الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

القمع التركي.. العابر للحدود

صعبت الانقسامات الحادة بين أوساط الجاليات التركية على حكومة أردوغان استغلال مزايا هجرة وإقامة الأتراك في الخارج.. فبدأت حملة قمع واسعة ضدها

كيوبوست

مقدمة:

لا شيء يضاهي حملة القمع العابر للحدود الدولية التي تقوم بها الدولة التركية في شراستها، ومداها الجغرافي، والفجائية التي انطلقت بها من بعد محاولة الانقلاب الفاشلة ضد الرئيس أردوغان في يوليو 2016. وبعد تلك المحاولة الانقلابية بدأت الحكومة الإسلاموية في استغلال القانون الدولي في طلب تسليم خصوم البلاد لها، فأرسلت الطلبات إلى 31 بلداً مختلفاً من أوروبا، والشرق الأوسط، وإفريقيا، وآسيا والأمريكتَين. والملاحظ أن هذه الحملة التي تقوم بها وكالة الاستخبارات التركية، قد اعتمدت أساساً على إقناع البلدان المختلفة بتسليم خصوم أردوغان دون العمل بالإجراءات القانونية أو مع اتباع أقل ما يمكن إظهاره من الالتزام بالضوابط المعتادة. وقد قُمنا بتوثيق 58 حالة من حالات تسليم الأفراد منذ عام 2014، ولم تتفوق دولة أخرى على تركيا أردوغان خلال نفس الفترة في حجم عمليات طلب تسليم خصومها، ولا يعزونا شك بأن إجمالي الرقم الموثق للحالات، ليس إلا أقل بكثير مما جرى في الواقع. أما عن أهداف هذه الحملة، فقد تمحورت حول ثلاثة خصوم رئيسيين؛ وهم: الأعضاء الحركيون في المنظمات الدينية والاجتماعية التي يقودها الزعيم فتح الله غولن، أو حتى الأفراد الذين يعملون بصفة تعاقدية وظيفية مع هذه المنظمات، وكذلك أعضاء الأحزاب الكردية، والأفراد المرتبطون بالمعارضة التركية في الخارج؛ وبالذات اليسارية.

اقرأ أيضًا: نوايا أردوغان السلطوية تقف خلف المطالبة بـ”دستور جديد”

ما قبل المحاولة الانقلابية:

منذ مجيئها إلى السلطة في بداية الألفية، نظرت حكومة حزب العدالة والتنمية إلى الجاليات التركية بوصفها مصدراً محتملاً للدعم، وأداة لدعم أهداف سياستها الخارجية؛ ولكن الانقسامات الحادة بين أوساط الجاليات التركية، وهي انعكاس لصراعات المجتمع التركي نفسه، صعبت على حكومة أردوغان استغلال مزايا هجرة وإقامة الأتراك في الخارج.

هذا بالإضافة إلى أن التسييس البالغ الذي صبغ محاولات أنقرة للعمل مع هذه الجاليات، أثار قلق وحفيظة العديد من أفرادها، ولم تكن هذه المخاوف متخيلةً قط؛ حيث عبَّر الناشطون الأكراد واليساريون عن قلقهم من حوادث عديدة اصطدم فيها أفراد موالون للحكومة معهم، بل واستخدموا العنف وقبضات الأيادي في الشوارع والميادين.

شهدت تركيا انتهاكات عديدة من الشرطة – أرشيف

وفي عام  2013 انحدرت الأمور بخطورة عندما تم اغتيال ثلاثة منفيين أكراد؛ ومنهم أحد مؤسسي حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا. ولم تُحل القضية؛ حيث إن عملية الاغتيال التي حصلت في مركز ثقافي كردي في باريس، قام بها مواطن تركي توفي خلال احتجازه أثناء التحقيقات الأولية؛ مما أطلق عدة مزاعم بأنه كان عميلاً لوكالة الاستخبارات الوطنية التركية.

ومع تشدد نبرة أردوغان في الخارج، وثقت الحكومة التركية صلاتها بالجماعات القومية؛ مثل: “رابطة سائقي الدراجات النارية العثمانيين في ألمانيا”، والتي اُتهمت بقيامها بالتجسس وتهديد المنفيين الأتراك. وفي عام 2018، حظرت السلطات الألمانية أنشطة الرابطة.

كما لم يتوانَ نظام أردوغان عن استغلال مؤسسات حكومية؛ مثل “مديرية الشؤون الدينية”، والتي تُعرف على نطاق واسه باسم “ديانت”، والتي تشرف على عمل الأئمة والمساجد التي تخدم الجاليات التركية. وحتى هذه الهيئة الحكومية تم استخدامها لمراقبة المعارضين والتجسس عليهم.

بعد المحاولة الانقلابية.. انفجر القمع

أدت المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو 2016 إلى إحداث تحول كبير في استخدام تركيا القمع العابر للحدود؛ حيث أطلقت السلطات عملية “تطهير عالمي” وازت ما قامت به من تطهير في الداخل. ولم يستثنِ التطهير أحداً ممن كانوا على صلة فعلية بمنظمات فتح الله غولن أو ممن يشتبه في أنهم كذلك، مما نتج عنه اعتقال أعداد كبيرة من الكوادر التعليمية لمجرد عملهم في المدارس التي تشغلها حركة غولن حول العالم.

الداعية الإسلامي المعارض فتح الله غولن- أرشيف

واتكأت عملية التطهير العالمية على تكتيكات عدة؛ ومن أهمها التحكم في سفر وحركة الأفراد، واحتجازهم، وتسلمهم بشكل غير قانوني. وتذكر أنقرة أنها قد نجحت في استعادة 116 متهماً من 27 دولة كانوا على صلة بالمحاولة الانقلابية. وفي رسالة للقيادة التركية في مايو 2020، أشارت الأمم المتحدة إلى “ما لا يقل عن 100 فرد.. تعرضوا إلى الاعتقال القسري والاحتجاز والتغييب الجبري والتعذيب”. وفي خلال أبحاثنا الخاصة، استطعنا أن نوثق تسليم58  فرداً من 17 بلداً.

وواصلت السلطات التركية في عهد أردوغان تقليداً طويل المدى من سوء استغلال صلاحياتها التشريعية في ما يتعلق بتجريم ومكافحة الإرهاب؛ فاستغلت البنية القانونية كي تعاقب المنظمات المنضوية تحت مظلة الزعيم الديني فتح الله غولن، وأطلقت أنقرة نسختها الخاصة من “لائحة الإرهابيين الأشد طلباً” للعدالة، وشملت آلاف الأفراد ممن يُشتبه فقط في علاقتهم مع حزب العمال الكردستاني والجماعات اليسارية المعارضة، وكذلك العديد من كوادر منظمات غولن.

اقرأ أيضًا: جائحة كورونا والقمع في تركيا

وتقوم أجهزة الإعلام المقربة من الحكومة؛ مثل صحيفة “ديلي صباح” الناطقة بالإنجليزية، بنشر مقالات ومواد، بشكل دوري، عن جهود الحكومة التركية في قسم مخصص لذلك في موقعها الإلكتروني يُسمى “الحرب على الإرهاب”.

التضييق على حرية السفر والحركة

ومع استخدام سلاح الحق في طلب تسليم مواطنيها، استغلت الحكومة التركية صلاحيتها، وقامت بإلغاء 230,000 جواز سفر لمواطنين يُشتبه في صلتهم بمنظمات فتح الله غولن. كما صرَّح العديد من العاملين في منظمات ومؤسسات تابعة لغولن بمعاناتهم وعوائلهم في تجديد جوازات سفرهم؛ حيث يتم استدراجهم إلى تركيا، ما يعني القبض عليهم.

كما أن الأفراد الذين يتم إلغاء جوازات سفرهم يصبحون هدفاً سهلاً، لإلقاء القبض عليهم أثناء تنقلهم بين مختلف البلدان وتسفيرهم مرة أخرى إلى تركيا، وحتى في حال رفع الحظر عن بعض الجوازات، فإن أنظمة السفر والهجرة في تركيا تعمل ببطء يؤدي إلى تأخير حركة الأفراد وإعاقتها؛ بما يجعلهم تحت رقابة السلطات وتسلطها في أي وقت.

اقرأ أيضاً: أسلي أردوغان: تركيا أعلنت حرباً مفتوحة ضد حقوق الإنسان

ولم تكتفِ أنقرة بذلك، بل حاولت استغلال صلاحيات “الإنتربول”؛ لاستهداف المعارضين والمنفيين. وفي أعقاب انقلاب 2016، وصلت المحاولات إلى الحد الذي دفع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، للتنديد والتصريح في 2017 بأن: “الاستغلال التركي لمنظومة الإنتربول أصبح غير مقبول”، وتذكر بعض المصادر أن تركيا حاولت قرصنة المنظومة وإدخال 60,000 اسم في نظام تنبيهات الإنتربول.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مروان البلوشي

باحث إماراتي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة إدنبرة.

مقالات ذات صلة