الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةملفات مميزة

الكنيس اليهودي في بودابست

ملامح الديانات الثلاث تجتمع في ثناياه

 كيوبوست – خاص

وسط العاصمة الهنغارية بودابست التي تعجّ بالقصور والآثار المختزنة لكثير من تاريخ أوروبا الوسطى وأمجادها، يتربع  كنيس “دوهاني”، أكبر كنيس في أوروبا والثاني في العالم، بعد كنيس نيويورك.

يوجد الكنيس في المكان؛ حيث كان البيت الذي ولد فيه تيودور هرتسل، مؤسس الحركة الصهيونية، وتحمل الساحة أمام الكنيس اسمه إلى اليوم.

ثيودور هرتزل

ما يُثير الاهتمام في هذا المعبد أن بناءه يختلف تمامًا عن أنماط بناء المعابد اليهودية؛ فهندسته المعمارية مستوحاة من البناء  العربي الإسلامي بامتياز، وفضاؤه الخارجي المزين بقبابه الصغيرة التي لا تبتعد في شكلها عن قباب المساجد في القرى والمدن الصغيرة في العالم الإسلامي، كذلك الصومعتان اللتان تشبهان مآذن المساجد، داخل المعبد، ونقوش فن “الأرابيسك” تزيِّن الجدران الخشبية.

  

أما داخل الكنيس فالشكل والمكونات تماهي إلى حد كبير شكل الكنيسة بمزج فريد وغير مسبوق في تاريخ الديانات. واعتمد المهندس المعماري النمساوي لودفيغ فورستر، الذي أشرف على تصميمه، على النموذج الكنسي؛ حيث توجد طاولة قراءة التوراة في آخر القاعة تمامًا مثل المذبح في الكنيسة، في حين أنه في بقية معابد اليهودية تتوسط الطاولة القاعة.

اقرأ أيضًا: هكذا ستكون تركيبة الديانات في 2050.

توجد عناصر أخرى من تأثير المعمار المسيحي، كالكراسي الجانبية وآلة الأورغ العملاقة في صدر القاعة، ومن النوادر أن يهود بودابست في صلاتهم يوم السبت يغنون ويستمعون إلى عزف الموسيقى، بشرط أن يكون العازف غير يهودي، لأن العزف يعتبر عملًا،  والعمل محرم يوم السبت، بينما الغناء ليس عملًا، فيغنون.

الكنيس الذي يزوره يوميًّا مئات السياح تُقسَّم فيه المقاعد، حسب عدة لغات، وفي غياب لافت للغة العربية، يتجمعون فيها أمام دليل يُقَدِّم لهم تاريخ الكنيس وتاريخ يهود المجر.

الكمال لله

الفهم اليهودي لبناء المعابد يرتكز أساسًا على فكرة أن الكمال لله وحده، وأن الإنسان دائمًا يخطئ، ولتجسيم هذه الفكرة في عمق الفهم الديني لها يضم كل كنيس خطأً في أحد رموز الديانة.

في هذا الكنيس يتجسَّم الخطأ في النجمة الثُمانية التي طغت على جدرانه، بينما حضرت النجمة السداسية بعدد محتشم وفي الداخل فقط.

الكنيس الذي يعود تاريخه إلى منتصف القرن التاسع عشر  شهد على أحداث تاريخية كثيرة رافقت تاريخ المجر الحديث، وأثَّرت أيضًا في خلق أفكار جديدة غيَّرت في طبيعة تعاطي اليهود معها.

منذ أمد طويل وجد اليهود بأعداد كبيرة في المجر، وكانوا يعيشون في مجموعات منغلقة؛ لصرامة تعاليم دينهم، ومع انتشار الفلسفة والأنوار الفرنسية وقيم المساواة والعدل بين الناس؛ أصبح اليهود مواطنين متساوين مع بقية المجريين مهما كانت دياناتهم. وهنا انقسم اليهود إلى حداثيين وأرثودوكس، حتى إنه في حي “بودا” كان هناك كنيسان متقابلان؛ أحدهما للحداثيين والثاني للأرثودوكس.

اقرأ أيضًا: دلالات زيارة البابا فرانسيس التاريخية إلى الإمارات.

ولكنَّ الحداثيين تميَّزوا أكثر في المجر وسيطروا على أغلب المنشآت الدينية؛ وأهمها كنيس دوهاني، وحتى على المدارس والجامعة اليهودية؛ لذلك يُدَرِّس الأرثودوكس لأبنائهم اللاهوت في جامعة فيينا اليهودية.

كارثة الحرب العالمية الثانية

ثم كانت الحرب العالمية الثانية وقدوم النازيين إلى بودابست، عاش اليهود المجريون كل أنواع العذاب، دُمِّر الكنيس ولم يبقَ منه إلا الأبراج التي استعملها النازيون للبث الإذاعي.

اختبأ اليهود في بيوتهم التي كانت تحيط بالكنيس، ومات منهم مئات الآلاف (600000) على يد النازيين، والمقبرة الموجودة في حديقة الكنيس تشهد على ذلك، كما تشهد لوحات التكريم لبعض القناصل والدبلوماسيين الأجانب على ما قاموا به؛ لمساعدتهم في التخفي والهروب من الهولوكوست.

المقبرة

في حديقة الكنيس أيضًا مجسم لـ”شجرة الحياة”، من تصميم الأمريكي إمري فارقا، وهي شجرة من الحديد صُممت سنة 1991، وحُفر على أوراقها أسماء ضحايا الهولوكوست.

رغم كل هذا ورغم هجرة العديد من اليهود ومغادرتهم المجر، فإن عدد اليهود ظل كبيرًا مقارنة بغيره في بقية بلدان أوروبا، والزائر لكنيس دوهاني يلاحظ وجود كنيس ملاصق له صغير الحجم، يفسِّر المشرفون عليه بكثرة عدد اليهود وقلة عدد المصلين في أيام السبت؛ لذلك فهم لا يستعملون الكنيس الكبير إلا في الأعياد الدينية والاحتفالات؛ بينما يصلِّي الملتزمون في الكنيس الملحق.

في البناء نفسه وفي الزيارة نفسها، يوجد متحف يضم الكثير من التراث اليهودي والعديد من صور ورسائل اليهود المجريين مع معرض للهولوكوست، وما عاناه اليهود في الفترة القصيرة لوجود النازيين في المجر قبل حلول الجيش الروسي.

 

 

الكنيس شاهد حي على تاريخ اليهود في المجر، وكيف تعايشوا مع محيطهم التاريخي والاجتماعي ونجحوا في تجاوز كل المحن والعقبات التي واجهت حضورهم، وبودابست مثل كثير من مدن أوروبا الوسطى تحمل في طيات تاريخها وثنايا شوارعها القديمة عمق الوجود اليهودي فيها وتأثره وتأثيره المتبادل فيها؛ ليشكل ثنائية فيها الكثير من العمق الإنساني بأبعاده الروحية والثقافية.

 

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة