الواجهة الرئيسيةترجمات

الكتابة.. مهارة وحيدة لا تهزمها الشيخوخة

كيوبوست-ترجمات

لقد خسر العالم أحد أهم الأصوات الأدبية تأثيرًا بوفاة توني موريسون، في الخامس من أغسطس الماضي. وربما يثير حماسة القراء هذا النوع من الكُتَّاب الذين يظهرون إلى العلن باعتبارهم عباقرة منذ نعومة أظفارهم؛ لكن توني موريسون لم تكن الطفلة المعجزة؛ حيث نشرت أولى رواياتها “أكثر العيون زرقة” عن عمر  يناهز التاسعة والثلاثين.

وبعد أن بلغت السبعين، قامت بإصدار 4 روايات و4 كتب للأطفال وعديد من المقالات والكتابات الواقعية، ثم أنهت حياتها في عمر الرابعة والثمانين بإصدار  رواية “ليكن الله في عون الطفلة”، وهكذا يبدو أن عبقرية موريسون كانت تتجلَّى بشكل أعظم كلما تقدَّمت في العمر.

وليست توني موريسون الكاتبة الوحيدة التي تنطبق عليها تلك الأوصاف، فهناك كثير من الكتاب الذين أنجزوا أعمالًا ملهمة في سن السبعين والثمانين وحتى في أعمار متقدمة للغاية كالتسعين، لدينا على سبيل المثال هيرمان ووك، الذي نشر روايته الأخيرة “صانع القانون” عن عمر  يناهز السابعة والتسعين.

وتؤكد هذه الأعمال الأدبية الفذة حقيقة مهمة للغاية؛ وهي أن تقدمنا في العمر لا يفقدنا قدرتنا على التحدُّث إلى الآخرين والكتابة إليهم، كما لا ينتزع منا مهارة تعلم الجديد من المفردات اللغوية، فمن الممكن أن تضعف أبصارنا وتتداعى قدرتنا على التذكُّر، لكن على الجانب الآخر ربما نختزن كثيرًا من قدرتنا على إنتاج اللغة والتعبير  بها في هذا العمر المتقدم.

البراعة اللغوية رحلة لا تنتهي

تتطور بعض القدرات اللغوية في أذهاننا كمعرفتنا بمعاني الكلمات، على سبيل المثال، في فترات منتصف العمر؛ لكنها وللغرابة تتطوَّر أيضًا في المراحل المتأخرة من أعمارنا. وليس الأمر ببعيد عن التحليل العلمي؛ ففي دراسة علمية أُجريت على بعض المتقاعدين في دار مسنين بولاية شيكاغو الأمريكية، اكتشف الباحثون أن أمخاخ هؤلاء العجائز  تتسع لنحو 21000 مفردة لغوية للفرد الواحد، وإذا قارنّا تلك الدراسة بأخرى أُجريت على طلبة الجامعة، فسنجد فارقًا ملحوظًا لصالح المسنين؛ حيث بلغ متوسط سعة أمخاخ الطلبة نحو 16000 مفردة لغوية فقط.

وفي دراسة أخرى أُجريت على عينة من المتحدثين بـ”العبرية” يُقدر  متوسط أعمارهم بنحو 75 عامًا، اكتشف الباحثون أن هؤلاء المتطوعين يتفوقون على نظرائهم من متوسطي العمر  في تمييز معاني الكلمات.

على الجانب الآخر، يمكن اعتبار قدراتنا اللغوية مؤشرًا على الحالة الذهنية التي سنكون عليها في المستقبل؛ ففي بعض الأحيان يمكن أن تتنبأ قدرات الفرد اللغوية الفقيرة بتعرضه لخلل عقلي في سنوات عمره الأخيرة، والتي قد تمتد إلى عقود من العجز الذهني.

اقرأ أيضًا: عادات تتلف خلايا الدماغ.. فاحذر منها!

وقد قام عالم الأوبئة ديفيد سنودون، عام 1996، بدراسة نماذج كتابة لبعض السيدات بعد التحاقهن بسلك الرهبنة،  وكان سنودون محظوظًا؛ بسبب تطوع الراهبات للتبرُّع بأمخاخهن لأغراض البحث العلمي بعد تعرضهن للوفاة، وهو ما مكنه من مقارنة أمخاخهن بنماذج الكتابات التي كتبنها في وقت مبكر؛ فاستنتج وجود علاقة بين فقر المهارات اللغوية في عمر مبكر وتعرُّض الفرد إلى الخرف المصاحب للشيخوخة بعد ذلك بعقود.

لا تترك الكتاب أبدًا

ويتم الحفاظ على قدرتنا الخاصة بالقراءة والكتابة جيدًا في أمخاخنا؛ حتى بلوغنا مراحل متقدمة من العمر، لذلك علينا تنمية تلك المهارات وإبقاؤها في حيز العمل بقدر ما نستطيع؛ لسبب بسيط هو أن ممارسة مهارات كالكتابة والقراءة من المحتمل أن تحول دون انخفاض قدراتنا الذهنية في المستقبل، والمواظبة على قراءة الجريدة بشكل يومي على سبيل المثال تقلل من خطورة التعرض لبعض أنواع الخرف المصاحب للشيخوخة؛ بما فيها مرض ألزهايمر.

اقرأ أيضًا:  مشاكل صحية مصاحبة للشيخوخة قد تصيب الشباب أيضًا

أيضًا من الحقائق التي قد تجعلك لا تكف عن الدهشة، كون قراءة الأعمال الأدبية التي تعتمد على الخيال تساعد في إطالة متوسط عمر الفرد، وعلى الأقل لدينا دراسة واحدة صدرت عن كلية الصحة العامة بجامعة ييل، تثبت هذا الأمر؛ حيث اكتشف الباحثون أن الأشخاص الذن يواظبون على ممارسة القراءة لمدة نصف الساعة يوميًّا تمتعوا بأعمار أطول بمعدل عامَين مقارنةً بالأشخاص غير المهتمين بالقراءة.

اقرأ أيضًا: مكونات غذائية تُجنبك الإصابة بمرض ألزهايمر

وتعد اللغة بلا شك رفيقًا دائمًا للإنسان خلال رحلة حياته؛ لذلك ليس من الغرابة في شيء أن نجدها تتشابك مع حالتنا الصحية ومتوسط أعمارنا، وبينما يواصل الباحثون اكتشاف المزيد من الحقائق العلمية حول علاقة اللغة بحالتنا الذهنية والصحية مع التقدم في العمر، نجد أن القليلين للغاية يحرصون على امتلاك المهارات التي كانت تمتلكها موريسون، لكن إجبار عضلاتنا الأدبية واللغوية على النمو أمر واجب علينا جميعًا؛ لأنه لن يمر دون جني كثير من الفوائد.

المصدر: زي كونفرزيشن

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة