الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

القحوم.. الشاب الذي أصر على إظهار اليمن بصورة مختلفة

كيوبوست- منير بن وبر

في عام 2014م، وضع موسيقي يمني شاب من حضرموت فكرة مشروع موسيقي سمَّاه “الأوركسترا الحضرمية”. يهدف المشروع إلى إظهار ونشر الموروث الموسيقي والغنائي الحضرمي؛ لكن مشروع كهذا يحتاج بالطبع إلى الكثير من الدعم لكي يخرج إلى النور، لذلك قدَّم المؤلف الموسيقي محمد القحوم، الفكرةَ إلى إحدى الجهات المعنية لتبنيها؛ لكن كغيرها من كل البدايات الصعبة في الحياة، تم رفض الفكرة.

أُصيب القحوم بخيبة أمل بسبب ذلك الرفض؛ لكن، وكما يقول مارتن لوثر كينغ: يجب علينا أن نقبل خيبات الأمل المحدودة؛ لكن لا نفقد الأمل المطلق أبداً. لهذا، سعى الشاب، الذي يرى أن الحرب والصراع يضيفان المزيد من خيبات الأمل والقهر إلى بلاده، للبحث عن جهات أخرى تؤمن بفكرة الفن كوسيلة للسلام والأمل والتعايش؛ لا تخفت مهما بلغ البؤس من مدى محبط. وبعد عامَين من البحث والإصرار، تمكن القحوم من حشد الدعم المطلوب، ونفذ بالفعل أول أوركسترا تراثية حضرمية، والتي حملت عنوان “أمل من عمق الألم” في العاصمة الماليزية كوالالمبور، في عام 2019.

اقرأ أيضاً: كيف نقل الحضارم واليمنيون الموسيقى إلى جنوب شرق آسيا وأوروبا؟

كانت حفلة ماليزيا تلك أول إنجازات ما بات يُعرف بمشروع “السيمفونيات التراثية” الذي يديره المؤلف الموسيقي محمد القحوم. واجهت الحفلة العديد من العقبات؛ لكن تم تخطي كل الصعاب بفضل إصرار وتفاني مجموعة من الشباب الطموحين والتواقين إلى إعلاء صوت الفن والموسيقى على صوت الحرب والرصاص. شباب يؤمن أن الفن والطرب لا يموتان، وأنه مثلما لعب أجداد الحضارم دوراً مهماً في نشر الموسيقى في الماضي؛ فإنهم ماضون على الدرب ذاته اليوم.

الحفلة الثانية لمشروع السيمفونيات التراثية كانت حفلة “نغم يمني على ضفاف النيل” التي أُقيمت في العاشر من مارس 2022 على خشبة دار الأوبرا المصرية. جاءت الحفلة نتيجة النجاح الكبير الذي حققته حفلة ماليزيا، واستمرار الأمل، وتنامي العزيمة على تغيير صورة اليمن. وقد تنوعت المقطوعات الموسيقية هذه المرة لتقدم ألواناً مختلفة من فنون الغناء والموسيقى التراثية من اليمن ومصر والمملكة العربية السعودية. استُخدم في تلك المقطوعات التسع آلات موسيقية تراثية يعود بعضها إلى فترة ما قبل الميلاد، مثل آلة الطربي اليمنية وآلة الربابة المصرية.

جانب من حفل “نغم يمني على ضفاف النيل”- القاهرة.. مشروع السيمفونيات التراثية

قدمت كل مقطوعة موسيقية قصتها الخاصة بها؛ فالغناء في اليمن شديد التنوع، وهو يرتبط بمختلف جوانب الحياة؛ فهناك غناء للبحر، وغناء للمزرعة والمزارعين، وغناء للجمّالة، وآخر خاص بسكان الحواضر، وآخر بسكان الريف والبدو. وكما تتنوع الألحان والإيقاعات والآلات الموسيقية تتنوع أيضاً الأصوات بشكل مثير للدهشة؛  حيث يمكن تمييز صوت الفنان الصنعاني -مثلاً- عن الفنان التهامي، والفنان الحضرمي عن الفنان العدني، ليس من خلال اللهجة فحسب، بل أيضاً نغمة الصوت التي تختلف اختلافاً كبيراً من منطقة إلى أخرى. لقد تم مزج كل ذلك التنوع الثري في قالب أوركسترالي حديث هو الأول من نوعه في تاريخ الفنون اليمنية في حفل “نغم يمني على ضفاف النيل”.

في حديث مع برنامج “نغم يمني” الذي عُرض على عدد من القنوات التليفزيونية اليمنية، قال المايسترو المصري ناير ناجي، المدير الفني لأوركسترا أوبرا القاهرة، إن حفلة “نغم يمني على ضفاف النيل” هي “أول مشاركة يمنية- مصرية على المستوى الأوركسترالي”.

وأشار ناجي إلى أن تخصص أوركسترا أوبرا القاهرة هو “عزف الأعمال الكلاسيكية العالمية”، وأن مشاركة العازفين في نوع آخر له تأثير مختلف عليهم؛ إذ إنه يغير من طريقة رؤيتهم للنمط الذي يتم عزفه، وطريقة التعامل مع اللون الصوتي المراد الوصول إليه، وهو اللون الذي يميز شكل الحضارة المرغوب تقديمها. كما لفت إلى أن الموسيقى اليمنية قائمة على “الإيقاع المركب والألحان البسيطة”؛ وهذه وصفة مثالية -حسب ناجي- للوصول إلى المشاهد بطريقة مباشرة.

اقرأ أيضاً: الجانب البصري في الغناء والموسيقى اليمنية

في حديث مع برنامج “نغم يمني” أيضاً، وصف رئيس دار الأوبرا المصرية، الدكتور مجدي صابر، الحفلَ بأنه “رائع وعبقري”، وكيف أنه يبرز وجود الموهوبين في اليمن والوطن العربي، والقادرين على تقديم سيمفونيات لا تقل عن تلك التي يقدمها الأوروبيون.

وأضاف صابر أن هذا المجهود سوف يضيف المزيد إلى الموسيقى الشرقية؛ إضافة سيمفونية عربية يمنية.

وبقدر ما يهدف حفل “نغم يمني على ضفاف النيل” إلى نشر الموروث الموسيقي والغنائي اليمني، بقدر ما يهدف أيضاً إلى حفظ هذا التراث؛ حتى يسهل نقله إلى الأجيال القادمة وتطويره. ومن أبرز طرق الحفظ هو تدوين الألحان والموسيقى باستخدام النوتة الموسيقية.

في حديث خاص مع “كيوبوست”، قال المؤلف الموسيقي محمد القحوم: “النوتة الموسيقية تُعد من أهم الطرق لحفظ التراث، جنباً إلى جنب مع التسجيلات”.

يُذكر أن غالبية -إن لم يكن كل- التراث الموسيقي والغنائي اليمني تم تناقله شفهياً خلال القرون الماضية.

اقرأ أيضاً: اليمن في كتابات الغربيينبلاد البخور الساحرة

أظهر مشروع السيمفونيات التراثية فنوناً ومواهب تستحق البروز. ولإظهار كل ذلك، سعى القحوم إلى الاستفادة من مختلف نقاط القوة؛ مثل تشبعه بالألوان الموسيقية التي عايشها خلال حياته. فخلال حديثه مع “كيوبوست”، قال القحوم: “كمؤلف موسيقي، أهتم بتأليف الألوان التي تشبعت منها موسيقياً؛ حتى أستطيع تأليفها بشكل جيد وأعطيها حقها”، وأضاف القحوم أن كل مَن تم اختياره من العازفين اليمنيين “تم اختيارهم بعناية بغض النظر عن شهرتهم؛ إذ تم اختيارهم وفقاً لمستوى أدائهم في تقديم الألوان التي قُدمت”.

المؤلف الموسيقي محمد القحوم يقدم الفنانة اليمنية فريحة في حفل “نغم يمني على ضفاف النيل”- مشروع السيمفونيات التراثية

يهدف مشروع السيمفونيات التراثية إلى تعزيز ونشر الموروث الموسيقي والغنائي، وإبراز المواهب التي تحترف تلك الألوان من مختلف المناطق. ولا يهدف المشروع إلى تقديم الألوان اليمنية فقط؛ ففي حديثه مع “كيوبوست” أكد القحوم أن المشروع “عام”، وقد بدأ بتقديم اللون الحضرمي ثم اليمني، وهناك طموح لتقديم عدة ألوان أخرى.

ربما تكون الحرب والصراع في اليمن الصورة المناقضة تماماً لمشروع موسيقي مثل السيمفونيات التراثية؛ لكن علينا ألا ننسى أن الألم ينبغي ألا يعطل قدرتنا على التذوق والحب، وحاجتنا إلى رؤية الجمال والأبواب المفتوحة والآفاق الرحبة، وأنه مهما بلغت حالنا من بؤس فإننا يجب أن نحتفظ بقدر من إنسانيتنا التواقة إلى السلام الداخلي؛ فكما يقول شاعر اليمن، عبدالله البردوني:

مـاذا أحـدث عـن صـنعاء يا أبتي؟

مـليحة عـاشقاها: الـسل والـجرب

مـاتت بصندوق “وضـاح” بلا ثمن

ولـم يمت في حشاها العشق والطرب

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة