الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةحوارات

الكنبوري: الجهاديون سرقوا “آيات القتال”.. وهذه أخطاء إسلاميي المغرب

الشاعر والروائي د.إدريس الكنبوري يدعو -في حوار مع "كيوبوست"- إلى تدريس آيات الجهاد في مقررات التعليم لسحب البساط من الجهاديين والمتطرفين

كيوبوست – حسن الأشرف

يعتبر الدكتور إدريس الكنبوري، الخبير في الشأن الديني والحركات الإسلامية والروائي والشاعر أيضاً، أن العالم العربي يتجاذبه إخفاقان رئيسيان؛ إخفاق أمني في مواجهة تحديات الجهاديين، وإخفاق تعليمي في مواجهة التحديات الحضارية.

ودعا الكنبوري، في حوار خصّ به “كيوبوست”، إلى تدريس آيات الجهاد في مقررات التعليم، بشكل يسحب البساط من تحت أرجل الجهاديين والمتطرفين، مبرزاً أن الحركات الإسلامية تعيش حالة من “الاصطراع الداخلي” والخصومة الفكرية والأيديولوجية وعدم الحسم في الخيارات الكبرى.

وأما بخصوص إسلاميي المغرب الذين جربوا تدبير الحكم؛ أي حزب العدالة والتنمية، فيقول الكنبوري إنهم ظلوا يربطون بين الدين والسياسة في الحملات الانتخابية وفي فترة المعارضة؛ لكن عندما وصلوا إلى سدة الحكم صاروا يفصلون بين الدين والسياسة.

وهذا نص الحوار مع إدريس الكنبوري:

اقرأ أيضاً: وحيد حامد.. رحيل مبدع ترك بصمة في مواجهة الإرهاب والتطرف

* كتبت في الشعر والرواية والترجمة، وألفت حول الحركات الإسلامية والسلفية الجهادية.. أول سؤال: أين يجد إدريس الكنبوري نفسه أكثر؛ في “شِعر الغاوين” أم ترجمات الغربيين أم رواية “الكافرون” أم اقتفاء خطوات الجهاديين؟

– ليس لي تفضيل لجنس تعبيري خاص على آخر؛ أحياناً تكون الرواية أكثر تعبيراً في ما يتعلق ببعض القضايا الإنسانية العامة والاجتماعية التي تتطلب نوعاً من الخيال واستحضار الذاكرة.

الكتابة الروائية هي الجانب الجمالي لبعض القضايا حتى لو كانت تتسم بشيء من البشاعة؛ مثل بعض الظواهر الاجتماعية والسياسية، فمهمة الفن أن يرتقي بالبشاعة إلى حد إقناع المتلقي بأهمية التصدي لها من خلال البعد الجمالي كما هي الحال في أعمالي الروائية؛ مثل رواية “زمن الخوف”، أو تيمة السلفية الجهادية والتطرف مثل رواية “الكافرون”، أو تعايش الأديان من قبيل رواية “عائد إلى أورشليم”.

غلاف لرواية الكنبوري

الإبداع الروائي يسمح بإمكانات واسعة للكاتب؛ حيث يتيح له قول ما لا يمكن قوله في الكتابة المباشرة والأسلوب التحليلي، لأن الأدب يعطي هامشاً للمناورة والتحايل على الرقابة.

* لا يجادل أحد بشأن عدم كفاية المقاربة الأمنية لوحدها -رغم أهميتها- في مواجهة التطرف والجماعات الإرهابية.. وهناك مَن يدعو إلى مواجهة التطرف الديني بالتكوين والتنوير؛ هل أنت مع هذا الطرح؟ وهل هو كاف بدوره؟

– يوجد فراغ فكري وثقافي؛ لهذا يتعين تحصين الشباب من خلال برامج تعليمية، ليس فقط لمواجهة التطرف؛ بل أيضاً لتحقيق النهوض.

لدينا في العالم العربي إخفاقان؛ إخفاق أمني في مواجهة تحديات الجهاديين، وإخفاق تعليمي في مواجهة التحديات الحضارية، يجب أن يكون لدينا تعليم منسجم يأخذ بعين الاعتبار هذين المستويين.

اقرأ أيضاً: على ماذا تقوم الاستراتيجية المغربية لمحاربة التطرف والإرهاب؟

الربط بين التطرف والتخلف مسألة مهمة، وسبق لي أن كتبت مقالاً بهذا العنوان قبل تفجيرات 11 سبتمبر 2001. وقُلت إنه لمواجهة التطرف الإسلاموي والجهادي لا بد من محاربة التخلف الفكري والعلمي والصناعي؛ فلا بد من وجود نهوض مجتمعي لربح رهان مواجهة الحركات الإرهابية.

هذا لا يعني التقليل من أهمية المقاربة الأمنية؛ فالأمن أصبح ضرورياً، ودور الأمن أصبح رئيساً على الصعيد العالمي؛ باعتبار أن التهديدات الإرهابية لم تعد مقتصرة على بلد دون آخر، إذ إنها تتجاوز الحدود الوطنية للدولة القطرية في العالم العربي.

المغرب يحارب التطرف الديني

* أثرت جدلاً قبل بضع سنوات بحديثك عما سميته “جهاد الاسترداد” من أجل محاربة التطرف والإرهاب.. هل يمكن توضيح مقصودك بجهاد الاسترداد؟

– نعم صحيح.. سبق أن دعوت إلى تدريس آيات الجهاد؛ فهناك نوع من تهريب نقاش الفكر الجهادي، وأصبح هذا الموضوع نوعاً من الطابوهات، وهذا يجعل الحركات الجهادية تستغل هذا السكوت لتمرر التأويلات لأحاديث وآيات الجهاد بشكل يؤثر على عقول الشباب الذين ينظرون إلى حالة التخلف والنكوص، فيكون البديل لديهم اللجوء إلى مثل هذه التفسيرات والوقوع في براثن الجماعات الإرهابية المتطرفة.

هناك ارتباط بين ما أسميه جهاد الاسترداد وتدريس آيات الجهاد؛ من أجل استعادة آيات الجهاد من الإرهابيين ومحاولة إعطائها التفسير الصحيح.

اقرأ أيضاً: مراجعات “جهاديين” في المغرب.. بين التوبة الصادقة و”التقية”

اليوم يوجد مجموعة من العلماء المعتبرين يقدمون قراءات أصيلة لمفهوم الجهاد في القرآن والسنة النبوية، وهذه التفسيرات موجودة عند علماء الإسلام الأولين؛ لكن هذه التفسيرات لا تجد طريقها إلى الناشئة ومؤسسات التعليم والإعلام لتواجه التأويلات الإرهابية التي تفسر الجهاد فقط باعتباره قتالاً.

والجهاد في الإسلام ليس فقط قتالاً؛ فهو آخر حل يمكن اللجوء إليه، وحتى مفهوم القتال صار الآن بيد الدولة الوطنية؛ فهناك جيوش نظامية، وبالتالي لا يتعين السماح للتسيب، فتصبح هناك دولة داخل الدولة؛ يعني وجود كيان إرهابي يتحكم في العقول ويعطي تفسيرات موازية للإسلام الذي تؤمن به الأمة وتتبعه الأمة ومجموع العلماء والمؤسسات الدينية المعتبرة، مثل مؤسسة الأزهر.

مؤسسة الأزهر الشريف

تدريس آيات الجهاد ضرورة حتمية؛ لأنه ما دمنا لم نسترجع هذه الآيات التي سرقها الجهاديون ونقدم لها القراءة القرآنية السليمة والرؤية العلمية الصحيحة، سيظل الجهاديون يقدمون أنفسهم على أنهم الخلاص بالنسبة إلى الأمة والشباب الضائع.

* سؤال مباشر.. برأيك؛ ما أبرز أخطاء الحركات الإسلامية التي جلست على كرسي الحكم في عدد من الدول العربية؟

– ارتكبت الحركة الإسلامية في العالم العربي مجموعة من الأخطاء؛ لكنها أخطاء طبيعية، فقد عاش الإسلاميون مراحل اضطراب خلال العقود الثمانية الماضية، وعاشوا حالة “تمرحل” في تجاربهم السياسية والعقدية والأيديولوجية؛ حيث كانت هناك خيارات كثيرة مطروحة أمامهم، مثل الخيار العسكري والخيار الانقلابي، ثم لم يقتنعوا إلا في العقود الأربعة الأخيرة بالخيار الديمقراطي والسلمي.

اقرأ أيضاً: الحركات الإسلامية بين الأصولية والمساواة

هذا جعل الحركات الإسلامية تعيش حالة من “الاصطراع الداخلي” والخصومة الفكرية والأيديولوجية وعدم الحسم في الخيارات الكبرى، الشيء الذي جعل الأنظمة العربية والغربية أيضاً لا تثق في هؤلاء الإسلاميين.

وعندما وصل الإسلاميون إلى الحكم في بعض البلدان كان طبيعياً أن يقعوا في الأخطاء؛ نتيجة هذا الارتباك الأيديولوجي، وعدم الحسم في بعض الخيارات الكبرى؛ خصوصاً في ما يتعلق بالتعامل مع الآخرين.

الإسلاميون في مصر

ندرك أن الإسلاميين، بسبب صياغة مفاهيم مثل العلمانية، كانوا يستعملون نوعاً من الحدية مع خصومهم، وهذا سد أمامهم منافذ الحوار وجعل العلمانيين يحاربونهم بشكل أكبر. بعض الإسلاميين اعتبروا أنفسهم قد وصلوا إلى فكرة التمكين، والتي تعامل بعضهم معها على أنها طيّ لصفحة الماضي و”مسح الطاولة” كما يُقال، من التجارب السابقة، وهذا دفع الآخرين إلى استعداء خصومهم عليهم. وزد على ذلك العلاقات مع الغرب بسبب خطاب إسلامي غلب عليه في وقت سابق الصدام؛ الشيء الذي جعل الغرب يناصبهم العداء وينظر إليهم بنوع من الخشية والريبة بشأن حصولهم على نوع من المشروعية لدى الجماهير العربية.

أعتقد أن الزمن هو زمن الفرز، وأرى أن الإسلاميين سيستفيدون بشكل أكبر من هذه الأخطاء وأيضاً من تجربة الحركات الجهادية.

* إذا أردنا الحديث عن حالة المغرب.. ما أهم أخطاء إسلاميي المغرب الذين قادوا الحكومة 10 سنوات؟ هل صحيح أن السعي إلى الحكم أفدح أخطائهم كما قال عبد الإله بنكيران؟

– للإسلاميين المغاربة خصوصية معينة؛ فلا يجب الخلط بين التجربة المغربية وتجارب أخرى، فالمغرب تحكمه مؤسسة قائمة منذ قرون هي المؤسسة الملكية، ثم مؤسسة إمارة المؤمنين، وهذا يعني أن الربط بين الدين والسياسة لا يحصل إلا في قمة هرم السلطة بالبلاد (..).

اقرأ أيضاً: إسلاميو المغرب وممارسة الحكم.. نقد ذاتي أم مناورة سياسية؟

هذه الخصوصية جعلت الحركات الإسلامية تبتعد عن التماس مع الدين والتعامل مع الخطاب الديني باعتباره خطاباً تعبوياً تلتجئ إليه وهي في سدة الحكم، وهذا ما لمسناه في حزب العدالة والتنمية عندما وصل إلى الحكم.

الخطأ في اعتقادي أن إسلاميي المغرب، وأقصد حزب العدالة والتنمية، ظلوا يربطون بين الدين والسياسة على مستوى الانتخابات، وعندما يصلون إلى تدبير الحكم يفصلون بين الدين والسياسة، وهذا الوضع جعلهم في مأزق في ما يتعلق بالمشروعية أمام الناخبين الذين باتوا ينظرون إليهم على أنهم يستغلون الدين.

حزب العدالة والتنمية أيام تسيير الحكومة

كان “العدالة والتنمية” في الحملات الانتخابية وفي معارضة الحكومات السابقة، يلجأ إلى الدين؛ مثل نقاش مهرجان موازين الغنائي، وبيع الخمور في الأسواق الكبرى، وقضايا اجتماعية مثل الشذوذ، وأيضاً التطبيع مع إسرائيل.. كل هذه الملفات عندما وصل “العدالة والتنمية” إلى الحكم بين 2012 و2021 سكت عنها وبدأ يحقق نوعاً من الألفة والاعتيادية مع الوضع القائم. وبعد فشله في الانتخابات بدأ هذا الحزب يعود إلى الدين، وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي ستزيد في إخفاقه السياسي.. قد يحقق تقدماً في الانتخابات المقبلة؛ لكن المشروعية الدينية والسياسية للحزب التي كان يروجها انتهت ولا يمكن إحياؤها من جديد.

مدة 10 سنوات كانت كافية للحكم على إسلاميي المغرب من طرف الرأي العام الذي اقتنع بأن هناك نوعاً من الازدواجية في التعاطي مع الدين والسياسة.

على حزب “العدالة والتنمية” أن يخوض معركة نقد ذاتي للمرحلة السابقة التي قاد فيها الحكومة أمام الرأي العام، وأن يجدد منظوره السياسي ومنظوره للإسلام.

اقرأ أيضاً: بنكيران زعيم “إخوان المغرب”.. مسارات حافلة من الشعبوية

* تدور رحى الحرب الروسية- الأوكرانية من شهور.. برأيك؛ ما مخاطر الحرب هذه على مستوى خلق “داعشيين جدد” أو انتعاش الفكر المتطرف والإرهابي؟

– الحرب الروسية- الأوكرانية من الحروب المفصلية الكبرى؛ لأنها تتعلق بحرب بين قوى كبرى، فهي حرب فرض الذات على الصعيد العالمي. هذه الحرب تستغلها الجماعات الإرهابية خصوصاً “داعش” الذي يبحث عن بؤر التوتر ليسجل حضوره ويكون أقرب إلى مراكز النفوذ حتى ينشر فكره ويستقطب مقاتلين جدداً.

“داعش” كان يتطلع إلى إعادة إحياء نفسه بعد الضربة التي تلقاها في بؤر التوتر في العراق وسوريا؛ فجاءت الحرب لتعطيه دفعة جديدة جعلته ينظر إلى الصراع الروسي- الأوكراني باعتباره يقدم ثغرة يستغلها التنظيم لاختراق البلدان الأوروبية، وقد يستغل حالة العداء بين روسيا وأوروبا للتقرب أكثر من روسيا.

لا يمكن استثناء هذه الجماعات الإرهابية من الأجندة الروسية ضد أوروبا، كما قد يستغل “داعش” الحرب ضد أوكرانيا للحصول على أسلحة لاستقطاب مقاتلين مخاصمين لأوروبا للتسلل إلى أراضي البلدان الأوروبية.

الخطر لم يعد فقط على صعيد الحرب الروسية؛ بل الخطر يكمن في مجموع الأزمات التي تنشأ في أرجاء العالم، خصوصاً في إفريقيا، وهو ما يملي على الحلف الأطلسي والولايات المتحدة وأوروبا مسؤولية إدراك حجم الخطورة الذي يحدق بالأمن العالمي؛ بسبب وجود هذه التنظيمات ومحاولة استغلال الحروب، وكلما طالت الحروب في الزمن تطورت الجماعات الإرهابية وحاولت إحياء نفسها من جديد.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة