الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“الكمامة”.. هكذا تطورت!

كيوبوست

في بحثٍ نشرته مجلة “Physics of Fluids“، حول سلوك تدفق القطيرات والغبار الجوي عبر الكمامة خلال “كوفيد-19″، فإنه يمكن القضاء على الفيروس إذا التزم 70% من الناس على الأقل بارتداء الكمامات في الأماكن العامة.

هذه ليست المرة الأولى التي تُنشر فيها دراسات وأبحاث تشير إلى مدى فعالية الكمامة بأنواعها المختلفة، في الحد من انتشار الأوبئة؛ نظراً لتقليلها من احتمالية العدوى، فكيف اختُرعت؟ وما مراحل تطورها؟

الطبيب منقار

قبل أن نرى الكمامة أمراً واقعاً في الحياة العامة؛ خصوصاً خلال جائحة كورونا، مرَّت الكمامة بعدة مراحل خلال تطورها، وكان أول ظهور لقناع الوجه الطبي في باريس على يدِّ طبيب الملك لويس الثالث عشر، شارل دي لورم، عندما ضرب وباء الطاعون العاصمة باريس عام 1619، حينها اخترع دي لورم بدلة مخصصة للأطباء، سمّي الطبيب الذي ارتداها بـ”الطبيب منقار”، وكانت تغلّف كامل الجسد بما في ذلك الوجه بقناع مع منقار محشو بتوابل وأعشاب؛ لضمان عدم الإصابة بالمرض، مستنداً بذلك إلى نظرية “أبقراط”، التي كانت سائدة حتى القرن التاسع عشر، مفادها أن الأمراض تنتقل إلى الإنسان من خلال البيئة المحيطة به، إلا أن هذه النظرية نُسفت عندما تم اكتشاف الكائنات الدقيقة المسببة لانتقال الأمراض.

زي الطبيب منقار- أرشيف

بعد اكتشاف الكائنات الدقيقة، رأى بعض الأطباء ضرورة ارتداء الكمامات والقفازات التي كانت تستعمل بشكل محدود في المستشفيات؛ منهم الطبيب بول بورجيه. في المقابل رأى آخرون أنه لا فائدة مرجوة منها، كالطبيب فيلكيس ديريه، الذي كان يظن أن عدوى الإصابة بالمرض تنتقل من خلال لمس الجسم المريض.

اقرأ أيضاً: إدوارد جينر.. أبو علم المناعة ومخترع أول لقاح في التاريخ

وفي عام 1897، نشر الطبيب كارل فريدريش فلوج، نتائج ذات صلة بموضوع الكمامة، في أعماله حول تطور العدوى بالقطيرات (جسيمات صغيرة تسبب العدوى)، ضمن بحثه حول نشأة مرض السل. في العام ذاته، نُشر عمل مشترك بين تلميذ فلوج، وتيودور بيلروث، والجراح البولندي يوهانس فون ميكوليتش، نصحا من خلاله بارتداء ضمادة وجه، مصنوعة من طبقة شاش، خلال إجراء عمليات جراحية.

من طبقتَي شاش

كان لانتشار طاعون الدبلي، في منشوريا شمال شرق الصين، عام 1910، فضل كبير في ظهور الكمامة؛ فحينها كانت معدلات الوفيات بالوباء تقارب الـ100%، وبينما كان يعتقد أن سبب الإصابة بالوباء هو الفئران والبراغيث فقط، أعلن الطبيب الصيني، ماليزي الأصل وو لين تيه، أن الهواء ينقل العدوى أيضاً؛ فقد استنتج بعد تشريحه جثة مصاب بالمرض أن المرض رئوي؛ لأنه سريع الانتشار.

وبناء عليه، أكد ضرورة ارتداء الكمامة، وارتدى هو كمامة صنعها من طبقتَي شاش؛ لكن تم تجاهله، وقوبل اقتراحه بالسخرية، ومنهم الطبيب الفرنسي جيرالد ميسني، الذي لم يؤمن بجدوى الكمامات، وكان يزور مرضى الطاعون دون ارتداء كمامة؛ ما أدى إلى وفاته نتيجة إصابته بالوباء.

كمامة وو لين تيه.. المكتبة الوطنية- سنغافورة

كانت وفاة ميسني صادمة؛ لأنها جاءت نتيجة تجاهله نصيحة وو لين، وسخريته منه؛ لذلك ازداد تأييد ارتداء الكمامة خلال جائحة طاعون الدبلي، إلى جانب الالتزام بالعلاج ضمن الحجر الصحي؛ مما أدى إلى السيطرة على الطاعون في غضون 7 أشهر، فوصل اسم وو لين إلى أوروبا عبر الصحافة، وكانت تجربته مثيرة للاهتمام مع بداية الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، إلا أن ارتداء الكمامة حينها كان محدوداً، ظناً أن الوباء بكتيري وليس فيروسياً، بعدها جرت محاربة الوباء (الإنفلونزا الإسبانية) في منطقة الساحل الغربي الأمريكي، من خلال تغطية الوجه، بنص قانوني، فقد أصدر مكتب الصحة في كاليفورنيا قراراً إلزامياً بارتداء الكمامات؛ الأمر الذي قوبل بظهور حركة ضد ارتدائها.

اقرأ أيضاً: أبعد من أساطيرنا حول “كورونا”.. أوبئة الألفية الأولى غضبٌ من الآلهة!

في الثلاثينيات، تواصل البحث حول أهمية دور الكمامات؛ تحديداً في ألمانيا والولايات المتحدة، وفي الأربعينيات بدأ استخدام الكمامات القابلة للغسل والتعقيم، داخل العمليات الجراحية، وابتداءً من منتصف الستينيات جرى إدخال مواد تستخدم لمرة واحدة في صناعة الكمامات كالورق والصوف.

استمرتِ الكمامات في التطور، وأثبتت فاعليتها بتقليل فرص انتقال العدوى، وأخذت أشكالاً متعددة؛ منها كمامة “N95″، التي تعتبر أكثر الكمامات فاعلية، إذ توفِّر أعلى إمكانية من الحماية بنسبة ترشيح لجزيئات الهواء المستنشق تصل إلى 95%، أما النوع الأكثر رواجاً اليوم فهو الكمامة الجراحية التي تستخدم مرة واحدة وتعمل على تصفية نحو 60% من جزيئات الهواء المستنشقة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة