ترجماتشؤون عربية

القصة الكاملة لسد النهضة: هل تسيطر إثيوبيا على نهر النيل؟

تأجيل استكمال بناء السد ليس مطمئنًا لمصر

كيو بوست – ترجمة إيناس بكر

عند النظر إلى الخارطة المصرية، سترى خطًا أخضر يتسلل عبر الرمال ليصل إلى مثلث في الشمال، هذا الشريط عبارة عن غطاء نباتي نمى على جانبي نهر النيل والدلتا، وهي الأرض الخصبة الوحيدة في مصر الشاهدة على اعتماد البلاد الكبير على هذا الممر المائي الأسطوري.

يمتد حوض نهر النيل إلى 11 دولة إفريقية، إلا أن مصر تحصل على نصيب الأسد من مياهه منذ آلاف السنين، لكن، هذا قد يكون على وشك التغير.

اقرأ أيضًا: كيف تكون مصائب سد النهضة في إثيوبيا فوائد ثمينة لمصر؟

 

سد إثيوبيا الكبير

يعد النيل الأزرق أكبر روافد نهر النيل، ويوفر حوالي 85% من المياه الداخلة إلى مصر، إلا أن إثيوبيا تقوم حاليًا ببناء سد النهضة بتكلفة 5 مليارات دولار، بالقرب من الحدود مع السودان. عند اكتماله، سيكون أكبر سد في إفريقيا، وسيعمل على توليد 6 آلاف ميغاواط من الكهرباء للاستخدام المحلي والتصدير.

يهدف المشروع، بحسب إثيوبيا، إلى محاولة حل مشكلة الفقر عند السكان الذين تتزايد أعدادهم بشكل كبير، لكن، في المقابل، يضع السد الجديد إدارة تدفق النيل الأزرق في يد إثيوبيا، هذا ما أدى إلى حدوث تحول في المنطقة؛ فبالنسبة لمصر، يعتبر النيل حرفيًا شريان حياة لها، فالغالبية العظمى من السكان -البالغ عددهم أكثر من 97 مليون نسمة- يعيشون على ضفافه.

ندرة المياه مشكلة كبيرة تواجه مصر، فوفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو”، بلغ نصيب الفرد في مصر من الماء 637 مترًا مكعبًا في عام 2014، مقارنة بـ9538 مترًا مكعبًا من الماء للفرد في الولايات المتحدة، أي ما يعادل 15 ضعفًا من مصر. يقول أستاذ الهيدرولوجيا في جامعة عين شمس بالقاهرة، علي البحراوي، إن “بناء السد أصبح كما أن أحدهم يسيطر على صنبور المياه، وفي حال أرادت إثيوبيا تقليل الكمية الواصلة لمصر، سيكون ذلك مشكلة كبيرة”.

 

زيادة النمو السكاني المصري

من المتوقع أن يصل عدد سكان مصر إلى 120 مليون نسمة بحلول عام 2030. لذلك، فإن مصر في طريقها للوصول إلى “ندرة المياه المطلقة”، أي أقل من 500 متر مكعب للفرد، وفقًا لـ”الفاو”، وهذا قبل بناء سد النهضة.

اقرأ أيضًا: العلاقات الإسرائيلية–الإثيوبية: استغلال واستثمار وتهديد دولة عربية

 

أزرق وأبيض

يرتبط النيل ارتباطًا شديدًا بمصر، إلا أن أيًا من مصادره لا تتواجد في البلاد؛ إذ ينبع النيل الأبيض من بحيرة فيكتوريا، الواقعة بين تنزانيا وكينيا وأوغندا، في حين أن النيل الأزرق ينبع من بحيرة تانا في المرتفعات الإثيوبية. يندمج هذان النهران بالقرب من العاصمة السودانية “الخرطوم” ليشكلا الممر المائي الرئيس الذي يتدفق شمالًا عبر مصر إلى البحر المتوسط.

تقول مصر إن حصتها في مياه النيل محفوظة في القانون منذ 90 عامًا، وذلك في المعاهدة الأنجلو-مصرية عام 1929، الموقعة بين مصر وبريطانيا العظمى، والاتفاق الثنائي بين مصر والسودان عام 1959. يشار إلى أن هذه المعاهدات المعروفة باسم “اتفاقيات مياه النيل” تمنح السودان 18.5 مليار لتر مكعب من المياه سنويًا، و55.5 مليار متر مكعب لمصر.

لم تخصص اتفاقيات مياه النيل أي حصة لإثيوبيا -رغم أنها المصدر الرئيس لمياهه- أو للدول الثمانية الأخرى في حوض النيل، التي تتغذى أنهارها على بحيرة فيكتوريا وتساهم في النيل الأبيض. علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات النيل أعطت مصر حق النقض “الفيتو” ضد أي مشاريع للبناء على نهر النيل أو أي من روافده.

يعتقد أن حصول مصر على هذه الامتيازات خلال الحقبة الاستعمارية، جاء لأهميتها بالنسبة للمصالح الزراعية للمملكة المتحدة، لا سيما حقول القطن، بحسب ما ذكر أستاذ الاقتصاد في جامعة “ويبر ستيت” جون موكوم مباكو.

يقول مباكو إن مصر لا تحتاج إلى مياه النيل فقط، بل تعتقد أنها تملك الحقين القانوني والتاريخي فيه أيضًا. في المقابل، دول النيل الأخرى لديها رأي مختلف؛ إذ “تنادي دول حوض النيل المنحدرة على ضفافه بأن اتفاقيات مياه النيل غير عادلة، وغير قابلة للاستمرار”. في السياق ذاته، تؤكد إثيوبيا على أنها “غير ملتزمة بهذه الاتفاقيات” لأنها لم تكن طرفًا فيها.

 

السد يغير المحادثة

استمرت المفاوضات بين دول نهر النيل لسنوات كثيرة، حتى اتخذ الإثيوبيون عام 2011 قرارًا جريئًا ببناء السد، دون التشاور مع مصر. في 2013، قال الرئيس المصري السابق محمد مرسي في خطاب متلفز، إن الأمن المائي المصري لا يمكن خرقه على الإطلاق، مضيفًا أنه في حال تضاءلت حصة مصر من النهر “قطرة واحدة” فإن الدم المصري هو البديل. عندما فشلت التهديدات المصرية في إحداث تأثير، اتجهت مصر إلى النهج الدبلوماسي.

اقرأ أيضًا: هذا ما يكشفه اتفاق الصلح بين إثيوبيا وإرتيريا

 

استهلاك المياه في مصر

عقد رؤساء مصر والسودان وإثيوبيا العديد من الاجتماعات حول السد في الخرطوم عام 2015، إلا أنه لم يتم التوصل إلى تسوية. وأثبتت اتفاقيات مياه النيل أنها نقطة خلاف عسيرة؛ إذ يقول مباكو: “بينما يصرح المسؤولون المصريون علنًا أنهم يريدون التفاوض مع الإثيوبيين، إلا أنهم لا يزالون يعتقدون أن هذه الاتفاقات يجب الوفاء بها”. مع اكتمال نحو 60% من أعمال بناء السد، انهارت المحادثات ورفعت مصر من حدة خطابها مرة أخرى.

في مايو/أيار الماضي، وافق وزراء الري في البلدان الثلاثة على إنشاء دراسة علمية لتقييم أثر السد على التدفقات النهائية. وبعد شهر من ذلك، زار رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد، آبي أحمد علي، مصر وطمأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأنه يريد تحقيق التنمية في إثيوبيا دون الإضرار بالشعب المصري. في المقابل، يقول مباكو إن علي يسعى للانسجام مع جيرانه في المنطقة بدلًا من المواجهة، مضيفًا: “على الرغم من ذلك، الإثيوبيون باتوا على علم أنهم يساومون من منطلق قوة… في حقيقة الأمر، إن مضي الإثيوبيين في بناء السد أعطتهم دفعة معنوية، إذ أظهر لهم أن المصريين ليسوا أقوياء كما يعتقد الجميع”.

 

ملء السد

الوقت الذي ستقضيه إثيوبيا في ملء خزان السد هو قضية حاسمة بالنسبة لمصر، وكان محور المفاوضات الأخيرة، فكلما كانت تعبئة السد أسرع، كلما قلت كمية المياه في مجرى النهر. يقول “كيفن ويلر” من معهد التغيير البيئي في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة: “من الناحية الفنية، يمكن ملء السد خلال 3 سنوات، إلا أن مصر تفضل مدة زمنية أقل؛ حوالي 10 سنوات”، مضيفًا: “في حال حدوث جفاف بالتزامن مع ملء الخزان، فحتى التعبئة البطيئة قد تكون مشكلة”.

في السياق ذاته، يشعر الأمين العام للشركة المصرية للمياه “خالد أبو زيد” بالقلق من الخسائر طويلة الأجل التي سيسببها السد بمجرد تشغيله، محذرًا أنه في حال تم تشغيل الخزان وراء سد النهضة على أعلى مستوياته، سينتج عنه خسائر فادحة بسبب التسرب والتبخر، ففي السابق، الماء المفقود كان يجد طريقه نحو سد أسوان العالمي.

اقرأ أيضًا: لعبة شد الأطراف: دعم قطر لبناء سد النهضة الإثيوبي

وبحسب أبو زيد، فإن صافي الخسائر الإضافية التي ستنتج عن سد النهضة الإثيوبي قد تصل إلى 60 مليار متر مكعب على مدى 10 سنوات، وفي سنوات الجفاف، قد يلحق الجفاف بـ625 ألف فدان من مساحات الأراضي الزراعية، ما سيؤدي إلى حدوث خسائر اقتصادية تقدر بحوالي 2 مليار دولار سنويًا، بالإضافة إلى ترك حوالي مليون مزارع وعامل بلا وظيفة. علاوة على ذلك، ستتراجع معدلات توليد الطاقة الكهرومائية بسد أسوان العالي بنسبة تصل إلى 40%.

 

تأجيل مؤقت

كان من المفترض الانتهاء من بناء سد النهضة في عام 2017، لكن بسبب التأخير لم يكتمل بناء سوى 66% السد. في أغسطس/آب الماضي، توقفت أعمال البناء عندما أنهت إثيوبيا العقد من أجل تركيب التوربينات مع شركة “ميتيك” الحكومية في محاولة للقضاء على الفساد.  

التأجيل بالنسبة لمصر هو أمر مؤقت، وبمجرد عودة المشروع إلى مساره، سيكون التعاون الوثيق بين إثيوبيا والسودان ومصر أساسيًا في حال رغبة كل منهم تقليل الآثار السلبية للسد إلى أدنى حد ممكن. ومن أجل الوصول إلى نتيجة ناجحة، يتطلب الأمر ذكاءً سياسي وحسن نية، كما أن الشفافية في المعلومات وتطوير منصات فعالة لتبادل البيانات والاتصالات هي أمور حاسمة أيضًا، وفقًا لما ذكر ويلر.

 

المصدر: CNN

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة