الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةشؤون عربية

القومية المسيحية تمزق إثيوبيا

 كيوبوست- ترجمات

أندرو ديكورت♦

كتب أندرو ديكورت في موقع “فورين بوليسي” مقالاً يناقش فيه ظهور إمبريالية مسيحية في عهد رئيس الوزراء آبي أحمد، تطلق وعوداً بتوحيد إثيوبيا واستعادة مجدها الإلهي؛ ولكنها في الواقع تمزق إثيوبيا وتؤجج معاناة كارثية لشعبها. ترى هذه الإمبريالية أن إثيوبيا هي أمة مسيحية خلقها الله، وقدر لها العظمة تحت قيادة مسيحية.

يقول ديكورت إن فهم التاريخ الديني لإثيوبيا يعتبر أمراً حاسماً لفهم تعقيدات الصراعات الإثيوبية وآفاق السلام المستقبلية. وغالباً ما تهمش التحليلات المتعلقة بإثيوبيا الدين أو تتجاهله؛ ولكن 98% من الإثيوبيين يقولون إن الدين “عامل مهم جداً” بالنسبة إليهم. وقدرت آخر الإحصاءات أن 62.1% من الإثيوبيين مسيحيون و33.9% مسلمون، وعندما تتجاهل الدين في إثيوبيا فإنك ستفشل في فهم أحد أهم مصادر التحريض والتلاعب في المجتمع الإثيوبي.

اقرأ أيضاً: التطهير العرقي في إثيوبيا.. لم يعد من الممكن تجاهل ما يجري في تيغراي

قام الإمبراطور عيزانا، الذي حكم بين عامَي 320 و360 بعد الميلاد، بتحويل دولة أكسوم الإثيوبية من الوثنية إلى المسيحية الأرثوذكسية نحو عام 330. وعلى مدى القرون التالية توسعت الدولة في إفريقيا لتصبح إمبراطورية مسيحية مقدسة. وبالطبع كانت إثيوبيا موطناً للإسلام منذ عهد النبي محمد، وشهدت تعايشاً غنياً بين أتباع الديانتَين يجب البناء عليه؛ لكن القصة ليست بهذه البساطة.

يذكر تاريخ البلاد العديد من فصول الاضطهاد التي طالت المسلمين في هذه الإمبراطورية المسيحية، وكان أبرزها مرسوم الإمبراطور يوهانس الرابع، الذي يقضي بأنه يجب على المسلمين في إثيوبيا التحول إلى المسيحية الأرثوذكسية في غضون ثلاثة أشهر وإلا وقعوا تحت طائلة العقوبة. وظلت الكرامة والأمن في البلاد مرتبطَين بالانتماء إلى الأرثوذكسية وطاعة الإمبراطور حتى عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، الذي كانت سياسته الدينية أكثر تسامحاً، وأقر دستوره في عام 1955 بالحرية الدينية للإثيوبيين. ولكن البلاد ظلت رسمياً إمبراطورية أرثوذكسية، وظل الإسلام والبروتستانتية مهمشَين فيها في أحسن الأحوال.

مقاتل من ميليشيا الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية- “فورين بوليسي”

جاءت ثورة عام 1974 التي حولت البلاد إلى دولة شيوعية مدعومة من الاتحاد السوفييتي لتحمل معها تمزقاً دراماتيكياً استمر على مدى الأعوام السبعة عشر التالية. حارب النظام الشيوعي المسيحية وقتل العديد من القادة الدينيين؛ ولكن الشعب الإثيوبي شديد التدين أفشل هذا التحول، فكان مصيره الفشل مع أول رصاصة انطلقت.

أطاحت ثورة أخرى قادتها جبهة تحرير شعب تيغراي في عام 1991 بالحكم الشيوعي، وأسست لدولة علمانية أصبحت موطناً للإثيوبيين من أي دين أو لا دين على الإطلاق. ابتهج البروتستانت والمسلمون بحذر، بينما شعر الأرثوذكس بفقدانهم امتيازاتهم الموروثة. أتاحت الحرية الدينية الجديدة إمكانية التوسع للأديان، وارتفع عدد أتباع المذهب البروتستانتي إلى نحو 20 مليون شخص؛ مما أثار قلقاً جديداً في الأوساط الأرثوذكسية.

اقرأ أيضاً: مسلمو إثيوبيا.. وطبيعة الصراع مع المسيحيين الأرثوذكس

كانت الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي التي حكمت البلاد بعد عام 1991 نظاماً استبدادياً وحشياً، وأرهبت واعتقلت كل مَن كان ينتقدها. لذلك رضخ الأرثوذكس للوضع الراهن الجديد؛ خوفاً من العقاب. واستمر هذا الهدوء على الرغم من الفظائع التي وقعت عام 2005 وبين عامَي 2014 و2018 عندما تم قمع الاحتجاجات العامة ضد الجبهة الديمقراطية بعنف شديد. وقد شكلت هذه الاحتجاجات نقطة تحول في الحياة العامة والسياسية في البلاد. استقال رئيس الوزراء الإثيوبي، آنذاك، هايلي مريام ديسالين، وتم تعيين آبي أحمد في مارس 2018. أصبح آبي أحمد أول رئيس وزراء بروتستانتي للبلاد، كان والده مسلماً ووالدته أرثوذكسية؛ لكنه تحول إلى البروتستانتية عندما كان في العشرينيات من عمره.

تجمع لمؤيدي آبي أحمد في أديس أبابا- “فورين بوليسي”

لكسب التأييد الشعبي بدأ آبي أحمد بدعم الأصوات المتطرفة في الكنيسة الأرثوذكسية، وصعدت المنظمات الدينية التي تسعى لاستعادة الهيمنة التاريخية للكنيسة الأرثوذكسية. اعتبرت الأغلبية الأرثوذكسية هذه التغيرات إذناً لإعادة فرض هيمنتها ومطالبتها بالهوية الإثيوبية، وتم إحياء علم الإمبراطورية الإثيوبية بالألوان الأحمر والأصفر والأخضر، وسرعان ما أصبح هذا العلم مصدراً لخلاف مرير في إثيوبيا؛ حيث ينظر إليه كثيرون على أنه رمز للقهر والقمع. ومع النمو السريع للبروتستانتية أدرك آبي أحمد أنه لا يمكن أن يحكم البلاد من دون دعم الإنجيليين البروتستانت، وبدأ في ضمهم إلى دائرته الأولى الداخلية. وأعلن تأسيس المجلس الإنجيلي الإثيوبي، الذي تمتعت قياداته بامتيازات تجارية مربحة ووظائف حكومية رفيعة. وفي وقت لاحق، قام الإنجيليون بصياغة وثيقة استراتيجية خاصة للمطالبة بدور أكبر في انتخابات عام 2021، وأسسوا “حزب الرخاء” لهذا الغرض. نجحت جهود آبي أحمد في استمالة الأرثوذكس والبروتستانت عن طريق استرضاء قياداتهم، إلا أن العلاقة بينهما لا تزال محفوفة بالمخاطر؛ ولكنَّ كلاً منهما يرى في آبي أحمد أداة مفيدة لطموحاته.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تنجو إثيوبيا؟ وماذا سيحدث إذا سقط آبي أحمد؟

اندلعت حرب أهلية مدمرة في شمال البلاد منذ ثمانية عشر شهراً، قُتل فيها عشرات الآلاف من الأشخاص، ويعاني بسببها أكثر من مليون إثيوبي المجاعةَ، ونزحت ملايين أخرى. وأصبحت المذابح والاغتصاب الجماعي وحرق المساجد والكنائس تحتل عناوين الأخبار. اعترف عدد من القادة الإثيوبيين بهذه الفظائع علناً، وجعل البعض من الإسلام كبش فداء، وغذَّى بعضهم الآخر نظرية المؤامرة القومية ضد المسيحية، ودافعوا عن الحرب الأهلية في الشمال -التي يخوضها التيغرايون والأمهرا، وكلاهما من الأرثوذكس- وصوروا هذا الصراع على أنه إرادة الله.

وقد أججت هذا الصراع خطابات آبي أحمد اللا إنسانية ضد أعدائه التيغرانيين، حيث وصفهم بالضباع والسرطان والأعشاب الضارة التي لا بد من اقتلاعها. ومع اشتداد المعارك، تزعم المجموعات العرقية المتعددة أن الإبادة الجماعية ترتكب ضدها، ومع ذلك يصر القادة الإنجيليون البارزون على أن ما تشهده البلاد هو عودة العظمة الإلهية للإمبراطورية الإثيوبية.

♦أستاذ اللاهوت والأخلاق والدراسات الإثيوبية في جامعة ويتون، حائز على درجة الدكتوراه في الأخلاق الدينية والسياسية.

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة