الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون خليجيةمقالات

اللا متوقع في مؤتمر الرياض الفلسفي

عبدالله الزيد♦

وأنا في الطريق لحضورِ أول أيام مؤتمر الرياض الفلسفي، والذي كانت أوراقه تدور حول “اللا متوقع في الفلسفة”، كنت حينها قد أقفلت آخر تعديلاتي على ترجمة لقاء تلفزيوني مطول مع الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول مجموع أعماله، في اللقاء الذي أفرجت عنه جامعة لوفان الكاثوليكية من أرشيفها، وقد عُقد في السابع من مايو عام 1981م، فوكو تساءَل في ذلك اللقاء عن مهمة الفلسفة اليوم تساؤلاً سبق أن أطلقه فيلسوف التنوير الألماني إيمانويل كانط في كتابه: Was ist Aufklärung” ” ما التنوير؟.. متفقاً فوكو مع كانط على أن مهمة الفلسفة هي الانشغال بالمستجد في حياتنا؟ ما الذي يدور حولنا اليوم والآن؟ وهذا الانشغال بالواقع يتطلب في -أحد شروطه- الخروج من سلطة المفاهيم الفلسفية الجامدة ونقدها وفضح السلطة الكامنة خلفها كما هو مشروع فوكو في جينولوجيا وأركيولوجيا التاريخ البشري.

الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو- أرشيف

وصلت إلى قاعة مؤتمر الرياض الأول في ردهات مكتبة الملك فهد الوطنية، وهنا عليّ أن أقول كلمة حق يستحقها حسن التنظيم والعمل من قبل فريق هيئة الأدب والنشر وشريكها التنظيمي الجمعية السعودية للفلسفة، لكني سأدخل مباشرة في محتوى المؤتمر الذي أعتقد أنه كان متفاوتا في مستوى جودة الأوراق المطروحة، ومع ذلك فقد حظي المؤتمر بأسماء فلسفية مهمة على مستوى العالم، ولكن السؤال الذي لم أجد له جواباً حتى الآن: هل كانت جميع أوراق العمل في المؤتمر محكمة علميا؟

حاولت البحث عنها مطبوعة ولم أجدها! أعتقد وبحسب -بعض ما حضرته- من أوراق فلسفية لم تتجاوز التأملات -المتكلفة أحياناً- وسرد لأدبيات ومفاهيم فلسفية، أعتقد بأن بعض الأوراق لم تكن منهجية، والملاحظة الأهم برأيي هو موضوع المؤتمر.. اللا متوقع في الفلسفة!

شاهد: فيديوغراف.. التداوي بالفلسفة

فإذا كان المقصود في اللا متوقع هو ما لا نستطيع ملاحظته وتوقع حدوثه، فهذا برأيي عبث فلسفي، والوجودية منذ نيتشه وصولاً لسارتر تحدثت عن ضرورة انتهاز الإمكانيات، الحياة بحسب إمكانية الحضور وأدوات الانفعال والعيش الحقيقي بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني الانشغال بما نملك وما يحدث فعلياً والآن!

طبعا إذا كان المقصود “باللا متوقع” هو ما ينتظر من ردود فعل الفرد الإنسان؟ فلن أفصل كثيراً فيما تقوله نظريات تنميط الفعل عند الاجتماعيين؛ منذ ماكس فيبر وحتى رواد الأنثروبولوجيا الثقافية، والبنائية التكوينية، وأعمال ماري دوغلاس في النظرية الثقافية التي تحدد مساحة لردة الفعل الاجتماعي لدرجة أصبح “اللا متوقع” كلمة فارهة لا معنى لها، هذا في حال كان المقصود باللا متوقع هو ردود أفعال الأفراد؟ أما إذا كان المقصود باللا متوقع هي الأحداث من حولنا؟ فما يميز المجتمعات الإنسانية هي قدرتها الفائقة على التكيف والانسجام، والإنسان قد ابتكر تقنياته الفعالة والفطرية لهزيمة الفجيعة والعودة من جديد للانسجام، ولم يسبق للحياة أن توقفت أو انهارت!

من فعاليات مؤتمر الرياض الفلسفي- وكالات

ولذا فاللا متوقع لا وجود له إلا كحالة تأملية تراجيدية متعالية عن الواقع، وحينما يدخل اللا متوقع “المتخيل” إلى الوجود الإنساني كحقيقة حياتية فلا وجود له إذاً! ثم اليوم مع اتساع مهام الدولة بمؤسساتها وسلطتها أصبح كل ما يتعلق في قراءة المستقبل هو عمل مؤسسات، وأصبح الفرد مجرد رقم ضمن مسار معقلن وأداتي، عموماً لا اعتراض ما دام هنالك فائض وقت، وقاعة، ومعدات صوت، يمكن أن نتفلسف في كل شيء وأي شيء لكن الفلسفة برأيي المتواضع قضية الواقع والحتمي والمصيري والآن.

اقرأ أيضًا: إلى من يهمه الأمر.. دراسة الفلسفة ليست ترفاً!

نعود للمؤتمر، وأعتقد أن ما ميز المؤتمر هو التفاعل بين الحضور خارج أروقة الندوات فقد كان التفاعل داخل أروقة المؤتمر قليلاً جداً، وكانت مهمة الحضور هي الإنصات للمفاهيم الفلسفية باستسلام، وهذا لا يخص هذا المؤتمر بل -للحق- هي سمة في كل المؤتمرات تقريباً، وقد تساءل كثيرون هل كانت المشاركة في أوراق المؤتمر متاحة للجميع؟ هل طرح موضوع المؤتمر للباحثين من كافة الجمعيات والمجموعات الفلسفية داخل وخارج المملكة؟

شاهد: فيديوغراف: الفلسفة.. وفن العيش

لا أملك لهذا التساؤل جواباً حقيقة، لكنني التقيت بعض المنظمين أمثال الدكتور عبدالله المطيري والعزيز شايع الوقيان، واللذين يمتلكان روحاً مفتوحة للنقاش، وعقلاً فلسفيا رائعاً، وقد تعرفت على نشاط الجمعية الفلسفية التي أتمنى أن نرى منها انفتاحا مع جميع الأطياف في مختلف مناطق المملكة ونشاطاً أكبر مع هذا الدعم الذي تحظى به الثقافة في المملكة العربية السعودية.

أخيراً، فاللا متوقع كان برأيي مبادرة مهمة وعمل رائع يستحق أن يدعم ويستمر لسنوات، خصوصاً مع هذا الكم من الحضور المبارك الذي ملأ أروقة المؤتمر وخصوصاً من الجنس الناعم والعطش لكل ما يحدث من فعاليات ثقافية وفكرية، رغم أنني لم أرَ الكثير من المشاركات في أوراق العمل من السعوديات؛ ولعنا في الدورات القادمة نرى وجوهاً نسائية أكثر ضمن المشاركات في إلقاء ورقات العمل، وأخيراً شكراً للجميع على كل ما قدم ويقدم.

♦باحث سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبدالله الزيد

باحث سعودي

مقالات ذات صلة