الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

الكلبة “بَني” تشغل العلماء

الكلبة المتكلمة الأكثر شهرة على تطبيق "تيك توك" ألهمت الباحثين الحقيقيين

كيوبوست- ترجمات

كيت سانشيز♦

لا غرابة في أن تمضي أليكس ديفاين، مثل كل مالكي الكلاب المخلصين، ساعات من كل يوم في غرفة جلوسها وهي تتحدث إلى كلبتها “بَني”؛ ولكن الغريب أن “بَني” تتكلم أيضاً. إذا دخلت إلى صفحة ديفاين على تطبيق “تيك توك” سوف ترى مجموعة من مقاطع الفيديو بهذا الخصوص؛ فالكلبة “بَني” تقف إلى جانب مجموعة من الأزرار الموضوعة على أرضية الغرفة، وترفع مخلبها وتضغط على أحدها، فينطلق التسجيل الموجود على كل من هذه الأزرار بكلمات مثل “المزيد، اخدش، الآن”.

أبهرت الكلبة “بَني” الناس بقدرتها على “الكلام”، ولديها خمسة ملايين متابع على تطبيق “تيك توك”، ويحصد كل واحد من مقاطع الفيديو الخاصة بها مئات الآلاف من الإعجابات. وهنالك الكثير من المقاطع التي تقلد “بَني” بنوع من السخرية على “تيك توك” والكثير من النكات حولها على “تويتر”. وقد أحبت ديفاين هذه التعليقات، وتقول “معظم هذه التعليقات كانت مضحكة، لقد أضحكتني كثيراً”.

إلى جانب انشغالها بخدش ظهر كلبتها “بَني”، فإن ديفاين فنانة، وتقول إنها ليست خبيرة في علم الكلاب، وهي تتلقى مئات الأسئلة من الناس كل يوم. ومن الأسئلة الدائمة التي تأتيها من المعجبين والمشككين على حد سواء: هل هذه الكلبة تتكلم فعلاً؟ دفعت مقاطع “بَني” الباحثين في مختبر الإدراك المقارن في جامعة كاليفورنيا إلى المحاولة للإجابة عن هذا السؤال؛ ولكنهم لم يقتربوا حتى الآن من الوصول إلى إجابة شافية، وما زالوا يجمعون الكثير من المعلومات في مسار بحثهم.

اقرأ أيضًا: وأصبح للحيوان مأوى.. نزل خاص بالحيوانات الأليفة في تونس

بدأت رحلة “بَني” عندما شاهدت ديفاين مقاطع فيديو لإخصائية أمراض النطق واللغة كريستينا هانغر، التي كانت تعلِّم كلبتها “ستيلا” أن تستعمل لوحة أزرار، مسجل على كل زرّ منها كلمات معينة. الجهاز عبارة عن جهاز بديل معزز للتواصل يستخدمه عادة الأشخاص غير القادرين على الكلام للتواصل. وبإلهام من تجربة هانغر، بدأت ديفاين بتدريب كلبتها “بَني” منذ الأشهر الأولى من عمرها، كما بدأت بوضع منظومتها الخاصة من الأزرار واحداً بعد الآخر. والآن وقد أصبحت “بَني” في شهرها الخامس عشر، أصبحت قادرة على التعامل مع مجموعة من 70 زراً.

وبعد أن بدأت مقاطع فيديو ديفاين تجذب الاهتمام في مطلع الربيع الماضي، بدأ فيديريكو روسانو، مدير مخبر الإدراك المقارن في جامعة كاليفورنيا، في مناقشة هذه المقاطع مع زملاء له في قسمه. بدؤوا بالتخطيط لمشروع لدراسة “بَني” وكلاب أخرى مثلها تتعلم استخدام الأزرار؛ وهم يأملون أن يحددوا علمياً في ما إذا كانت الحيوانات قادرة على استعمال ما يشبه اللغة لغرض التواصل. والآن هنالك ما يزيد على 700 مشارك من الكلاب والقطط وحتى الخيول. ويقر روسو أن هذا العدد المتنامي يرجع الفضل فيه إلى شعبية “بَني” الكبيرة التي جذبت الناس إلى المشروع.

امرأة من تاكوما تعلم كلبتها كيف تتواصل باستخدام الأزرار الناطقة- “سياتل تايمز”

يتلقى كل مشارك تعليمات حول كيفية إعداد الأزرار الخاصة به؛ بدءاً بكلمات مثل “اخرج” و”العب”. وتوجد كاميرا موجهة على الأزرار بشكل دائم، وتُرسَل المقاطع المصورة إلى المختبر دائماً؛ حيث يقوم الباحثون بتمشيط ما يرونه وتصنيفه. يقول روسانو: “نريد التأكد من أننا لا نتلقى مقاطع مختارة”.

يخطط روسانو وزملاؤه لاستخدام تلك المقاطع لفهم الجوانب المختلفة لإدراك تواصل الحيوانات؛ ليس فقط في ما إذا كانت الحيوانات قادرة على استعمال ما يشبه اللغة للتواصل، بل كيفية عمل هذا التواصل. ومن أول الأشياء التي ينظرون إليها هو مدى سرعة الحيوانات في تعلم كيفية استخدام الأزرار. وهذا يعني جمع البيانات الأساسية؛ مثل معرفة سرعة تعلم الكلب في أن يربط بين زر يقول “اخرج” مع فعل الخروج. ويأمل روسانو أنه بفضل العدد الكبير والمتنوع من المشاركين، سيتمكن من تحديد الرابط بين عوامل؛ مثل الفصيلة أو السن، مع سرعة التعلم.

شاهد: فيديوغراف.. ارتفاع معدل اقتناء الحيوانات الأليفة حول العالم.. ما السر؟

ويتطلع روسانو وزملاؤه إلى معرفة كم تمتلك الحيوانات من الخصائص التي يعتقد أنها تنحصر بالبشر؛ مثل الإزاحة الزمانية والمكانية، أو القدرة على إبداء الملاحظات وتشكيل السرد. فعندما تسأل الكلبة (بَني) “أين” “أب” فهل يعني ذلك أنها تمتلك إحساساً بالإزاحة المكانية؟ وهل تدرك معنى “أب” وأنه غير موجود معها في الغرفة نفسها؟ وعندما يضغط كلب آخر على زرَّي “ماء” و”اخرج” فهل يعني ذلك ملاحظة حول المطر في الخارج أم أنه يطلب الخروج ليشرب؟

كان من بين الإضافات الأخيرة التي طلب الباحثون إضافتها على لوحة أزرار “بَني” كلمات متعلقة بمفهوم الوقت؛ بما فيها “الصباح” و”المساء” و”أمس” و”غداً”. لا يُعرف الكثير عن كيفية تصور الكلاب لمفهوم الوقت. ليزا غانتر، الباحثة في جامعة ولاية أريزونا، التي عملت مع كلاب تعاني قلق الانفصال، تعتقد أنه من المرجح أن الكلاب لديها مفهوم المدة؛ ولكن “مَن يدري كيف سيصفونها”.

الخطوة التالية المتوقعة في شتاء 2021، هي إرسال الباحثين إلى منازل الحيوانات لإجراء تجارب أكثر ضبطاً، هل ستكون الكلاب قادرة على إظهار نفس السلوكيات الرائعة التي تبديها مع أصحابها أمام الباحثين الغرباء؟ ستكون هذه التجارب حاسمة في الوصول إلى نتائج مؤكدة حول مدى فهم هذه الكلاب.

بعض الكلاب الذكية تتظاهر بالمرض كي تجذب الاهتمام من أصحابها- “توب دوغ تيبس”

عندما تضغط “بَني” على “اهدأ، صوت، آآآه”؛ فهي ربما تستخدم سلسلة جديدة من الكلمات المعروفة لتخبر أحداً ما بأن يهدأ، أو ربما تكون قد ضغطت على سلسلة عشوائية من الأزرار، وتركت تحيزنا لتأكيد النتائج يقوم بتفسير كلماتها. ديفاين تقول إنها تعتقد أن “كلام” (بَني) هو تكييف فعال في المقام الأول؛ حيث ربطت “بَني” بين ضغط زر ما وحدوث أمر معين. إن الفهم الحقيقي للغة يتجاوز هذا الربط البسيط، ويمتد إلى وضع تراكيب فريدة من الكلمات مع بعضها للوصول إلى سرد معين.

تشكل “بَني” وأقرانها جزءاً من تاريخ طويل من البحث في التواصل والإدراك الشبيه بالإنسان عند الحيوانات. هنالك أمثلة شهيرة بين الرئيسيات؛ مثل كانزي، والشمبانزي الذي حفظ مئات الرموز على لوحة مفاتيح خاصة، وهنالك كلاب مثل “تشيسر” الذي يمكنه أن يتذكر أسماء أكثر من ألف شيء. لا يهتم الباحثون من جامعة كاليفورنيا كثيراً بعدد الرموز التي تحفظها “بَني”، بقدر ما يهتمون بكيفية استخدامها مفرداتها للتواصل مع البشر.

واحدة من حالات التواصل سيئة السمعة بين الحيوانات والبشر هي حالة “كليفر هانز”، حصان القرن العشرين الذي يبدو أنه قادر على الإجابة عن أسئلة في الحساب عن طريق النقر بحافره على الأرض؛ فبعد بعض التحريات تبين أن الحصان لم يكن يجري أية عمليات حسابية؛ بل كان يلاحظ إشارات خفية من الشخص الذي كان يسأله، كي يتوقف عن النقر.

شاهد: فيديوغراف.. هل تنقل الحيوانات المنزلية فيروس كورونا؟

يحذر الباحثون من الوقوع في فخ “كليفر هانز”. يقول روسانو إن مقاطع فيديو “بَني” مثيرة للاهتمام؛ “ولكننا يجب أن نكون في غاية الحذر بشأن ما نعتقد أنه يحدث، فهنالك مخاطر كبيرة جراء تقديم ادعاءات جريئة”، وهو يرغب في جمع القدر الأكبر من المعلومات، ولن يقدم أي استنتاجات حاسمة حول قدرات “بَني” اللغوية قبل أن تحدد التجارب مدى تأثير البشر على أفعال حيواناتهم.

وحتى لو تبين أن ضغط “بَني” على الأزرار لم يكن تواصلاً بالمعنى الكامل، فإن روسانو يعتقد أن البحث يسير على المسار الصحيح بالمقارنة مع تجارب ماضية؛ حيث أُخذت الحيوانات بعيداً عن بيئتها الأصلية. ويرى روسانو أنه بما أن الكلاب تعيش بشكل طبيعي مع أصحابها من البشر، فإن هذا الرابط يجعلها موضوعاً مناسباً لهذا البحث؛ خصوصاً عندما يجرى البحث في منازل هذه الكلاب.

الكلبة “بيللا” تعرف كيف تخرج حبات الطعام من الزجاجة- “رومبل”

وبفضل تاريخنا المشترك الذي يعود إلى آلاف السنين، تمتلك الكلاب فهماً كبيراً لتعابير البشر في التواصل. تقول غانتر: “هذا ما يجعلها مختلفة عن إجراء الأبحاث على الرئيسيات أو على أي أنواع أخرى غير مرتبطة بنا بشكل وثيق.. لا أعتقد أنه يمكن التقليل من شأن الوقت الطويل الذي أمضته الكلاب وهي تنظر إلينا وتتعلم”.

ولأن الكلاب تتعلم منا طوال الوقت، ولأن لديها طريقتها الخاصة في التواصل، تشعر غانتر بشيء من القلق من أن الإثارة حول مشروعات كهذه يمكنها أن تنتقص من العلاقة التي أسسناها كبشر مع الكلاب. وتقول: “لا أريد أن تبعدنا هذه التجارب عن الطرق الرائعة التي نتشارك فيها حياتنا مع الكلاب وعن الطريقة التي تتحدث فيها إلينا طوال الوقت حول ما تريد وبماذا تشعر”.

ولكن روسانو يعتقد أن المهارات الذاتية للكلاب في التواصل -الأصوات غير اللفظية والإيماءات والشم- ليس من السهل على البشر تعلمها باستثناء المدربين ذوي الخبرة. وهو يرغب في معرفة إذا ما كانت الكلاب قادرة على تعلم الكلمات وجمعها في سبيل التعبير بشكل أفضل عن حاجاتها من دون الحاجة إلى الكثير من التخمين من جانب البشر.

المهارات الخاصة تظهر مدى ذكاء الكلاب- “بزنس إنسايدر”

تعتقد غانتر أن رد الفعل الهائل تجاه مقاطع “بَني” ربما يكون ناتجاً عن توترنا عندما يتعلق الأمر بتلبية كل حاجات حيواناتنا. فالكلب القادر على التواصل معنا بطرقٍ جديدة، ربما سيدفعنا إلى الاعتقاد بأن الحيوانات “لديها أفكارها ورغباتها وحاجاتها.. وأعتقد أن هذا يعني أننا سوف نكون مقصرين معها في بعض الأحيان”.

تقول غانتر: “وحتى عندما يكون لدى البعض أزمة وجودية بهذا الخصوص، فربما ذلك يعني أننا ننظر إلى العالم من منظارهم أكثر قليلاً”.

تأخذ ديفاين بوجهة نظر “بَني” في الكثير من الأحيان، مع محافظتها على مستوى معقول من التشكيك حول مستوى فهم “بَني”. وتقول: “لا أعتقد أنها تفهم الأمور كما نفهمها نحن على الإطلاق”؛ ولكنها لا تزال ترى العملية جذابة لكلتيهما، وتقول إنها قربت إحداهما من الأخرى. “بَني” تستعمل أزرارها طوال اليوم؛ ولكن إذا ما فقدت اهتمامها في هذه الأزرار فلا بأس بذلك، فالأمر كله متوقف على العلاقة بينهما.

المصدر: ذا فيرج

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات