الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“الكارما”.. التحرر من عواقب الخطايا للانعتاق من الحياة

كارما، كلمة سينسكريتية مشتقة من كلمة كارمان، وتعني الفعل؛ فكل خطوة يُقدم عليها الإنسان ستؤثر عليه في المستقبل، أو في حياة أخرى مقبلة؛ بما في ذلك كلماته وأفكاره التي قد تؤثر على الآخرين

كيوبوست

على الرغم من وجود فكرة مشابهة لمفهوم “كارما” بالثقافات عموماً؛ فبالثقافة الغربية يقول المثل: “what goes around comes around”، بمعنى ما يخرج منك سيعود إليك، وبالثقافة العربية “الإنسان يحصد ما يزرع”؛ فإن مصطلح “كارما” أكثر قِدماً وشمولاً، لأنه يتعلق بالانعكاسات التي تسببها الدواخل الخفية للإنسان، ولا ينحصر بأفعاله الملموسة.

في أغلب الأحيان، يستخدم في العالم والغرب خصوصاً، بغير معناه؛ إذ يشار من خلاله إلى الحظ أو القدر أو الظروف المفاجئة، بينما يحمل المصطلح دلالات مختلفة تماماً، فما معناه الحقيقي؟ وإلى أين يعود جذره الأصلي؟

لكل نتيجة سبب

كارما، كلمة سينسكريتية مشتقة من كلمة كارمان، وتعني “الفعل”؛ وهي مفهوم جوهري في بعض الديانات الشرقية، بما في ذلك الهندوسية والبوذية والجاينية، وعلى اختلاف تفاصيلها من ديانة إلى أخرى، تقوم فكرة “كارما” بشكل عام على مبدأ السببية؛ إذ تعيد النتيجة للسبب، فكل خطوة يقدم عليها الإنسان ستؤثر عليه في المستقبل، أو في حياة أخرى مقبلة؛ بما في ذلك كلماته وأفكاره التي قد تؤثر على الآخرين.

تقوم فكرة “كارما” بشكل عام على مبدأ السببية.. إذ تعيد النتيجة للسبب- creativityboost

ولا تقتصر الكارما على الأفعال فقط بل تشمل النيَّات؛ فإن أقدم الشخص على فعل جيد بنيَّات سيئة، النتائج ستكون سيئة، والعكس صحيح.

متى ظهرت؟

برز مفهوم كارما لأول مرة في الكتاب المقدس للديانة الهندوسية (الفيدا)، وتشير التقديرات إلى أن المصطلح ابتكر في منتصف الألفية الأولى قبل الميلاد، على يد عالم اللاهوت الفيدي “Yajnavalkya”؛ إذ أطلق فكرته التي أصبحت شائعة اليوم، في حين كانت جديدة وغامضة حينها، ومفادها: “يتحول الإنسان إلى شيء جيد بفعلٍ جيد، وإلى شيء سيئ بفعل سيئ”.

بقي المفهوم محدود المعنى والانتشار، لغاية توسعه على الصعيد الفلسفي والممارسة الطقوسية، عبر الأوبنشاد التي يعود تاريخها إلى 800- 300 قبل الميلاد؛ وهي آخر جزء من كتاب الفيدا.

الكارما في الديانات الشرقية

الفكرة الأساسية من قانون كارما تهتم بنتائج الأفعال؛ الأمر الذي يضفي عليها بعداً أخلاقياً في جميع الديانات الشرقية التي تعتقد بها، وعلى عكس إيمان أتباع الديانات الإبراهيمية المطلق بوجود إرادة إلهية تحقق العدل أو تمتحن العبد بالظلم الواقع عليه، ترتبط الكارما بقانون سببي مستقل؛ وهي بذلك تبرئ الله من سبب وجود الشر. الفكرة الجوهرية للكارما مجمع عليها من قِبل المؤمنين بها؛ لكن في التفاصيل تكمن الفروقات.

شاهد: فيديوغراف.. اللا دينية.. أحدث الديانات الكبرى في العالم

يشيع الاعتقاد بقانون كارما في مدرسة الفيدا في الديانة الهندوسية، أكثر من سواها في باقي المدارس والمذاهب الهندوسية الأخرى؛ كالميمامسا مثلاً. وترتبط بالكارما، حسب الديانة الهندوسية، فكرة التناسخ أو التقمص؛ فينال الإنسان نتائج أفعاله الخيرة أو الشريرة في المستقبل، أو بعد مماته في حياة أخرى عبر تقمصه جسداً آخر ليس بالضرورة أن يكون بشرياً، وللكارما في الديانة الهندوسية ثلاثة أنواع:

  • Sanchita (الكارما الماضية): هي الكارما المتراكمة خلال حياة الفرد السابقة، ويتفرع منها Prarabdha كارما؛ وهي جزء من الكارما الماضية المتراكمة، التي تتسع وتظهر كمشكلة في الحياة الحالية.
  • Kriyamāṇa (الكارما الحاضرة): هي الكارما التي يراكمها الإنسان خلال حياته الحاضرة، وسيحصد حصيلتها في المستقبل.
  • Agami: هي الكارما التي سيواجه الإنسان عواقبها في الحياة القادمة عبر التقمص.

ويسعى المؤمنون بفكرة الكارما للوصول إلى مرحلة الـ”موشكا”، من خلال التحرر من دائرة “سامسارا”، التي تتكون من ثلاث مراحل: الميلاد والحياة والموت، ويتم ذلك عبر التخلص من الكارما السيئة المتراكمة بناء على الخطايا، من خلال زيارة الأماكن المقدسة وممارسة الطقوس الدينية، وبلوغ حالة jīvanmukta (جيفانموكتا)؛ وهو الشخص الذي يتحرر داخلياً من الكارما الشريرة المتراكمة، وحينها تُولد روحه من جديد، وإذا مات الإنسان ولا تزال هناك فاتورة لم ينهها من الكارما السلبية سيتقمص جسداً آخر؛ حتى يسدد ما بقي عليه منها.

اقرأ أيضاً: الجذور المشرقية للماسونية.. كيف أثرت الفرق الباطنية في الإسلام واليهودية على عقيدة البنائين الأحرار؟

يتشابه الطرح البوذي للكارما مع الطرح الهندوسي؛ لكن المرحلة التي سيصل إليها الإنسان بعد التخلص من الكارما السيئة، وبالتالي الخروج من دائر سامسارا، بعد أن ينتصر على الشرور الثلاثة: الشهوة، والجهل، والكراهية، هي النيرفانا؛ المتمثلة في السلام الروحي والسعادة اللا متناهية، ويمكن الوصول إليها (النيرفانا) باتباع مسار مكون من ثماني نقاط اقترحها بوذا، يجب إدراكها بشكل صحيح ومتوازن؛ وهي: الرؤية، والنية، والكلام، والفعل، والمعيشة، والجهد، والتفكير، والتأمل.

تم تجسيد الكارما مادياً في الديانة الجاينية أو اليانية؛ إذ ينظر إليها على أنها مادة خفية على شكل جسيمات دقيقة للغاية تعلق بالروح، وتلوثها بألوان مختلفة وتتغلغل فيها، ويتحقق التحرير منها عبر الالتزام بمسار حازم من التطهر.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة