الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

القصص التي ترويها الصين

الذاكرة التاريخية الجديدة التي تعيد تشكيل القومية الصينية

كيوبوست- ترجمات

جيسيكا شين ويس♦

بعد عرضٍ عسكري ضخم بمناسبة الذكرى السبعين لنهاية الحرب العالمية الثانية، ألقى الرئيس الصيني شي جين بينغ، خطاباً تعمد فيه تهدئة مخاوف الذين يشعرون بالقلق من القوة النارية والبشرية الهائلة للصين، قال فيه “بغض النظر عن مدى قوتها، فإن الصين لن تسعى أبداً إلى الهيمنة أو التوسع”. وقال شي إن الصين لعبت دوراً مهماً في هزيمة الفاشية في القرن العشرين، وهي تلعب الآن دوراً في الحفاظ على النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين. ودعا جميع الدول إلى احترام “النظام الدولي الذي تدعمه مبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة؛ لبناء شكلٍ جديد من العلاقات الدولية يتميز بالتعاون المثمر لجميع الأطراف، ويعزز القضية النبيلة للسلام العالمي والتنمية”.

في عهد الرئيس شي، حاول الحزب الشيوعي الصيني إظهار الصين بصورة الساعي لتحقيق السلم من خلال القوة، فلم تسع للحروب ولم تتهرب من المواجهة؛ ولكن سلوك الصين الحاسم والتوسعي في بعض الأحيان أدى إلى تقويض هذا السعي، ولم يعد أمام الرئيس شي إلا العودة إلى التغني بالماضي لتعويض هذا التوتر؛ ولكن اهتمام الصين بإحياء ذكرى الحرب العالمية الثانية بدأ قبل ذلك بكثير. ففي الثمانينيات أدت الفوضى والمجاعة والثورة الثقافية إلى كشف عيوب الماركسية اللينينية كفلسفةٍ حاكمة. وعندما تولى دينغ شياو بينغ الحكم بعد موت ماو عام 1976 أخمد الحزب الشيوعي الصيني نيران الصراع الطبقي، وأذكى النزعة الرأسمالية، والنمط الاستهلاكي. ولكن حتى مع تغيير أيديولوجيته ظل بحثه عن الشرعية الشعبية مرتبطاً بالقومية، وازداد ارتباطه بدور الصين في الحرب العالمية، والذي يعتبره القادة الصينيون دليلاً على دفاع الحزب عن الشعب الصيني في وجه العدوان والإذلال الأجنبي.

اقرأ أيضاً: الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط بين التبعية والتنافس (1)

في كتابه القيم الجديد، يفتح المؤرخ رانا ميتر، نافذة على إرث تجربة الصين في الحرب العالمية الثانية، ويوضح كيف تعيش الذاكرة التاريخية في الحاضر، وتسهم في التطور المستمر للقومية الصينية. وفي هذا العمل المتقن يعرف القراء بالباحثين وصانعي الأفلام والدعاية الذين يسعون إلى إعادة تعريف تجربة الصين في الحرب. ويظهر كيف يسعون إلى إبراز سعي الرئيس شي إلى إظهار الصين بمظهر المدافع الدولي عن النظام العالمي. ويستعرض ميتر بجرأة المزاعم والتخيلات السياسية التي يفرضها الحزب الشيوعي الصيني حول ماضي الصين على حساب سعيه لرسم رواية مقنعة عن مستقبل الصين.

أيديولوجية فارغة

أظهرت الصين في عهد شي شهية متزايدة للقيادة، فهو القائل: “الصين ستدفع بقوة النظام العالمي بوصفها دولة مؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة وأول الموقعين على ميثاقها”. ويشير ميتر إلى أن شي يتجاهل حقيقة أن الزعيم القومي الصيني شيانغ كاي شيك، وليس ماو تسي تونغ، كان هو من جلس إلى جانب الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، في مؤتمر القاهرة عام 1943 الذي مهّد الطريق للنظام العالمي بعد الحرب العالمية الأولى. لقد كان القوميون الصينيون، وليس خصومهم الشيوعيون، هم من ساعد في تأسيس الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.

يرى ميتر أن القيادة الصينية تسعى من خلال تقديم الصين كشريكٍ رئيسي للحلفاء في زمن الحرب، وكمؤسس للنظام العالمي بعدها، إلى أن تقترح أن “تلعب الصين دوراً تعاونياً مماثلاً في المجتمع الدولي المعاصر”

مؤتمر القاهرة  1943- أرشيف

ولهذا النمط من المراجعة للتاريخ فائدة أخرى؛ فهو يحرف الانتباه عن ابتعاد الصين عن أيديولوجيتها منذ سنوات ما بعد الحرب. فحتى وفاة ماو تسي تونغ، لم تكن الصين من أنصار الليبرالية العالمية؛ بل كانت مدافعة عن الثورة الشيوعية العالمية. وتركيز الصين الجديد على ما يدعوه ميتر “الأجندة الأخلاقية” المشتركة لهزيمة الفاشية يدعم تماماً مزاعم الصين بأنها تدعم النظام العالمي المعاصر.

اقرأ أيضاً: استراتيجية الصين الكبرى: الاتجاهات والمسارات والتنافس طويل المدى

يقيِّم ميتر الصين بأنها “دولة ما بعد الاشتراكية في الواقع، وإن لم تكن كذلك بالاسم”، وهذا التقييم يرتكز على أن الخطاب الرسمي الصيني لا يزال يستخدم عبارات ومفاهيم متجذرة في الماركسية اللينينية. وكما ذكر ميتر في كتابه لا ينبغي أن تؤخذ هذه اللغة في ظاهرها؛ فالمنظرون والمسؤولون الصينيون يستخدمون هذه اللغة لإعطاء غطاء سياسي لمخالفة مضمونها. ولا يزال الفكر الماركسي صحيحاً سياسياً في الصين اليوم، ولكن المبادئ الماركسية تستخدم بطرق مفاجئة أحياناً، فعلى سبيل المثال اعتمد جيي دالي، الباحث في العلاقات الدولية في بكين، على المبادئ الماركسية ليقول إن “صعود الصين هو في المقام الأول قصة نجاح اقتصادي”، وإن الصين يجب أن تستخدم الدبلوماسية الاقتصادية لتجنب “صراع أيديولوجي مع الولايات المتحدة”.

المؤتمر العام للحزب الشيوعي الصيني- أرشيف

الصين في صراع مع نفسها

إحدى نقاط القوة في كتاب ميتر هي أنه يسلط الضوء على الكيفية التي نظرت بها الأصوات المختلفة داخل الصين إلى التاريخ لكشف حقائق جديدة عن هوية ومسار الدولة؛ حيث تكشف هذه التيارات التحريفية عن أعداء الصين أقل مما تكشف عن الصين نفسها. جاء في كتاب ميتر: “إن الكثير من النقاش العام حول الحرب لا يدور حول اليابان، بل حول الصين نفسها وما تراه بشأن هويتها اليوم، وليس في عام 1937 أو 1945”. ويرى أن البلاد “ليست في صراع مع اليابان، بقدر ما هي في صراع مع نفسها حول قضايا؛ منها عدم المساواة الاقتصادية والتوترات العرقية”.

ومنذ عام 1980 ركزت عملية تحريف تاريخ حقبة الحرب العالمية الثانية على رؤية أكثر تعاطفاً مع القوميين الصينيين الذين لاحقهم الحزب الشيوعي الصيني بعد فرار القيادات القومية إلى تايوان عام 1949. ويتتبع ميتر في كتابه روايات وكتابات المسؤولين والباحثين وصانعي الأفلام الصينيين الذين تمكنوا من التملص من الرقابة الصينية، والإضاءة على مساهمات القوميين في المعارك وبطولات الجنود الذين قاتلوا ضد المحتل الياباني؛ ولكنها صورت أعمال هؤلاء على أنها تمت تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني. ويصف ميتر هذا الأمر بدقة في كتابه بأنه “توازن غير مستقر بين السماح بتاريخ أكثر شمولاً مع محاولة عدم الإضرار بأسطورة تاريخ الحزب الشيوعي”.

اقرأ أيضاً: هل تعيد الولايات المتحدة والصين الحرب البيلوبونيسية مرة أخرى؟

الصين هي أسوأ أعداء نفسها

يواجه الحزب الشيوعي الصيني صعوبة كبرى في تسويق روايته لتاريخ الحرب العالمية الثانية، ونشرها خارج حدود الصين. ويكمن جزء من هذه الصعوبات في التاريخ الغربي وانحيازه؛ حيث يرى ميتر أنه كثيراً ما يتم تجاهل دور الصين في الحرب في الدول الغربية، وقد حاول ميتر تصحيح ذلك في هذا الكتاب بالاستناد إلى كتابه السابق «الحليف المنسي»؛ ولكن الدول الأجنبية وشعوبها ليست هي العقبة الكبرى أمام الصين في سعيها لاستخدام التاريخ لتلميع شرعيتها؛ بل الحزب الشيوعي الصيني هو العقبة الرئيسية، فحتى عندما يتيح الحزب المجال أمام البحث الشامل في تاريخ الصين في وقت الحرب؛ فهو يقمع بشدة الروايات -سواء أكانت حول التيبت أم هونغ كونغ أم شينجيانغ- التي تتحدى تعريفه العرقي لمن ينتمي إلى الصين. وبسبب هامش التسامح الضيق المتاح أمام صانعي الأفلام، فإنها غالباً ما تركز على أهوال الحرب دون الإضاءة على تفاصيل ضحايا هذه الأهوال ومرتكبيها. ويرى ميتر أن هذه الأفلام تقدم الكثير من “المشاهد الصاخبة والمشاعر الرخيصة”.

الصين تستعمل الحرب العالمية الثانية لتشويه صورة اليابان وحلفائها الغربيين- “بزنس إنسايدر”

والأهم من ذلك هو الحقيقة البسيطة في أن الاستبداد المتزايد في الصين يتناقض تماماً مع الرواية السائدة في الغرب التي تعزو السبب في خوضه الحرب إلى الدفاع عن الديمقراطية، وإنقاذها من الفاشية. وبالطبع لا تستطيع دولة ديكتاتورية كالصين تبني مثل هذه الرواية للتاريخ أو إدخال الصين فيه. يقول ميتر: “إن إبقاء العالم مكاناً آمناً للاستبداد ليس خياراً جذاباً في القرن الحادي والعشرين”؛ خصوصاً بالنسبة إلى الديمقراطيات الرائدة التي تضع النضال في سبيل الحرية في مركز أولوياتها. وقد دفعت الرقابة الشديدة التي يمارسها الحزب الشيوعي الصيني ومعسكرات “إعادة التأهيل” والاعتقال الوحشية في شينجيانغ، العديد من المراقبين في الخارج إلى اتهام الرئيس شي بإعادة إحياء الفاشية.

اقرأ أيضاً: تأملات في التحدي الصيني والحرب الباردة الثقافية

هنالك أيضاً بعض المخاطر في استراتيجية الصين في إعادة صياغة تاريخ الصين من أجل التأثير على تصورات دورها الحالي والمستقبلي في صياغة النظام العالمي. وكلما صورت الصين نفسها على أنها المدافع عن النظام العالمي ما بعد الحرب، زادت الإحساس عند المواطنين الصينيين بأن بلدهم يستحق المزيد من النفوذ، ودوراً أكثر أهمية في الشؤون الدولية في العقود القادمة. وبالطبع فإن بقية دول العالم لن تماشي الصين في لعبتها، وإذا ما واجهت الصين معارضة دولية منسقة لطموحاتها العالمية فقد يتعين على الحزب الشيوعي الصيني -وبقية العالم- أن يتعامل مع شعور متزايد بالظلم والاستياء وخيبة الأمل بين صفوف الشعب الصيني.

وخلال السنوات الأربع الماضية، نصبت الصين نفسها كمدافع عن المنظمات الدولية والمعاهدات التي كانت إدارة ترامب تقوضها، من منظمة الصحة العالمية إلى اتفاقية باريس للمناخ؛ ولكن في الوقت نفسه، حاولت بكين تقليص دور القيم العالمية في النظام الدولي، وبدلاً من ذلك عززت من شأن التنمية الاقتصادية، وأمن الدولة على حساب حقوق الأفراد السياسية.

الجيش الصيني إبان الحرب العالمية الثانية- أرشيف

بالنسبة إلى جيران الصين وخصومها، فإن التحدي الذي يواجههم هو كيفية العمل مع بكين على مواجهة جائحة “كوفيد-19″، والتغيرات المناخية، ومنع الانتشار النووي، وفي الوقت نفسه تجنب آثار الاستبداد المتزايد في الصين والشعور القومي العدواني فيها.

في الواقع يمكن لمحاولة إعادة صياغة تاريخ الحرب العالمية التي تقوم بها الصين أن تساعدهم في ذلك؛ فمن دون تأييد رواية الحزب الشيوعي الصيني لتاريخ الحرب، ومن دون تبرير اعتداءات الصين في الخارج وانتهاكاتها في الداخل، يمكن للقادة في واشنطن وغيرها أن يعترفوا بشكل صحيح بدور الصين في إنهاء الحرب العالمية الثانية، وخلق النظام العالمي الحالي. وهذا الاعتراف يمكنه بدوره أن يؤدي إلى تخفيف الشعور المتنامي بين المواطنين الصينيين بأن الولايات المتحدة وشركاءها لن يسمحوا للصين بلعب دورٍ قيادي على المسرح العالمي، ويمكن أيضاً لهذا الاعتراف أن يساعد واشنطن على الضغط على الحزب الشيوعي الصيني للتراجع عن حملته لترهيب ومعاقبة منتقديه في الخارج.

اقرأ أيضاً: الولايات المتحدة الأمريكية.. دروس أمس من الحرب الباردة مع روسيا ذخيرة لمعركة اليوم مع الصين

إن اتفاقاً من هذا النوع لن يحل الكثير من المشكلات التي تشوب العلاقات بين الصين والولايات المتحدة؛ ولكنه هو بالضبط الترتيب المتقن الذي يجب على واشنطن وبكين القيام به، إذا كانتا ترغبان في الوصول إلى ما يشبه التعايش السلمي.

♦أستاذة مساعدة في جامعة كورنيل، ومؤلفة كتاب «الوطنيون الأقوياء.. الاحتجاجات القومية في العلاقات الخارجية للصين».

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة