الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

القمع في كوبا

كيف يدعم الجيش الحكم الاستبدادي؟

تلخيص: كيوبوست

لورا تيديسكو- روت ديامينت

يعاني الكوبيون منذ عقود الحكم الشيوعي الاستبدادي وعزلة دولية تامة وحصاراً اقتصادياً فرضته عليها الولايات المتحدة الأمريكية؛ ما ضاعف من حدة المشكلات الاقتصادية التي يعانيها السكان. وقد نشر موقع “فورين أفيرز”، مؤخراً، مقالاً شاركت فيه الكاتبتان لورا تيديسكو وروت ديامينت، بعنوان: “القمع في كوبا.. كيف يدعم الجيش الحكم الاستبدادي؟”، سلطتا الضوء فيه على دور الجيش الثوري الكوبي.

وقد استهلت الكاتبتان مقالهما بالحديث عن آخر ما لقيه الكوبيون من حكومتهم في ظل جائحة “كوفيد-19″؛ حيث عانت كوبا في وقتٍ مبكر من يوليو الماضي موجة انتشار واسعة لمتحور دلتا من فيروس كورونا، دفعت بالنظام الصحي فيها إلى نقطة الانهيار. وقد انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي آلاف المنشورات التي تطالب الحكومة الكوبية بفتح معابر إنسانية لتسريع وصول المساعدات الإنسانية، إلا أن الحكومة الكوبية لم تستجب، وألقت باللائمة على الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على البلاد. كانت تلك الشعرة التي قصمت ظهر البعير، ونزل الكوبيون إلى الشوارع يهتفون للحرية، في مظاهرات تصدرت الصحف العالمية.

اقرأ أيضاً: الذكرى الثلاثون لحرب الخليج وعلاقة كوبا بإسرائيل

ويرى المقال أن الجائحة ربما تكون قد أسهمت في إطلاق شرارة هذه الاحتجاجات؛ ولكن جذور الغضب الشعبي أعمق بكثير. الذين نزلوا إلى الشوارع لم يعد لديهم الولاء المطلق للثورة، ولا لإرث الزعيم الراحل فيديل كاسترو. لقد فشل النظام في تقديم مستقبل لهم، وفشلت جهوده في إلقاء اللوم في إخفاقاته على الولايات المتحدة.

وتشير كاتبتا المقال إلى أن المظاهرات لم تفاجئ المراقبين؛ بل ما فاجأهم كان الدور الذي لعبته القوات المسلحة الكوبية في قمع هذه الاحتجاجات، إذ لا يزال الكوبيون في الداخل والخارج يكنون احتراماً كبيراً للجيش الثوري، ويعتبرونه جيش تحرير وخادماً للشعب؛ حتى إن الكوبيين أنفسهم فوجئوا بالدور الذي لعبته القوات الخاصة الكوبية في قمع الاحتجاجات، حيث عملت إلى جانب قوات وزارة الداخلية على اعتقال عددٍ من المتظاهرين الذين لا يزال عدد كبير منهم قيد الاعتقال حتى الآن.

وهذا التعاون بين الجيش الثوري وأجهزة الأمن لم يدمر الوهم بأن هذا الجيش يقف مع الشعب فحسب؛ بل كشف عن مدى تعزيزه سلطته منذ تسلم راؤول كاسترو الحكمَ عام 2008. لقد أصبح الجيش الثوري يشكل قوة سياسية واقتصادية مهيمنة ومكرسة لحماية النظام الكوبي. وقد أظهر دوره في سحق الاحتجاجات أن جنرالاته سيفعلون كل ما يلزم ليتمسكوا بسلطتهم حتى ولو كان ذلك توجيه بنادقهم نحو شعبهم.

حملة القمع التي طالت احتجاجات يوليو تبعث برسالة قاسية- “نيويورك تايمز”

ثم ينتقل المقال إلى تقديم لمحة تاريخية عن دور الجيش الكوبي، ويشير إلى أنه بعد أن نجح الجيش الثوري في عام 1959 في الإطاحة بالديكتاتور باتيستا، الذي كانت تدعمه الولايات المتحدة، أخذ يعمل على تصدير الثورة إلى الخارج عن طريق دعم حركات المقاومة في جميع أنحاء العالم؛ ولكن مع انهيار الاتحاد السوفييتي وتراجع الناتج المحلي الإجمالي الكوبي بنسبة 36%، اضطر الجيش إلى إعادة النظر في دوره في الداخل، وخضع إلى عملية تحولاتٍ كبرى بين عامَي 1990 و1993.

ولضمان استقرار الاقتصاد الكوبي، استولى الجيش على العديد من القطاعات الاقتصادية في البلاد كقطاع السياحة وأسواق الصرف والنقل الجوي والتعدين.

ويضيف المقال أن الجيش الثوري استمر في تصوير نفسه كجيش تحرير؛ ولكنه كان يبني إمبراطورية اقتصادية جعلت منه قوة سياسية فاعلة. وهو يشرف الآن على نحو 800 شركة تمثل مجتمعة ما يقارب نصف العائدات الاقتصادية في البلاد. وتدير مجموعة “غايسا” التابعة له مجموعة من الفنادق ومحلات السوبرماركت والوكالات العقارية وشركات الصرافة وشركات الطيران.. وغيرها من الشركات التي تم تأسيسها أصلاً للتهرب من الحظر الأمريكي، وضخ العملات الأجنبية في الاقتصاد الكوبي. وأصبحت مجموعة “غايسا” بمثابة دولة موازية تدير الشركات المربحة المملوكة للجيش، إلى جانب الدولة التي تدير القطاع الخاص غير المنتج نسبياً.

شاهد: فيديوغراف.. طائرات المساعدات الإماراتية تحلق إلى بريطانيا وكوبا

تبرر الحكومة الكوبية الغموض الذي يلف حسابات “غايسا” بأنه ضروري لمواجهة تهديد العقوبات الأمريكية؛ ولكنها على الأرجح تحاول إخفاء مدى عمق التشابك بين الجهاز الاقتصادي للدولة، وجهازها العسكري. وقد حققت “غايسا” نجاحاً كبيراً وكفاءة لم تعرفها كوبا من قبل في إدارة الأعمال؛ ولكن هذه الشركات التي يملكها الجيش تتمتع بمزايا وتسهيلات لا تتوفر لغيرها من شركات القطاع الخاص.

“غايسا”: كونسورتيوم عسكري يسيطر على اقتصاد كوبا- “دويتشه فيله”

بعد تقديم هذه اللمحة التاريخية، تنتقل كاتبتا المقال إلى الإضاءة على الارتباط العضوي في المصالح بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة السياسية في البلاد، وتشيران إلى أن المؤسسة العسكرية ستخسر الكثير في حال تغيرت السلطة السياسية في البلاد. فقد توطدت سيطرة الجيش الكوبي على اقتصاد البلاد بعد تولي راؤول كاسترو السلطة، وصعود الجنرال لويس كاليخا، صهر كاسترو السابق ورئيس “غايسا”.

كما أن إجراءات كاسترو لفتح الاقتصاد الكوبي -بالسماح للكوبيين بامتلاك بعض الأعمال التجارية الصغيرة- قد فتحت الباب أمام الاستثمار الأجنبي في قطاع السياحة الذي تسيطر عليه القوات المسلحة بشكل كامل. وعلى الرغم من أن كثيرين يرون في هذه الإجراءات التي اتخذها كاسترو اعترافاً منه بفشل سياسة سيطرة الدولة على الاقتصاد؛ فإن الواقع ليس كذلك، فالنظام الاقتصادي الجديد لا يزال تحت إشراف الدولة إلى حد كبير؛ ولكن الدولة هنا باسم مختلف: “غايسا”.

ويشير المقال إلى أن لوبيز أليخا يشرف على “غايسا” منذ أكثر من عقدين من الزمن، وأنه إلى جانب وزير الدفاع ووزير الداخلية ورئيس الوزراء، يعملون على أعلى مستويات صنع القرار السياسي في الدولة الكوبية.

اقرأ أيضاً: العلاقات الصينية بأمريكا اللاتينية.. وجهتا نظر حول علاقات التبعية

وبعد أن كانت مهمة الجيش الثوري الأساسية هي تصدير الثورة، انقلب الجيش على الشعب الكوبي من خلال إضافة نفوذ سياسي إلى قوته الاقتصادية الحالية وقمع المعارضة، ومنحته عسكرة الدولة الوصول إلى السلطة دون الحاجة إلى الانقلاب عليها. وبدلاً من إحداث تغيير سياسي مرتقب، أدت الاضطرابات في كوبا إلى زيادة القمع والمراقبة، وإلى تعزيز التأثير العسكري في صنع القرار السياسي.

إن اعتماد الدولة على الجيش في قمع اضطرابات يوليو قد عزز من نفوذ الجيش الثوري الذي ليس لديه ما يدفعه للتخلي عن سلطاته السياسية والاقتصادية؛ لا سيما في ظل وجود مؤيدين له في مختلف أنحاء العالم، ممن لا يزالون يؤمنون بالمثل العليا للثورة الكوبية، ويرفضون الاعتراف بأن النظام الكوبي هو مجرد ديكتاتورية عسكرية أخرى.

وفي الحديث عن المستقبل أمام كوبا، في ظلِّ التطورات الأخيرة، يطرح المقال أمام القراء ثلاثة سيناريوهات مستقبلية محتملة، تتلخص فيما يلي:

السيناريو الأول؛ ينطوي على المزيد من القمع يمارسه النظام؛ لضمان استمراره كما فعلت أنظمة أخرى في بيلاروسيا ومالي وميانمار وتركيا، ونجحت في تعزيز سلطاتها. وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً. وإذا استمرت كوبا بالسير في هذا الطريق، فسوف يصبح الجيش الثوري أكثر أهمية من أي وقتٍ مضى لبقاء النظام.  

الجيش الثوري الكوبي يشارك قوات وزارة الداخلية في قمع الاحتجاجات- وكالات

السيناريو الثاني الأقل احتمالاً يستلزم استمرار النظام؛ ولكن مع تقديم بعض التنازلات كما فعلت دول مثل المغرب ونيجيريا، حيث أدت هذه التنازلات إلى استمرار الأنظمة فيها. وقد بدا هذا السيناريو محتملاً عندما بدأ النظام باتخاذ بعض الخطوات الصغيرة باتجاه الانفتاح الاقتصادي، إلا أن قراره بسحق المعارضة يشير إلى عدم رغبته في إجراء إصلاحات طويلة الأجل.

أما السيناريو الثالث الذي يطرحه المقال، ويعتبره الأقل احتمالاً، فهو المسار التفاوضي بين النظام والمعارضة، إلا أن معظم قيادات المعارضة لا يزالون في السجون الكوبية أو رهن الإقامة الجبرية، ولا تزال السلطات الكوبية ترفض إطلاق سراحهم. كما أن نفوذ الجيش الثوري وسلطته يجعلان إجراء أي مفاوضات جدية أمراً غير مرجح.

اقرأ أيضاً: لماذا اختار “حزب الله” منطقة حدودية في أمريكا اللاتينية كمنصة لأنشطته؟

في سعيه للسيطرة على اقتصاد البلاد، استخدم الجيش الكوبي العقوبات الأمريكية شماعة يعلق عليها فشله، ويعزو إليها مصاعب البلاد الاقتصادية. كما استخدم الصورة التي رسمها للولايات المتحدة بوصفها عدواً وجودياً في تبرير نفوذه المتنامي.

لقد أدى الحصار إلى إفقار الشعب الكوبي، وزيادة ثروة الجيش ونفوذه الاقتصادي، كما أن الحصار قد ساعد في الحفاظ على القيمة المثالية العالمية للثورة الكوبية، وساعد كوبا على تقديم نفسها كجزيرة شيوعية صغيرة تقف في مواجهة الإمبريالية الأمريكية.

ويخلص المقال إلى أن رفع العقوبات من شأنه أن يدفع الحكومة الكوبية إلى تطوير استراتيجية اقتصادية حقيقية؛ ما يمكن أن يساعد الشركات الصغيرة الناشئة في مختلف أنحاء البلاد لتكون ثقلاً موازناً لهيمنة الجيش الثوري.

وترى الكاتبتان أنه يجب على أية سياسة أمريكية تجاه كوبا أن تهدف إلى إقصاء الجنرالات المسنين الذين جمعوا الثروات، ويتمسكون بالسلطة بأي ثمن؛ فقد تمكن النظام الكوبي من البقاء على الرغم من الحصار الأمريكي الذي استمر أكثر من ستين عاماً، وتجاوز موجة العقوبات الإضافية التي فرضها ترامب. وسيكون من المفيد للرئيس بايدن أن يتذكر أن السياسة التصالحية التي انتهجها الرئيس أوباما، أضرت بالحكومة الكوبية أكثر من أية عقوبات سابقة.

♦لورا تيديسكو: أستاذة مشاركة في كلية العلوم السياسية بجامعة سانت لويس في مدريد.

♦روت ديامينت: باحث رئيسي في المجلس الوطني للبحوث العلمية والتكنولوجية، وأستاذ في جامعة توركواتو دي تيلّا في بيونيس آيرس.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات