينية الكبرى، والتي غالباً ما ينقسم الجدل حولها بين “المتشككين” و”المؤمنين بالدور الصيني”. ويبدي المتشككون قناعتهم بأن الصين لديها استراتيجية كبرى لإزاحة الولايات المتحدة؛ سواء على المستوى الإقليمي في جنوب شرق آسيا، أو على مستوى النظام الدولي. وعلى النقيض من ذلك، فإن المؤمنين بالدور الصيني لم يحاولوا حقاً تقديم حججٍ رصينة لإقناع الفريق الأول المتشكك.

ويمثل المتشككون من مجموعة واسعة النطاق من الخبراء ذوي المعرفة العميقة بالصين، ويشير أحدهم إلى أن “الصين لم تصغْ” استراتيجيةً كبرى “حقيقية حتى الآن”، بينما جادل آخرون بأن أهداف الصين “غير مكتملة”، وأن بكين تفتقر إلى تحديد جيد للاستراتيجية.

وعلى النقيض، صرح بعض كبار مسؤولي الاستخبارات في الولايات المتحدة؛ بمن فيهم المدير السابق للاستخبارات الوطنية دان كوتس، علناً بأن “الصينيين يسعون أساساً إلى استبدال الولايات المتحدة كقوة رائدة في العالم”؛ لكنهم لم، أو ربما لن يتمكنوا، من تقديم مزيد من التفاصيل، كما عجزوا عن الربط بين هدف الصين هذا وأية استراتيجية محددة لتحقيقها.

المدير السابق للاستخبارات الوطنية دان كوتس

استراتيجية الصين الكبرى:

يجادل هذا الكتاب بأنه منذ نهاية الحرب الباردة، اتبعت الصين استراتيجية كبرى لإزاحة الولايات المتحدة أولاً على المستوى الإقليمي، ثم الآن على المستوى العالمي. ويعد مصطلح الاستراتيجية الكبرى من المصطلحات التي يُساء استخدامها في قاموس السياسة الخارجية.

ويلاحظ الأستاذ في جامعة جونز هوبكنز أن معظم تعريفات المصطلح يجعل الاستراتيجية الكبرى قاصرة على التركيز فقط على الوسائل العسكرية؛ وهي إشكالية كبرى، لأنها تحول “الاستراتيجية الكبرى” إلى “استراتيجية عسكرية”، وتتجاهل الأدوات الاقتصادية والسياسية الأخرى؛ فالاستراتيجية الكبرى هي استخدام أية وسيلة لتحقيق أية غايات.

ومن أجل أن تمتلك أية دولة استراتيجية كبرى وتسعى إلى تحقيقها، فإنه لا بد من توفر ثلاثة عناصر أساسية؛ وهي “مفاهيم استراتيجية كبرى” حول كيفية توافق غايات وأساليب ووسائل الاستراتيجية معاً؛ و”القدرات الاستراتيجية الكبرى” ممثلة في مؤسسات الأمن القومي لتنسيق الأدوات المتنوعة لقوة الدولة لتحقيق المصالح الوطنية وتجاوز المصالح الضيقة، و”السلوك الاستراتيجي الكبير” الذي يتوافق في النهاية مع المفاهيم الاستراتيجية للدولة.

اقرأ أيضًا: استراتيجية الصين الكبرى: الاتجاهات والمسارات والتنافس طويل المدى

وفي ما يتعلق بالمفاهيم الاستراتيجية الكبرى، فإن هذا الكتاب يركز على وثائق الحزب الشيوعي الصادرة باللغة الصينية، والتي لا توفر فقط القدرة على فهم المفاهيم الاستراتيجية الكبرى لبكين؛ ولكن كذلك تشير إلى القدرات الاستراتيجية الكبرى، وذلك من خلال التركيز على آلية عمل المؤسسات، فضلاً عن توضيح السلوك الاستراتيجي الكبير، وذلك لتوضيح لماذا اتخذت بكين قرارات معينة.

كما يركز الكتاب على مؤسسات الأمن القومي الصينية؛ للوقوف على قدراتها الاستراتيجية الكبرى. ويندرج ضمن هذه المؤسسات مكتب الأمين العام للحزب الشيوعي، واللجنة الدائمة للمكتب السياسي، واللجان المركزية، واللجنة العسكرية المركزية. أما في ما يتعلق بفهم كيفية تصرف الصين؛ فقام “دوشي” بالبحث عن التحولات المتزامنة في القرارات السياسية؛ والرجوع إلى نصوص الحزب لفهم سبب تصرف الصين بالطريقة التي تصرفت بها.

ويؤكد “دوشي” أن التنافس بين الصين والولايات المتحدة يدور حول من يقود النظام الإقليمي والدولي. ويجادل دوشي بأنه بخلاف ادعاء منظري العلاقات الدولية بأن النظام الدولي فوضوي، فإن الحقيقة التي تفرض نفسها هي أن العالم “هيراركي”؛ حيث تمارس بعض الدول نفوذاً على الدول الأخرى، وأن هذا الأمر ينتج عنه القواعد والترتيبات المستقرة التي تحكم سلوك الدول، سواء في علاقاتها الخارجية، أو في سلوكها الداخلي.

هل تشكل الصين بديلاً جديداً عن الهيمنة الأمريكية؟ “آسيا تايمز”

وينتج عن ذلك ما يُسمى “نظم الهيمنة”؛ وهي عبارة عن نوع من السيطرة من قِبل الدولة المهيمنة، وذلك للتحكم في الدول التابعة لها. وتتم ممارسة هذه السيطرة من خلال استخدام القوة لفرض الإذعان، والحوافز الرضائية؛ لحضها على تبني سلوك معين، وأخيراً الشرعية.

استراتيجيات الإزاحة الصينية:

ينشأ المهيمن نتيجة ممارسته شكلاً من “أشكال السيطرة”؛ مثل الإكراه والإرضاء والشرعية. ومن ثمَّ، فإن التنافس على النظام بين القوى الكبرى يدور حول الجهود المبذولة لتقوية وإضعاف هذه الأشكال من السيطرة. ووفقاً لذلك، يمكن للدول الصاعدة، مثل الصين، أن تزيح القوى المهيمنة مثل الولايات المتحدة سلمياً من خلال استراتيجيتَين عريضتَين يتم اتباعهما بصورة متزامنة؛ وهما:

  • الأولى: إضعاف ممارسة الدولة المهيمنة لأدوات السيطرة؛ لا سيما تلك التي توظفها على الدولة الصاعدة، فلا يمكن لأية دولة صاعدة أن تحل محل القوى المهيمنة إذا بقيت إلى حد كبير تحت رحمتها.
  • الثانية: هي بناء شكل من أشكال السيطرة على الآخرين، وكذلك إقامة علاقات تستند إلى المساومات التوافقية والشرعية؛ وفي الواقع فلا يمكن لأية دولة صاعدة أن تصبح قوة مهيمنة إذا لم تستطع تقييد استقلالية الآخرين أو إغراءهم بالمساومات التوافقية والشرعية؛ لضمان اتباعهم تفضيلات الدولة الصاعدة.

ويميز “دوشي” بين أربع مراحل أساسية في صعود الصين، وذلك على النحو التالي:

اقرأ أيضًا: دخول التنين… نفوذ الصين المتزايد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

المرحلة الأولى: استيعاب القوة المهيمنة: عندما تنظر القوة الصاعدة إلى القوى المهيمنة على أنها أقوى بكثير منها؛ ولكنها لا تشكل تهديداً عليها، فإن القوة الصاعدة في هذه الحالة تميل إلى استيعاب القوى المهيمنة، حتى عندما تختلف تفضيلاتها عن تفضيلات القوة الصاعدة.

ويمكن أن يكون الاستيعاب مدفوعاً بالرغبة في تجنب تحويل القوى المهيمنة إلى قوة معادية أو الاستفادة من الشراكة مع القوة المهيمنة ضد طرف ثالث. ووفقاً لذلك، قد تتسامح القوة الصاعدة أو حتى تدعم الوجود العسكري للقوى المهيمنة، وتسمح لها بقيادة المنظمات الإقليمية، ورعاية المبادرات الاقتصادية الإقليمية.

ويعد أحد الأمثلة على هذه الاستراتيجية هو استيعاب الهند للولايات المتحدة داخل جنوب آسيا؛ لأنها ترى الولايات المتحدة قوية، ولا تمثل تهديداً عليها، كما أنه يمكن توظيفها في مواجهة الصين. ويتمثل المثل الآخر في سياسة الصين تجاه الولايات المتحدة في الثمانينيات من القرن العشرين.

اقرأ أيضًا: هل وصلت الخلافات بين الهند والصين إلى نقطة اللا عودة؟

المرحلة الثانية: إضعاف القوة المهيمنة: تبدأ عندما تعتقد قوة صاعدة أن القوة المهيمنة أقوى منها كثيراً، وتفرض تهديدات عليها كذلك. ففي هذه الحالة، تتبع القوة الصاعدة استراتيجية تستهدف إضعاف أشكال السيطرة للقوى المهيمنة، وتحديداً الإكراه والإرضاء والشرعية، إقليمياً أو دولياً.

وفي هذا السيناريو، لا تستطيع الدولة الصاعدة استيعاب قوة مهيمنة ترى أنها تشكل تهديداً على مصالحها، كما أنها لا يمكنها أن تعارض صراحة قوة مهيمنة تراها أكثر قوة منها؛ مما يجبر القوة الصاعدة على اللجوء إلى “أسلحة الضعفاء”؛ لتخفيف نفوذ الهيمنة. وعلى المستوى العسكري، فإن هذا يعني أن تسعى القوة الصاعدة إلى امتلاك قدراتٍ عسكرية دفاعية؛ لردع المهيمن عن التدخل الإقليمي مع تجنب القدرات التي من شأنها أن تثير قلق جيران الدولة الصاعدة، وتؤدي إلى تكوين تحالفاتٍ ضدها بغرض تطويقها.

ومن الناحية السياسية، قد تسعى إلى تقليص دور المهيمن ونفوذه في المنظمات الإقليمية؛ واقتصادياً، فإنها ستسعى إلى حماية نفسها من استخدام القوة المهيمنة لأدوات القوة الاقتصادية ضدها. وقد اتبعت الصين هذه الاستراتيجية طوال عقد التسعينيات من القرن العشرين حتى عام 2008 تقريباً.

التحديات التي تواجه الاقتصاد الصيني متعددة

المرحلة الثالثة: إرساء القوى الصاعدة نظامها الخاص: عندما تعتقد قوة صاعدة أن الدولة المهيمنة أقوى منها، ولكن بشكل محدود، ولكنها لا تزال تفرض تهديداً كبيراً للغاية على مصالحها؛ فإن القوة الصاعدة ستتبع استراتيجية “بناء” لتأسيس قواعد لنظامها الخاص بها من خلال الاستثمار في القدرات العسكرية، وتقديم الإغراءات التوافقية وتعزيز الشرعية.

وستكون القوة الصاعدة، في هذه الحالة، قوية بما يكفي لقبول مخاطر معارضة القوة المهيمنة؛ ولكنها ليست قوية بدرجةٍ كافية، بحيث إنها تستطيع أن تهيمن بحرية على إقليمها؛ لأن القيام بذلك قد يخلق فرصة للقوة المهيمنة للتدخل ضدها. وعلى المستوى العسكري، قد تسعى القوة الصاعدة وراء امتلاك القدرات التي تسمح لها بممارسة الإكراه والتدخل وإبراز القوة والسيطرة (بدلاً من الإنكار) على الأرض والجو والبحر؛ وسياسياً، فإنها قد تؤسس مؤسسات إقليمية جديدة لحكم المنطقة وتهميش الهيمنة، ومن الناحية الاقتصادية، تلجأ الدولة الصاعدة إلى تنمية، عن قصد، الترابط الاقتصادي غير المتكافئ، الذي يبدو مفيداً للدول الأخرى؛ ولكنه يقيد الآخرين في الواقع.

وتشبه هذه الجهود استراتيجيات بناء الولايات المتحدة للنظام الليبرالي العالمي، التي تؤمن موافقة الدول الأضعف وتتجنب إثارة الدول الأخرى؛ لتوظيف آليات توازن القوى ضد القوى الصاعدة. وعندما يتم تنفيذ هذه الاستراتيجية بنجاح في الإقليم الجغرافي لإحدى الدول، فإنه يمكن أن يسمح للقوة الصاعدة بمتابعة التوسع على المستوى العالمي. وقد اتبعت الصين هذه الاستراتيجية من عام 2008 فصاعداً، وشكلت الأساس لاستراتيجية التوسع التي اتبعتها بعد عام 2016.

اقرأ أيضاً: القصص التي ترويها الصين

المرحلة الرابعة: تحقيق القوى الصاعدة الهيمنة: عندما تعتقد قوة صاعدة أن القوى المهيمنة أقوى قليلاً منها، ولكنها لا تهددها بشكلٍ مباشر؛ فإن القوة الصاعدة تتمتع بقدر أكبر من الحرية لفرض الهيمنة على الآخرين في النظام الدولي، لأنها لا تخشى من جهود قيام القوى المنافسة ببناء نظام إقليمي معادٍ لها أو التدخل ضدها.

وتنطوي عملية بناء نظامٍ جديد على مزيج من الإكراه والإغراءات التوافقية، والتي لن تلقى معارضة كبيرة؛ نظراً لعدم وجود تحدٍّ للنظام أو تحالف موازن محتمل. ومن الناحيِة العسكرية، قد توظف الدولة الصاعدة القوة بشكل متكرر، ومن الناحية السياسية قد تخلق قواعد ومعايير لـ”تطويق” مصالح الدولة الصاعدة، وتقويض جميع المؤسسات التي تؤسسها، ومن الناحية الاقتصادية قد تسعى إلى إرساء علاقات اقتصادية غير متكافئة.

وتعد من الأمثلة على ذلك استراتيجية الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عندما كانت قوة الدول الأوروبية هناك محدودة، وعندما كانت التهديدات الأوروبية في أمريكا اللاتينية أقل خطورة مما كانت عليه قبل عقود.

اقرأ أيضًا: العلاقات الصينية بأمريكا اللاتينية: وجهتا نظر حول علاقات التبعية

وفي حالة الصين، يبدو أنها تسير وفقاً للتسلسل السابق، فقد استوعبتِ الصين في البداية الولايات المتحدة القوية، والتي لم تكن تفرض خلال هذه الفترة تهديدات كبيرة على الصين، بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. ثم انتقلت الصين بعد ذلك إلى محاولة إضعاف الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة؛ حيث رأت بكين أن الولايات المتحدة صارت أكثر تهديداً، ثم شرعت الصين في بناء نظامها الخاص بعد أن أدت الأزمة المالية العالمية عام 2008 إلى إضعاف الولايات المتحدة؛ وأخيراً، قد تسعى الصين لتحقيق الهيمنة الإقليمية، إذا وافقت الولايات المتحدة أو هُزمت في صراع إقليمي.

الحزب الشيوعي الصيني:

انتقل دوشي بعد ذلك إلى الحزب الشيوعي، ودور القومية واللينينية في تشكيل الحزب، وبالتالي استراتيجية الصين الكبرى. وعلى الرغم من أن البعض يرى أن الحزب الشيوعي يوظف القومية كوسيلة لتأكيد شرعيته بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ومن ثم الأيديولوجية الشيوعية؛ فإن القومية كانت متجذرة منذ فترة طويلة في أيديولوجية الحزب وهويته، فالمحرك الأساسي للحزب هو إعادة الصين إلى عظمتها السابقة، وذلك عبر تحقيق هدف “التجديد الوطني”.

ويلعب الحزب دوراً محورياً في صنع السياسة الخارجية للصين، وهو ما أكده الرئيس الحالي للصين “شي جين بينج” في عام 2014، والذي أكد ضرورة وضع خطة استراتيجية للسياسة الخارجية الصينية على المديين المتوسط والبعيد، وأن تضم أجزاء تتعلق بكيفية التعامل مع القوى الكبرى، والدول المجاورة، والدول النامية، والمنظمات الدولية.

الرئيس الصيني شي جين بينغ- أرشيف

وبالرجوع إلى تصريحاتِ الرئيس الصيني، نجد أنه أكد في خطاباته أن السياسة الخارجية هي مشروع منهجي “يتضمن التنسيق بين الحزب الشيوعي، والحكومة، ومجالس نواب الشعب، والمؤتمر الاستشاري السياسي، والجيش، والمحليات. كما أن هناك حاجة إلى تنسيق العمل الخارجي لكل مجموعة؛ لضمان تنفيذ إرشادات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني للسياسة الخارجية”.

وأخيراً، ركز شي أيضاً على الأشخاص المعنيين بالسياسة الخارجية، وأشار إلى أنه “بعد تحديد الخط السياسي للدولة، تكون الكوادر هي العامل الحاسم في تنفيذ السياسة الخارجية”، ولذلك أكد في تصريحاته ضرورة تربية خبراء متخصصين في الشؤون الخارجية الموالين للحزب الشيوعي الصيني والوطن والشعب.

 وتُظهر هذه النصوص أن قادة الصين قد أخذوا الدور التوجيهي للحزب في السياسة الخارجية على محمل الجد لعقودٍ. كما أنها تشير إلى أن تحديد السياسة الخارجية يتم بصورة مركزية، وأنه تتم صياغتها على مستويات عالية، وبالتنسيق مع مؤسسات الدولة المختلفة، وغالباً ما تتسم هذه السياسة بأنها طويلة الأجل. ويشير ما سبق إلى وجود استراتيجية كبرى للصين.

اقرأ أيضاً: كيف يدرب الحزب الشيوعي الصيني السياسيين الأجانب؟

وبالرجوع إلى أبرز النصوص التي كتبت عن السياسة الخارجية، نجد أن الرئيس الصيني الحالي شي جين بينغ، أكد ضرورة ترجمة الحلم الصيني من منظور الدول المجاورة للصين؛ بل ويجب أن تقوم الصين بخلق إحساس بالمصير المشترك، والذي يستند إلى التسليم بمركزية الصين، وتفهم دورها في الشؤون الإقليمية.

ويرى دوشي أنه من أجل ضمان صعود الصين، فمن المهم السعي للحصول على دعم الدول المجاورة؛ فصعود القوى العظمى يتم عن طريق أن تصبح الدولة أولاً قوة إقليمية وعندها فقط يمكن أن تصبح قوة عالمية، ولذلك قامت الصين بإعطاء الأولوية للدول المجاورة، وإذا لم تستطع بكين إقامة نظام إقليمي ملائم، “فإن بناء علاقات جيدة مع بلد بعيد سيكون ذا فائدة محدودة”.

وبعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، قررت القيادة الصينية العليا إعادة توجيه الاستراتيجية الصينية الكبرى نحو بناء النظام الإقليمي المواتي للصين؛ خصوصاً من خلال توسيع نفوذها الإقليمي وتأمين سيادة الصين ومصالحها الخارجية.

عززت الصين قوتها البحرية

وتؤكد المصادر الصينية سببَين للتحول في الاستراتيجية؛ وهما الرغبة في حماية حقوق ومصالح الصين البحرية بشكل أفضل، والرغبة في حماية المصالح الخارجية المتوسعة للصين؛ لا سيما في المحيطَين الهندي والهادئ. وفي عام 2013 أعلن شي جين بينج بلغة صارخة “إننا نحب السلام ونلتزم بطريق التنمية السلمية؛ ولكننا لا نستطيع التخلي عن الحقوق والمصالح المشروعة للبلد، ولا يمكننا التضحية بجوهر مصالح البلاد، وأنه لا بد من تعزيز حماية سيادة الصين دون الحرب”.

وكجزء من استراتيجية الصين لبناء نظام إقليمي مواتٍ بعد الأزمة المالية العالمية، بدأت في تعزيز قوة البحرية الصينية، وذلك لإضعاف القوة الأمريكية وتأكيد السيطرة الصينية على الجزر والمياه التي تدَّعي واشنطن أن بكين قامت باغتصابها.

وأعلن “شي” الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، المؤسسة الأكثر سلطة في الصين، في المؤتمر العام للحزب في عام 2017، عن “حقبة جديدة”، كما وضع جداول زمنية لتجديد شباب الصين بحلول 2049، وذلك عبر المشاركة بنشاط أكبر في الحوكمة العالمية، وتطوير جيش “من الطراز العالمي”، فضلاً عن تحول الصين لكي تصبح “قوة رائدة عالمية في مجال الابتكار”، كما أكد أن الصين “ستصبح دولة رائدة في القوة الوطنية الشاملة والنفوذ الدولي”.

اقرأ أيضاً: غياب المساواة سيقود الصين إلى خيار صارخ

وتكشف نغمة الخطاب عن اعتقادٍ صيني بأن الولايات المتحدة دخلت في تدهورٍ واضح لدرجة أن وضعها كقوة عظمى وحيدة الآن أصبح محل شك؛ ولذا تكهن بعض المحللين الغربيين بأن الصين في طريقها لتشكيل النظام العالمي، وأن المسار الإقليمي يتطلب “ترسيخ الهيمنة الصينية في غرب المحيط الهادئ، والذي بدأ فعلاً في عام 2008، ثم التوسع إلى الخارج لامتلاك نفوذ دولي منذ عام 2016.

السلوك الصيني:

بدأت الصين؛ خصوصاً في أعقاب الأزمة المالية العالمية في تعزيز نفوذها الإقليمي والدولي، وذلك من خلال بناء عدد من المؤسسات والمشروعات الاقتصادية. ففي 16 يناير 2016، افتتحت الصين البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، والتي سعَت من خلاله الصين لتأكيد نفوذها على الآخرين، باستخدام سياسة الإجبار والإرضاء.

البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية

كما أقامت بكين مبادرة الطوق والطريق، والتي هدفت من خلالها كذلك إلى اكتساب نفوذ اقتصادي أقوى. واعتبر الرئيس الصيني السابق هو جين تاو، في عام 2009 أن البنك “يجب أن يعزز بنشاط” جهود الصين لـ”إصلاح النظام الاقتصادي والمالي الدولي”، وأن ذلك يتم عبر الاستثمار في البنية التحتية.

كما أشار إلى أن الصين يجب “على وجه الخصوص” أن تشارك بنشاط في بناء الطرق السريعة والسكك الحديدية والاتصالات وقنوات الطاقة المحيطة بنا، وأن نعززها بقوة في المناطق الطرفية لتشكيل شبكة من البنية التحتية المترابطة والقابلة للتشغيل المتبادل حول الصين، وذلك قبل الإعلان رسمياً عن مبادرة الحزام والطريق اللاحقة.

وفي ما يتعلق بالقضايا الأمنية، أكد الرئيس الحالي “شي” أن المنظمات متعددة الأطراف هي الوسيلة لإنشاء “مجتمع المصير المشترك”، مع تقليص دور الولايات المتحدة في أي تحالفات إقليمية. وفي خطابٍ له في عام 2013، أعلن “شي” بجرأة أن “نظرة جديدة للأمن مطلوبة” لآسيا، وأنه يجب على الصين، لتوفيرها، تطوير استراتيجية أمنية شاملة مع الدول المجاورة. وبالمثل، على المستوى المؤسسي، أكد شي أنه من أجل تحقيق الصين النفوذ الإقليمي، يجب أن تشارك بكين بنشاط في المبادرات الأمنية الإقليمية ودون الإقليمية.

اقرأ أيضاً: تأملات في التحدي الصيني والحرب الباردة الثقافية

وباختصار، تشير تصريحات هو جين تاو وشي، بالإضافة إلى مختلف الوزراء الذين خدموا تحتهما، إلى أن الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية تم تنسيقها معاً لتعزيز دبلوماسية الصين تجاه جوارها الإقليمي، وخلق ما تسميه بكين “مجتمع المصير المشترك”.

كما تنظر بكين الآن إلى التكنولوجيا على أنها أمر مركزي في طموحاتها لإزاحة النظام الأمريكي؛ فالعالم يشهد موجة جديدة من الابتكار التكنولوجي، يشار إليها أحياناً باعتبارها “الثورة الصناعية الرابعة”، والتي تنظر إليها الصين باعتبارها فرصة لتجاوز الغرب.

وتشير الثورة الصناعية الرابعة عموماً إلى مجموعةٍ واسعة من التقنيات؛ أبرزها الذكاء الاصطناعي، والحوسبة، والتصنيع الذكي والتكنولوجيا الحيوية، وحتى العملات الرقمية الوطنية؛ حيث تعتقد بكين أن تقاطع التكنولوجيا مع سلاسل التوريد، وأنماط التجارة، والقوة المالية، وتدفقات المعلومات لديها يمنحها القدرة على إعادة تشكيل النظام جنباً إلى جنب مع الأدوات الاقتصادية التقليدية.

اقرأ أيضاً: كيف تنزلق الولايات المتحدة والصين نحو “دوامة أيديولوجية” و”حرب باردة”؟

وفي الختام، يؤكد دوشي أن مواجهة التحدي الصيني تتطلب من الولايات المتحدة إعادة الاستثمار في مجالات التنافسية والابتكار، والتي تعد أيضاً ضرورية لتجديد الولايات المتحدة من الداخل وتحقيق ازدهار الطبقة العاملة.

  • اسم الكتاب: «اللعبة الكبرى.. استراتيجية الصين الكبرى لإزاحة النظام الأمريكي»
  • اسم المؤلف: رش دوشي
  • المطبعة: مطبعة أكسفورد الجامعية
  • سنة النشر: 2021

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة