الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دولية

القذافي كان يحلم بثورة يقودها ونجح القطريون في التلاعب به

إسلاميو الكويت جزء ضئيل من التسريبات والإجراءات الصارمة ضد المتآمرين لا تسمح بها أوضاع البلاد الهشة، والتاريخ علمنا أن مثل هذه الأزمات تنتهي بصفقة.

كيوبوست

في العام 2010 في اجتماعٍ مع مجموعة من الصحفيين والإعلاميين السعوديين والخليجيين، قال الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية الأسبق: “ليتكم تنافسون الجزيرة في “مهنيتها”، وتتركون الاهتمام بالحسناوات، التفت لحظتها إلى مدير واحدة من القنوات، وقال مازحاً: مذيعاتكم جميلات للغاية”. في هذه اللحظات كانت قطر عبر قناة الجزيرة تعيش مرحلةً من الهدنة مع السعوديين منذ نهاية 2008. لكنها كانت هدنة كلحم على وضم.

العام 2010 هو واحد من أكثر الأعوام خطورة، كانت الأنفاس تتصاعد، والترقب يقتل، والنشاط المحموم على أشدِّه، وعشرات من أخطر الناشطين الإسلاميين السعوديين والخليجيين يضعون اللمسات الأخيرة في اسطنبول والدوحة، وأحياناً في الكويت، لتثوير الشباب وإعدادهم ليكونوا وقود مشروع يمكِّن الإخوان المسلمين وحلفاءَهم من حكم الخليج والعالم العربي”.

شاهد: فيديوغراف.. قناة “الجزيرة” تخدم أجندة تركيا التخريبية في اليونان

الامير نايف بن عبدالعزيز

وليلة الحادي عشر من مارس 2011 كان الأمير نايف يتابع بقلقٍ ما تنشره وسائل الإعلام وصفحات الإنترنت والجزيرة القطرية عن ثورة حنين المنتظرة التي ستطيح بحكم آل سعود. ليلتها سأل الأمير أقرب مستشاريه وأكثرهم معرفة به: “ماذا تتوقع؟ قال: أمناً وسلاماً يا طويل العمر، سينالنا بعضٌ من الشرر المتطاير من الحرائق من حولنا، لا أكثر”.

المفارقة أنه في تلك اللحظات كان إسلاميون سعوديون يتقافزون بين الرياض والدوحة مبشرين بمشروعٍ جديد يُزال فيه “الطغاة والمستبدون”، ويحكم فيه الإسلاميون.

بعد مقتل الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، تمكنت دولة خليجية من الحصول على مجموعة من الأقراص المدمجة والملفات الصوتية التي كانت داخل قصر العزيزية في طرابلس، تتضمن عشرات الساعات من لقاءات القذافي مع عشرات ممن حلوا ضيوفاً على خيمته. وحسب معلومات حصلت عليها “كيوبوست”، فإن مخابرات دولة خليجية تمكنت من الحصول عليها، عبر شخصياتٍ مقربة من القذافي، تقاضت ثمناً لهذه الثروة من الأسرار، وحصل ذلك في يوم مقتل القذافي قبل أن يصل إليها القطريون. لكن معلومات غير مؤكدة تذكر أن مجموعة من هذه التسجيلات تملكها أكثر من دولة.

القذافي يتحدث مع رئيسة الوزراء الأوكرانية السابقة يوليا تيموشينكو في خيمته – رويترز

وتحتوي الملفات الصوتية والأفلام التي سجلت داخل خيمة القذافي، وغيرها، لقاءاتٍ مع سياسيين، وإسلاميين وناشطين، ورجال دين، وفنانين وإعلاميين، وصحفيين خليجيين وعربٍ، لم يكشف النقاب عنها بعد. وبلغت ذروة انفتاح نظام القذافي على هذه الفئات المؤثرة في المجتمعات العربية، منذ نهاية 2009. وكان النظام القطري منذ 2006 يسعى لعقد تحالفٍ مع القذافي ويتملقه، ويتيح له منبر قناة الجزيرة ليخاطب عشرات الملايين في وقتٍ كانتِ الجزيرة تستحوذ على الحصة الكبرى من المتابعين في العالم العربي.

سيف الإسلام القذافي

وبلغت ذروة الزيارات من الإسلاميين الناشطين إلى ليبيا في صيف 2010 واستمرت حتى بدء اضطرابات الربيع العربي، وكان عرّابها ابنه سيف الإسلام القذافي الذي كان يرعى مشروعاً إصلاحياً ليبياً واستقطاباً واحتواء للتيار الإسلامي داخل ليبيا، عبر التحالف مع التيارات الإسلامية من الخليج حتى المغرب.

اقرأ أيضًا: الإخوان يتمددون في الكويت، فهل يسيطرون على مفاصل الدولة؟

كان علي الصلّابي الليبي من الدوحة متكفلاً باستئناس الإسلاميين الخليجيين المتوجسين من عائلة القذافي. كان الصلابي هو رجل سيف الإسلام في الخليج، يحشد له الأنصار والمؤمنين بدعوته.

مبارك الدويلة

وفي الأسبوعين الماضيين، انشغلتِ الأوساط السياسية الكويتية والخليجية، بتسريباتٍ لتسجيلات صوتية جمعت بعض القيادات الإخوانية/ السلفية الكويتية مثل حاكم المطيري مؤسس حزب الأمة، ومبارك الدويلة مع الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، بشأن العمل على مخططات لإثارة الفوضى في دول خليجية على رأسها المملكة العربية السعودية.

حاكم المطيري

التسريبات التي بثها المعارض القطري خالد الهيل عبر حسابه على موقع تويتر، كشفت عن محادثات بين الدويلة والقذافي بشأن رغبة الأخير وتخطيطه لإثارة الفتن وتقسيم المملكة.

وكان حاكم المطيري يعمل أستاذاً في كلية الشريعة بجامعة الكويت، وإثر التسجيلات ، أكدت أن إدارتها تراقب الوضع وستنتظر نتيجة التحقيقات بشأن التسجيلات الصوتية التي اعترف فيها المطيري للقذافي بانشغاله بالتخطيط لعمليات فوضى في المنطقة.

مزاعم الدويلة

وقال الدويلة إن التسريبات عن لقائه مع القذافي تمت في سياق “الكلام البروتوكولي”، مؤكدًا أنه نقل تفاصيل ما جرى إلى الشيخ صباح الأحمد أمير الكويت، الذي أوصاه بأن يطلع الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير الرياض وقتها، بما يخطط له القذافي.

وزعم الدويلة أن اللقاء الذي رافقه فيه القيادي الإخواني فايز البغيلي، تم بمعرفة الخارجية الكويتية، وبحضور الشيخ ناصر صباح الأحمد ممثلاً عن الحكومة الكويتية. وأكد الدويلة أنه عمل بتوجيه أمير الكويت، ونقل ما جرى للملك سلمان حينما كان أميرًا للرياض ليخبره بمخططات القذافي.

أحمد يوسف المليفي

بحسب المستشار والحقوقي الكويتي أحمد يوسف المليفي، فإن “مبارك الدويلة حاول أن يبرر خيانته، فارتكب جريمة أخرى بأن نسب للشيخ صباح تصريحاتٍ كلها غير صحيحة، وهو يدرك جيدًا أنه لا يحق له التصريح بمثل هذا الكلام إلا بعد أخذ تصريح رسمي إما من الديوان الأميري، أو من أمير الكويت شخصيًا، وهو بروتوكول معروفٌ ومعمول به”.

كذب الدويلة

الديوان الأميري الكويتي أصدر بياناً ينفي ادعاءات الدويلة بشأن تواصله مع أمير البلاد، وبحسب وزير شؤون الديوان الأميري الكويتي علي الجراح، فإن ما قاله الدويلة كان “غير صحيح ألبتة، ومحض تقوُّل وافتراء”، مشددًا على أنه “لا يجوز أن يُنسب لأمير البلاد أي حديث أو قول سواء في مقالة أو لقاء دون الحصول على موافقة رسمية وصريحة من الديوان الأميري بذلك، وأن الديوان الأميري يحذر من اللجوء إلى مثل هذه الأساليب التي توقع فاعلها تحت طائلة المساءلة القانونية”.

لم يكن الديوان الأميري الكويتي وحده الذي نفَى القصة كاملة، بل أن عساف بن سالم أبو اثنين مدير مكتب الملك سلمان عندما كان أميراً للرياض، غرّد عبر حسابه بموقع “تويتر” مكذِّباً ما ورد على لسان الدويلة مدلياً بشهادته.

ليس الديوان الأميري الكويتي وعساف بن سالم فقط من كذَّبَا الدويلة، بل أن زميله فايز البغيلي الذي ادَّعى الدويلة أنه حضر معه اللقاءات نشر بياناً نفى فيه تماماً هذا الكلام، للدرجة التي أنكر عن نفسه الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، غير أن المعارض القطري خالد الهيل عاد لينشر تسريباً جديداً يؤكد اشتراك البغيلي في هذه الجريمة.

 

د. عايد المناع

عايد المناع المحلل السياسي والأكاديمي الكويتي، قال خلال حديثه إلى “كيوبوست”، إن “مبارك الدويلة وضع نفسه في مأزق رهيب؛ لأنه بات مضطراً الآن لتفسير ما حدث، بعد أن استند إلى جهة تبرأت تماماً منه، وهي الديوان الأميري الكويتي، الذي لن يترك الأمر يمر مرور الكرام دون محاسبة وتفسير واضح”.

جهاز أمن الدولة الكويتي استدعى أمس الثلاثاء مبارك الدويلة لفتح تحقيقات موسعة معه، بعد أن وجه إليه تهم إذاعة أخبار كاذبة، والإساءة إلى الذات الأميرية، غير أنه تم إخلاء سبيله بعد ثلاث ساعات على أن يتم رفع نتائج التحقيقات إلى الجهات المختصة.

لماذا لم يتناول مبارك الدويلة هذه التفاصيل بعد موت القذافي ما دام أنه يزعم علم أمير الكويت شخصياً بها؟

يجيب يوسف المليفي، خلال حديثه إلى “كيوبوست”، قائلًا إن “ما ارتكبه الدويلة جريمة متكاملة الأركان، وهو غير صادق في دعواه؛ لأنه لو كان فعلاً قام بهذا الدور بعلم ورغبة الشيخ صباح، وبتصريحٍ رسمي منه، فلماذا لم يتفاخر بذلك طوال السنوات الماضية، وإذا كان المانع هو القذافي مثلاً، فلماذا أيضاً لم يفرج عن هذه المعلومات بعد وفاة الرئيس الليبي الذي مرّ على رحيله تسعة أعوام كاملة؟”.

يتابع: “كل ما حدث هو أن الصدفة وحدها قادت إلينا هذه التسريبات لتفضح خيانة الدويلة، ومن على شاكلته، ولذلك فلن يمكن لمثل هذه الجريمة أن تمر دون محاسبةٍ وإجراءات رادعة”.

الدكتور عايد المناع، يشير إلى أن التسريبات “تضيف المزيد من علامات الاستفهام حول ممارسات قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين في الكويت”، والتي تتكشف يوماً تلو الآخر، لافتاً إلى أن الدويلة وضع نفسه تحت طائلة المحاسبة القانونية”.

أوهم القطريون، وحلفاؤهم، القذافي وابنَه سيفَ الإسلام، أن ليبيا التي حلمت لعقودٍ أن تقود ثورة الشعوب المهمشة، يمكنها عبر الزعيم القائد أن تتبنى ثورة حقيقية يشهد العالم العربي إرهاصاتها، في ربيعٍ عربي لن يؤتي ثماره إلا بالتحالف مع الإخوان المسلمين، وأطيافٍ من الإسلام السياسي؛ من السرورية والسلفية الجهادية، وأن أموال ليبيا ونفطها، وغاز قطر وخزائنها وأذرعها الإعلامية، ستكون الرافعة لدعم هذه الثورات، وستكون السعودية هي الهدية.

اقرأ أيضًا: إرهاب الإخوان بالكويت.. مواجهة واقعية وتحذيرات من المستقبل

وفي تعليقٍ لكيوبوست، قال باحث إماراتي: “كان التحدي كيف يمكن إنجاح ربيع قطر والإسلاميين من دون قنواتٍ تلفزيونية حليفة، يمكنها أن تكون الراعي لهذا الربيع الذي سيكون في مقدمته الإسلام السياسي، ولهذا كان التفكير بحزمةٍ من القنوات الأخرى غير شبكة الجزيرة، غير محسوبة على القطريين يمكنها أن تكون منبر هذه الثورات، ولكن التنبه المبكر لكل من السعودية والإمارات لهذا المشروع لتفكيك الدول وتقسيمها الذي كان يرعاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما والديمقراطيون، أفشل المؤامرة في جولتها الأولى وربما نشهد في الفترة المقبلة بعضاً من أسرار مشروع القذافي المسربة من خيمة الأحزان”.

جانب من الموقوفين في خلية العبدلي – سكاي نيوز

ويضيف: “ولكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، أن الكويت اليوم من الهشاشة، وتمكن الإخوان المسلمين، وضعف السلطة والاختراق، حداً لا يسمح لنا بأن نتفاءل كثيراً في تعامل حازم وعقاب للمتورطين في التآمر على بلدهم الكويت أولاً، فكل السوابق المشابهة وما هو أخطر منها كالعملاء الإيرانيين وخلاياهم آلت إلى صمتٍ وأهيل عليها التراب، كفص ملح وذاب، لهذا ستعبر هذه التسريبات وما هو قادم مثلها بسلام”.

يوسف بن علوي

إسلاميو الكويت جزء ضئيل من التسريبات فقد سبقتها بسنوات ثمان تسريبات لحديث بين أمير قطر السابق والقذافي، وأخرى بين وزير خارجية قطر الأسبق حمد بن جاسم وبين القذافي، كلها تتناول مخططا يستهدف استقرار المملكة العربية السعودية، وقبل أسابيع كان وزير خارجية سلطنة عمان بن علوي هو بطل المشهد، وهو يؤكد للقذافي أن إيران لديها مشروعها ضد السعودية وعلينا الانتظار والترقب، وياللقدر! فقد شهدت عمان في العام نفسه الذي بدأت فيه باكورة التسريبات تجد طريقها إلى الإعلام والإنترنت، شهدت محادثات سرية بين إيران والقوى العظمى حول الاتفاق النووي خفية عن السعودية الشقيقة التي حملت لعقود هم فقر السلطنة وحاجتها ووقفت معها أثناء الاحتجاجات الشبابية عام 2011.

وفيما يخص الكويت، فإن علينا ألا نكون متفائلين كثيراً، فالإجراءات الصارمة ضد المتآمرين لاتسمح بها أوضاع البلاد الهشة، والتاريخ علمنا أن مثل هذه الأزمات تنتهي بصفقة.
وفيما يخص السعوديين وجيرانهم/أشقاءهم فإن السياسة أوسع حيلة وأكبر خيارات من عتب أو خيبة أمل أو شعور بالمرارة، فالسياسة كانت عبر التاريخ أن تضع عينك في عين الخائن وتزدرد مرارتك، وتنظر بعيداً بعيداً إلى مصالحك الإستراتيجية وأمنك القومي والإقليمي وتمد يديك بالسلام وتتذكر أن عليك أن تنظف يديك جيداً.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة