الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةشؤون عربية

“القِدر والغطاء” في “طبخة” القدس الشرقية

كيوبوست- ترجمات

د.ديفيد كورين♦

مفتاح إحلال الهدوء في القدس يكمن في الإدارة الحكيمة للمدينة في أوقات الهدوء، وفي التعامل مع أوقات الأزمات بقبضة قوية..

مرة أخرى يبرز السؤال: ما الذي دفع القدس إلى “الاشتعال” بالتوترات القومية- الدينية؟ ولكن السؤال الأكثر أهمية هو: ما الذي يحافظ على هدوء المدينة لفتراتٍ أطول من الزمن على الرغم من الاحتكاك اليومي المكثف بين اليهود والعرب؟

إن الأمر نسبي بالطبع؛ فهنالك صراعات قومية مستمرة في القدس، كما في أحياء العيسوية وسلوان. ولكن في القسم الأكبر تم الحفاظ على الهدوء لفتراتٍ طويلة في كلٍّ من معظم أحياء القدس الشرقية، وعلى خطوط التماس بين الأحياء اليهودية والعربية.

اقرأ أيضاً: قصة حي الشيخ جراح في القدس.. شرارة الحرب

وتحليل أسباب الهدوء والعمل على تقوية العوامل التي تخفف من التوترات في القسم الشرقي من المدينة، يمكن أن يطيل الفترات الزمنية بين موجة عنفٍ وأخرى، وأن يقصر زمن هذه الموجات. وطالما بقي الوضع السياسي الحالي من دون تغيير، وبالنظر إلى شدة الخلافات الدينية والقومية حول القدس، فمن المتوقع أن تبقى الصدامات العنيفة في المدينة هي السيناريو الذي يجب أن تستعد إسرائيل للتعامل معه بشكل متكرر.

يمكن تشبيه القدس الشرقية بقِدرٍ يغلي وهو مغطى؛ يحجب الغطاء عنا رؤية الغليان الداخلي الذي يحصل تحت السطح. ومن وقتٍ لآخر؛ خصوصاً عندما يتكثف “المكون” الديني في “طبخة” القدس الشرقية، فإن هذا القدر يطفح. إن أي شخص مطلع على واقع القدس الشرقية يدرك أن الغليان مستمر فيها، حتى عندما يوحي الغطاء بالهدوء في الأوقات التي تغيب فيها حوادث العنف.

هنالك العديد من العناصر التي تؤثر على ما يحدث في ذلك القدر. وهذا المقال يتناول فقط السكان العرب في المدينة، على الرغم من أن أحداث الأسابيع الأخيرة ترتبط أيضاً بالتفاعل بين اليهود والعرب.

اعتقال العشرات في اشتباكات متجددة في القدس- “دويتشه فيله”

المكون الرئيسي في “طبخة” القدس الشرقية هو الصراع الديني والقومي على ملكية المدينة. وأحداث باب دمشق (التسمية اليهودية لباب العامود- المترجم) هي تعبير مباشر عن هذا الصراع الجوهري، ويجب النظر إليها كجزء من الصورة الأكبر. ومع أن إسرائيل تسيطر على القدس، فإن الفلسطينيين لم يظهروا أية علامة على ميلهم للتخلي عن رغبتهم في السيادة، والسيطرة على القدس الشرقية.

قامت السلطات الإسرائيلية، على مدى السنوات القليلة الماضية، باستثمار ميزانية كبيرة وجهوداً إدارية مكثفة في تحسين نوعية حياة سكان القدس الشرقية. ويمكن ملاحظة تحسن كبير في العديد من القطاعات؛ مثل التعليم والرفاهية والوظائف والبنية التحتية. ولكن على الرغم من ذلك؛ فإن القضايا الجوهرية المحيطة بالصراع على السيادة على المدينة لا تزال قائمة كأساس الخلاف بين الطرفَين، ولا تزال تخلق مزيجاً قوياً من التوتر الديني والقومي. (ومن هذه القضايا مسائل التخطيط والبناء في ضوء الملكية القانونية والتاريخية للأرض، والوضع المدني لعرب القدس الشرقية؛ سواء أكانوا مواطنين إسرائيليين أم مقيمين فيها، وفوق كل شيء القضايا المتعلقة بجبل الهيكل والحوض المقدس)؛ وهذا المزيج من التوترات يشتد أثناء شهر رمضان في ظلِّ المشاعر الدينية التي تستهلك جيل الشباب في القدس الشرقية.

اقرأ أيضاً: متحف للفنون الإسلامية في القدس يضطر إلى بيع مجموعته

وترتبط هذه المشاعر بالطريقة التي يصنف بها عرب القدس الشرقية أنفسهم كمدافعين عن جبل الهيكل (الحرم الشريف) والمسجد الأقصى. أدى بناء الجدار الأمني بين عامَي 2005 و2007 إلى فصل القدس الشرقية عن رام الله، وبقية مناطق يهودا والسامرة (التسمية اليهودية للضفة الغربية- المترجم)، وقد أدى هذا الفصل ووضعهم كمقيمين في القدس بشكلٍ تدريجي إلى تكوين هوية مقدسية فريدة بين عرب القدس الشرقية (المقدسيين بالعربية)، ويكمن في قلب هذه الهوية ارتباطهم بجبل الهيكل والمسجد الأقصى؛ ليس فقط كرمز إسلامي بل أيضاً كرمز وطني فلسطيني.

بوابة دمشق، وهي مركز أعمال الشغب، تؤدي إلى الحي الإسلامي، وهي ممر رئيسي للوصول إلى جبل الهيكل (والجدار الغربي). والنضال الفلسطيني من أجل السيادة وإملاء الإرادة على بوابة دمشق، هو تعبير واضح من سكان القدس الشرقية لإخوانهم في يهودا والسامرة وغزة عن ولائهم الكامل لدعم الهوية الفلسطينية والإسلامية للقدس.

اضطرابات عند بوابة دمشق (باب العامود) في القدس- “دويتشه فيله”

وفي الوقت نفسه، يندمج الشباب في اقتصاد المدينة، ويسارعون لتعلم العبرية. ومثال التناقض الذي يعيشه عرب القدس الشرقية، هو أن كثيرين ممن يتظاهرون ضد السلطات الإسرائيلية عند بوابة دمشق ليلاً، كانوا يدرسون لغة تلك السلطات؛ أملاً في الحصول على وظيفة في الاقتصاد الإسرائيلي. وربما تكون أحداث العنف التي وقعت في الأسابيع الأخيرة بمثابة محاولة من شباب القدس الشرقية “لاختيار جانب” في التوتر الداخلي في أنفسهم، بين هويتهم الفلسطينية، وموقفهم البراغماتي تجاه المؤسسات الإسرائيلية، أو محاولة لإقامة نوع من التوازن بين هاتين الهويتَين.

المكون الثاني في “طبخة” القدس الشرقية هو العمليات الاجتماعية العميقة التي تجري بين عرب القدس الشرقية، وتحديداً إضعاف الأطر المجتمعية والقبلية- العائلية التي تمارس تأثيراً مقيداً. يعاني مجتمع القدس الشرقية صدمات تخلق في بعض الأحيان فوضى داخلية تندلع بين الأحياء نفسها، وفي أحيانٍ أخرى في مناطق تتقاطع مع الجمهور اليهودي.

اقرأ أيضاً: أبراهام بورغ: “لماذا قررتُ التنازل عن يهوديتي؟”

شهد الشارع في القدس الشرقية حالات عنف متزايدة على الصعيدَين الداخلي والعام، وتدهوراً نسبياً للوضع الاقتصادي، وارتفاعاً في نسبة البطالة، وتراجعاً في مكانة قيادة العشيرة والقبيلة والعائلة التي كانت تضبط حركة الشارع. وعلاوة على ذلك، فهنالك الضغوط التي تعانيها العائلات التقليدية في القدس الشرقية؛ بسبب ارتفاع معدلات الطلاق. هذه العوامل الداخلية أدت إلى زيادة منسوب العنف في الفضاء العام؛ بما في ذلك المواجهات مع الغالبية اليهودية في القدس، ومع قوات الشرطة. وقد تعززت كل تلك العوامل في العام الماضي؛ بسبب جائحة “كوفيد-19″؛ ما أدى إلى تفاقم المشكلات القائمة إلى حد كبير.

العامل الثالث الذي أسهم في اندلاع الاضطرابات هو تورط بعض الناشطين القوميين أو الإسلاميين الذين يسعون إلى الحفاظ على مستوى عالٍ من التوتر في القدس، وإلى تقويض سيطرة إسرائيل على الجزء الشرقي من المدينة؛ ومن هؤلاء السلطة الفلسطينية، ومنظمة فتح و”حماس”، والفصيل المالي للحركة الإسلامية في إسرائيل، ومجموعات إما مرتبطة بتركيا، وإما تعمل لحسابها بشكل رسمي. وقد استفادت هذه الجهات من موجة العنف الأخيرة، وفعلت كل ما بوسعها لجعلها أكثر عنفاً.

كما أن قضية انتخابات السلطة الفلسطينية، ورفض إسرائيل الامتثال لطلب السلطة الفلسطينية بالسماح لها بإجرائها في القدس الشرقية، قد سهلت على السلطة الفلسطينية ربط أعمال الشغب بقضية الانتخابات في الوعي الفلسطيني. ومن الممكن القول إنه حتى لو لم تكن قضية الانتخابات موجودة في الأفق، فإننا كنا لنشهد تورطاً علنياً أو خفياً لمجموعة من الناشطين الفلسطينيين أو الإسلاميين في أعمال الشغب. لم تكن الانتخابات مصدر التصعيد؛ ولكنها قدمت للفلسطينيين ذريعة سمحت لهم بإشعال النار.

الرئيس عباس يعلن تأجيل الانتخابات الفلسطينية ويلقي باللوم على إسرائيل

العامل الأخير هو الاختراق العميق لوسائل الإعلام في القدس الشرقية؛ وهو العامل الذي يشكل الوعي والأفعال. يميل عرب القدس الشرقية إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بشكلٍ كبير، وبمعدل أعلى من مثيله في القدس الغربية اليهودية. فمن بين 350.000 عربي في القدس الشرقية، يقدَّر عدد مَن يمتلكون حساباً نشطاً على منصة “فيسبوك” بما يتراوح بين 150.000 و180.000. كما تنتشر بشكلٍ واسع منصات أخرى؛ مثل “إنستغرام”، و”تيك توك”، وغيرهما. وقد كشفت موجة العنف الأخيرة التي أثارتها مقاطع نُشرت على تطبيق “تيك توك” عن قمة جبل الجليد لشباب القدس الشرقية الساعين إلى الشهرة والتميز بين أقرانهم في سياق أحداث العنف القومي.

بالنظر إلى هذه العوامل الأربعة المهمة التي تسهم في الاضطرابات التي تشهدها القدس الشرقية، يبرز السؤال حول تفسير السلام النسبي الذي تمتعت به القدس الشرقية لفتراتٍ طويلة. ويبدو أن الجواب يكمن في ثلاثة عوامل: زيادة اندفاع عرب القدس الشرقية نحو الاندماج في اقتصاد المدينة، والإجراءات الصارمة التي اتخذتها الشرطة الإسرائيلية في أعقاب موجات العنف التي اندلعت عامَي 2014 و2017، وجهود القادة الفلسطينيين المحليين الذين لهم مصلحة في الحفاظ على الهدوء واستعادة النظام.

تشهد القدس موجات من العنف – أ ف ب

خلال العقد الماضي، كثَّف عرب القدس الشرقية من جهودهم للمشاركة في اقتصاد القدس، وأظهروا استعدادهم لإبداء بعض المرونة عندما يتعلق الأمر بقضايا الهوية الوطنية والمجتمعية. على سبيل المثال، على الرغم من أن العبرية هي لغة “المحتل الإسرائيلي”؛ فإن معاهد تعليم اللغة العبرية أصبحت واحدة من أكثر الأعمال التجارية ازدهاراً في القدس الشرقية. علاوة على ذلك، فإن عدد الطلبات المقدمة إلى سلطة السكان والهجرة بوزارة الداخلية للانتقال من وضعية “مقيم” التي تنطبق على معظم عرب القدس الشرقية، إلى وضعية “مواطن” قد ارتفع بنسبة 50% خلال السنوات الأربع الماضية. كما أن نسبة الطلاب الذين يختارون المنهج الدراسي الإسرائيلي المقدم كبديل عن المنهج الفلسطيني الذي يتم تدريسه في معظم مناطق القدس الشرقية، قد ارتفعت من 7% إلى 15% خلال ثلاث سنوات.

أطفال فلسطينيون يتعلمون العبرية في القدس الشرقية- “المونيتور”

تؤدي جهود الاندماج هذه -التي تهدف في نهاية المطاف إلى تسهيل الاندماج في الأوساط الأكاديمية، والقوى العاملة الإسرائيلية- بطبيعة الحال إلى المزيد من السلوك المنضبط بين شباب القدس الشرقية؛ وذلك لأن الثمن الذي يدفعه الشباب مقابل اعتقالهم بسبب أعمال الشغب أصبح أكبر وأكثر أهمية. فتعرُّض الشاب للاعتقال، على خلفية جرائم ذات طبيعة وطنية، يؤدي بشكل كبير إلى حرمانه من الوصول إلى سوق العمل الإسرائيلي. ومن ناحيةٍ أخرى، فإن ازدياد معرفة عرب القدس الشرقية بجيرانهم “الأجانب”، من خلال تعلم لغتهم، والعمل معهم، والاندماج في النظام الأكاديمي الإسرائيلي، يؤدي إلى حد ما إلى تشكيل ديناميكية أكثر تعاوناً تجاه الأفراد والمؤسسات الإسرائيلية.

كما ذكرنا سابقاً، فقد كان من بين العوامل الرادعة الاستجابة الحازمة، سواء من حيث الإنفاذ أو الردع، التي اتخذتها السلطات الإسرائيلية؛ وعلى رأسها شرطة منطقة القدس، في أثناء موجات العنف وعمليات الطعن التي حدثت عامَي 2014 و2017؛ حيث شملت هذه الإجراءات حملة اعتقالات واسعة، وقيوداً على التنقل من وإلى القرى، وفرض السلطات الإسرائيلية أعباء تنظيمية بلدية مرهقة على سكان هذه الأحياء. وقد رسخت هذه الإجراءات في أذهان عرب القدس الشرقية فداحة الثمن الذي سيدفعونه ثمناً للمواجهات العنيفة مع إسرائيل.

اقرأ أيضاً: كاتب بريطاني: السيطرة الإسرائيلية على القدس الشرقية تدخل مرحلة الحسم

أخيراً، يجب عدم التغاضي عن الدور المهم للقادة الفلسطينيين الذين شجعوا على ضبط النفس، مع التركيز على التجار ورجال الأعمال الذين لهم مصلحة اقتصادية في الحفاظ على الهدوء، وكذلك المدرسين وقادة المجتمع وناشطي المجتمع المدني الذين يعملون بشكلٍ روتيني، وفي أوقات الأزمات، لتشجيع المحافظة على النظام وتعزيز النماذج التعاونية للحياة في القدس. وقد يكون اللجوء إلى هذه القيادات في أوقات الطوارئ ممكناً فقط إذا تم الحفاظ على تواصل مكثف وهادف ومستمر في الأوقات الروتينية.

بالإضافة إلى كلِّ ما ذُكر سابقاً، فإن السياسة الأساسية التي تجب أن يتبناها الجانب الإسرائيلي هي الإبقاء على جبل الهيكل خارج نزاعات القدس قدر الإمكان.

في الختام، يبدو أن مفتاح الحفاظ على الهدوء في القدس يكمن أولاً وقبل كل شيء في الإدارة الحكيمة والروتينية للمدينة. إن تعزيز العمليات المدنية التي تهدف إلى تحسين مستوى معيشة عرب القدس الشرقية، ورعاية العلاقات القائمة مع القيادات المدنية والاقتصادية، وتعزيز قدرات وموارد شرطة منطقة القدس، كلها إجراءات يمكن أن تؤدي في المستقبل إلى استجابة أفضل للأزمات والصراعات في المدينة، على أمل أن تكون قليلة ومتباعدة.

♦مدير دائرة التخطيط الاستراتيجي للقدس الشرقية في وزارة التربية، مستشار سابق لرئيس بلدية القدس لشؤون العرب والقدس الشرقية.

المصدر: مركز القدس للأبحاث الاستراتيجية والأمنية

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة