الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةمقالات

القيادة القوية ضرورية الآن أكثر من أي وقت مضى

كيوبوست

• دينيس ساموت

كثيرًا ما تسمع في أوروبا هذه الأيام عن عدم وجود قيادة سياسية قوية، وغياب الرؤى بين أولئك الذين يشغلون مناصب في السلطة. وتعد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بالنسبة إلى كثيرين، من آخر العمالقة السياسيين؛ حتى إن كان نجمها بدأ يخفت هذه الأيام في بعض الأحيان. وغالبًا ما يبرز القادة في أوقات الأزمات ويُثبتون أنفسهم.

اقرأ أيضًا: إصلاحات السعودية.. رؤية متكاملة نحو التنمية المستدامة

ولنأخذ ونستون تشرشل مثالًا على ذلك، فلولا الحرب العالمية الثانية لما كان التاريخ سيحكم عليه برفق. وكان بعض قراراته في الأيام الأولى من عمله السياسي مثيرًا للجدل بشكل كبير؛ لكن قيادته خلال المعركة ضد النازية والفاشية أكسبته إعجاب العالم وجعلته عملاقًا تاريخيًّا. ومن ناحية أخرى، لم يخُض المستشار الألماني الأسبق ويلي براندت، أي حروب؛ لكنه كانت لديه رؤية لوقف الحرب. وساعدت قيادته في بدء عملية إنهاء الحرب الباردة -على الرغم من أن قادة آخرين هم الذين انتهوا منها في نهاية المطاف- ويتردد اسمه غالبًا هذه الأيام بينما تحاول أوروبا فهم كيفية رسم مستقبلها.

 

اقرأ أيضًا: واشنطن تايمز”: الدعاية الإيرانية تستهدف الأمير محمد بن سلمان بالشائعات

وفي المنطقة العربية، غالبًا ما تكون القيادة غير موجودة. وهناك كثير من المستبدين والديكتاتوريين الصغار وقليل من أصحاب الرؤى. وفي التاريخ الحديث، يتبادر إلى الذهن الشيخ زايد، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، كزعيم حكيم وذي بصيرة. ولولا أنه كان يتمتع بهذه السمات لما كانت الإمارات اليوم موجودة. ويمكن قول الشيء نفسه عن الملك عبدالعزيز بن سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية. فقد قام أيضًا بتأسيس دولة من عديد من المناطق المتناثرة.

الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان

وما حافظ على المملكة العربية السعودية كدولة مترابطة منذ أن أسسها ابن سعود عام 1932، كان الرابط التقليدي بين آل سعود والشعب. وبحلول نهاية القرن العشرين بدأ هذا الرابط يبدو متعبًا قليلًا؛ فقد شعر الشباب بشكل خاص بخيبة أمل كبيرة من الجمود الذي ساد في جميع أنحاء المجتمع السعودي. وكان من الممكن أن يؤدي الركود المستمر بسهولة إلى نوع من الانهيار الدراماتيكي الذي رأيناه في مكان آخر، مع عواقب خطيرة للغاية تشكل تهديدًا ليس فقط لعائلة آل سعود؛ ولكن للأمة نفسها، وفي كثير من النواحي للشرق الأوسط بأكمله.

اقرأ أيضًا: علاقات تكاملية بين الإمارات والسعودية في مستهل جولة محمد بن سلمان العربية

وفي المملكة العربية السعودية، يمكن أن يأتي التغيير من ناحيتَين فقط: من المؤسسة الدينية ذات العواقب غير المتوقعة، أو من الأسرة الحاكمة نفسها. ولعل بروز محمد بن سلمان كحامل للواء التغيير، لم يأتِ في لحظة مبكرة بالنسبة إلى كثيرين. وبما أن عشيرة آل سعود تضم الآن أكثر من عشرة آلاف عضو؛ بشخصيات وفصائل مختلفة، فإنها تبدو من الخارج كحزب سياسي أكثر من كونها عائلة. وكان تجديد العلاقة بين أسرة آل سعود الحاكمة والشعب بمثابة أكبر تحدٍّ يواجه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، منذ توليه منصب وريث العرش (ولي العهد).

وإذا ظهر محمد بن سلمان أحيانًا كرجل في عجلة من أمره، فهذا لأنه، كما يفعل كثيرون آخرون، يدرك أن الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية الرئيسية التي شرع فيها قد تأخَّرت كثيرًا، وأن نافذة تنفيذ التغيير كانت ضيقة بالفعل؛ فلا اقتصاد البلاد ولا النسيج الديموغرافي والاجتماعي يمكن أن يتحمل المزيد من الشيء نفسه لفترة أطول.

وبالفعل أوقفت الإصلاحات التي بدأها محمد بن سلمان ذلك الركود؛ ليس باستخدام عائدات النفط لإصلاح المشكلات كما كان المعتاد؛ ولكن ببدء عملية عميقة من التجديد. ولم يكن الوضع السابق الذي عفَّى عليه الزمن يمكن أن يتم تحمُّله، وكان يخلق خيبة أمل كبيرة بين شرائح كبيرة من السعوديين؛ خصوصًا الشباب. هذا هو السبب في أن التغييرات في العامَين أو الأعوام الثلاثة الماضية تحظى بدعم شعبي قوي؛ خصوصًا بين الشباب والطبقات المتعلمة في المملكة. وسيخبرك أي سياسي أن التغييرات الاجتماعية هي الأكثر صعوبةً في التنفيذ؛ لأنها تذهب إلى صميم المجتمع. وكان تحرير المرأة من أكثر الإصلاحات تحديًا لمحمد بن سلمان.

اقرأ أيضًا: حصة المرأة السعودية من بحر الإصلاحات

ولم يكن هذا قرارًا مجردًا للسياسة الخارجية يحظى بأهمية للنخبة فحسب؛ لكنه ذهب مباشرةً إلى قلب كل قبيلة أو عائلة سعودية. وما يبدو بالنسبة إلى كثيرين في الغرب أمرًا لا مفر منه، كان يبدو بالنسبة إلى البعض في المملكة وكأنه شيء لا يمكن تصوره. وكما يحدث في كل بلد يتم فيه إدخال الإصلاحات، لابد أن التغيير يزعج أولئك الذين لهم مصالح راسخة. إن الإصلاحات خطوة بخطوة ليست مدمرة مثل الثورات؛ ولكن كلما كانت ذات مغزى زادت احتمالية إثارة ردود الفعل تجاهها. وهنا تبرز ضرورة القيادة القوية.

اقرأ أيضًا: رسائل محمد بن سلمان في “60 دقيقة”

وأي زعيم يكون شديد الحساسية عند ظهور أول إشارة لمعارضة التغييرات التي يحاول إدخالها، فإنه لا يستحق هذا الاسم. وفي المملكة العربية السعودية، فإن القوى ذات المصالح الاقتصادية الراسخة لها جذور عميقة، وقد فرضت مقاومة شديدة للتغيير. إنها تمتد عبر المؤسسة الدينية والبيروقراطية، وحتى في أجزاء من العائلة المالكة، كما أنها ليست حميدة ولا ليبرالية ولا مستنيرة.

وكان محمد بن سلمان يمضي في أجندته الإصلاحية بتصميم. فهو ليس لديه كثير من الوقت؛ لكنه يعلم أيضًا أن تبرير القضية لا يمنحه تفويضًا مطلقًا على الأساليب التي يستخدمها لتحقيق ذلك. وكلما اكتشف زعيم ما في وقت أقرب أن هذا يعد عملًا متوازنًا، سيكون لديه كثير من الفرص في المستقبل لإثبات مدى رؤيته وتنويره، وسيكون لديه أيضًا خيار بين بناء مجتمع سعودي قائم على الاستبداد أو مجتمع قائم على التوافق. ومع ذلك، فمن الصحيح في الوقت الحالي أنه يجب عليه المضي قدمًا في الإصلاحات التي بدأها، وتقديم ما يريده ويتوقعه عديد من السعوديين.

لقراءة النص الأصلي بالإنكليزية اضغط هنا 

• مدير مركز لينكس للحوار والتحليل والبحث، ومراقب ومعلق متخصص في شؤون الخليج.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة