الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

“القبيسيات” جماعة دعوية تدور حولها الشائعات ومصيرها غامض بوفاة “الآنسة الكبرى”

كيوبوست

تيسير خلف♦

توفيت في دمشق الاثنين الآنسة منيرة القبيسي، مؤسِّسة الجماعة النسائية الإسلامية الأولى والوحيدة في العصر الحديث، عن ناهز 89 عاماً، قضت نصفها محتجبة في منزلها، ممتنعة على لقاء أحد إلا أخلص تلميذاتها، تحيط بها هالة من الغموض، والكثير من الأقاويل التي تصل إلى حد تشبيه جماعتها بالتنظيم السري الماسوني، الذي لا يعرف أحد شيئاً من أجندته المحفوظة في صدور الأعضاء!

وكما كانت حياتها مثار الشائعات والتكهنات، أشعل موتها جدلاً صاخباً بين السوريين على صفحات التواصل الاجتماعية، بسبب الموقف مما جرى في سوريا من تطورات دراماتيكية خلال السنوات الاثنتي عشر الماضية. ففي حين نعاها شيوخ ورجال دين بارزون، من المحسوبين على المعارضة والنظام على حد سواء، تعرضت لهجوم كاسح من جمهور المعارضة والموالاة، ولكل أسبابه.

فالموالون رأوا أن استقبال رئيس النظام لبعض المحسوبات على تنظيم “القبيسيات” قبل سنوات قليلة طعنة في ظهر “العلمانية”، في حين رأى الجمهور المعارض أن هذا اللقاء شكل طعنة في ظهر “الثورة”!

استقبال الرئيس السوري لبعض المحسوبات على تنظيم “القبيسيات”

ولكن المدافعين عن “القبيسيات” يقولون إن “هذا الانقسام يؤكد ما كنا نقوله إنها جماعة دعوية لا تتدخل في السياسة، فثمة “قبيسيات” مع الموالاة، وأخريات مع المعارضة”، وبحسب هؤلاء المدافعين فإن الموقف من نشاط القبيسيات “يمثل شكلا من أشكال الصراع بين الرؤيتين الإسلامية والعلمانية اللتان تستقطبان الجمهور السوري”.

داعية ومعلمة بيولوجيا

ولدت الآنسة منيرة في مدينة دمشق عام 1933، في أسرة متوسطة تمتهن التجارة، ولكنها لم تلبث أن تنبهت لأهمية العلم، فدرس بعض أبنائها في الجامعات، ومنهم منيرة نفسها، خريجة كلية العلوم الطبيعية (البيولوجيا) في جامعة دمشق دفعة عام 1954، وفور تخرجها عملت في التدريس إلى جانب نشاطها الدعوي في جامع أبي النور، مقر جماعة الشيخ أحمد كفتارو، شيخ الطريقة الصوفية النقشبندية، لكنها أوقفت عن التدريس في عهد البعث منذ عام 1963، فتفرغت للدعوة، وانتسبت إلى كلية الشريعة الإسلامية في جامعة دمشق، لمتابعة تحصيلها الشرعي بطريقة أكاديمية.

ولكنها سرعان ما غادرت “جماعة كفتارو” لتؤسس جماعة خاصة بها، ذات توجه نسائي بحت، مستقلة مادياً وفكرياً عن الجماعات الدعوية الناشطة في دمشق، مثل جماعة الشيخ عبد الكريم الرفاعي، وجماعة معهد الفتح، وجماعة معهد بدر الدين الحسني، والجماعة السلفية العلمية، حيث وقفت على مسافة واحدة من جميع هذه الجماعات ذات النشاط شبه العلني، وفي المقابل كانت كل جماعة من هذه الجماعات تعتبر القبيسيات أقرب لها من باقي الجماعات.

سرعان ما غادرت الآنسة منيرة “جماعة كفتارو”

نشاط سري

كان نشاط القبيسيات سرياً في البداية، إذ كانت الحلقات الدعوية تعقد في البيوت، من دون أن تنتبه الأجهزة الأمنية لذلك طوال عقد السبعينات، ولكن، ومع بدء الصراع المسلح بين الإسلاميين والنظام اعتباراً من عام 1979، تعرضت الجماعة للتضييق والرقابة المشددة، وهو ما فرض عليها احتياطات أمنية فائقة، تمثلت في عدد من الإجراءات، منها ألا يزيد عدد المجتمعات في حلقة الدرس عن ستة طالبات علم، يدخلن ويخرجن منفردات، وألا تفصح العضوة عن برنامج الجماعة؛ إلا بعد التثبت من العضوة المرشحة، وخضوعها لعدد من الاختبارات الأمنية الصارمة. ولكن ومنذ وفاة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بدأت الجماعة تزاوج في أنشطتها بين السري والعلني، إلى أن حصلت في العام 2003 على سماح بأن تلقي آنساتها دروسهن في بعض الجوامع.

وكان عراب هذا السماح هو الشيخ الراحل محمد سعيد رمضان البوطي الذي ما انفك يدافع عنهن في وجه المهاجمين، من مسؤولي ومثقفي السلطة، حتى أنه خاض في العام 2005 معركة مع وزارة الإعلام بسبب عرض لوحة تمثيلية كوميدية بعنوان “الآنسة شكيرة” في المسلسل ذائع الصيت “بقعة ضوء”، فهمت بأنها تعريض بالآنسة منيرة وجماعتها.

حضور كاريزمي

ساهم الحضور الكاريزمي للآنسة منيرة بتوسع قاعدة جماعتها شاقولياً وأفقياً، وانضمت لها الكثيرات من بنات ونساء كبار التجار، وبعض المسؤولين.  وبعد أن كان نشاطها طوال عقدي السبعينات والثمانيات محصوراً في أحياء الطبقة المخملية في العاصمة دمشق، توسعت في التسعينات والألفينات إلى المحافظات السورية، بل وصلت حلقاتها التنظيمية إلى لبنان والأردن وفلسطين والكويت ومصر، قبل أن تنطلق إلى أوروبا وأميركا وأستراليا، حتى قدر عدد أعضائها في نهاية العقد الأول من الألفية الثانية بأكثر من مئة ألف منتسبة.

وعلى الرغم من تقليدية التصورات الدينية التي تتبناها الجماعة، فإن لديها من المرونة ما يجعلها تتأقلم مع الجو المديني في المدن الكبرى، فالقبيسيات لديهن صالات مسرحية واستديوهات للإخراج الفني، ولا يجدن غضاضة في الأنشطة الغنائية والتمثيلية المحافظة، وهي وسائل لجذب الجمهور المديني وزرع القيم الأخلاقية الإسلامية، إضافة إلى العائد الناتج عن الحفلات التي تُدعا لها الطبقة المخملية المحافظة، والتي يذهب ريعها إلى مؤسسات خيرية يشرفن عليها.

ونجحت الجماعة، التي لا تمتلك إمكانيات ولا حرية تحرك رجال الدين، بتجاوز هذه العقبة من خلال الإشراف على عدد كبير من المدارس الخاصة، إذ تشير التقديرات إلى أن الجماعة تسيطر على 40 في المائة من مدارس دمشق الخاصة، إضافة إلى الدروس المنزلية، وبذلك فإن استثمارها في التعليم ووسائله أتاح لها تحقيق مردود ربحي حقق نوعاً من الاستقلال المالي، وكذلك هيأ فرصة نشر دعوتها بين الطالبات اللواتي سرعان ما انخرطت الكثيرات منهن في البنية التنظيمية لهذه الجماعة.

تساؤلات

وربما من أكثر الأمور إثارة للتساؤلات والشائعات حول القبيسيات، هو عزوف الكثيرات منهن، وخصوصاً القياديات، عن الزواج، سائرات على خطى آنستهن التي لم تتزوج هي الأخرى، ويبررن ذلك بالتفرغ للعمل الدعوي، وهو أمر مألوف في التاريخ الإسلامي ومعروف باسم “العلماء العزاب”، ويختلف من حيث الجوهر عن ظاهرة الترهب المسيحية.

وبحسب المتحدثات باسم الجماعة فإنها تهدف إلى تعليم الشابات والفتيات السوريات القرآن والأحاديث والتفسير والقيم الإسلامية، ولكن خصومها يتهمونها بتبني أجندات سرية وبناء تنظيم هرمي يأتمر بأمر الشيخة منيرة.

من أشد المنتقدين للقبيسيات؛ جماعة “الأحباش” السنية في لبنان، التي تأخذ على الجماعة النسائية عملها السري متهمة إياها بوجود برنامج سري خطير للسيطرة على المجتمع. وهذا الموقف بحسب المدافعين عن القبيسيات، ربما بسبب المنافسة على استقطاب الجمهور المحافظ في بيروت. كما يعد السلفيون من أبرز المنتقدين لها، نظراً لوجود بعض الممارسات الصوفية في حفلاتها، وتعظيم الشيخة عند تلميذاتها. ويذهب السلفيون إلى اتهام القبيسيات بتعظيم ابن عربي والحلاج، والإيمان بوحدة الوجود، وتقديس الشيخة.

وتتميز القبيسيات بإقبالهن على دراسة الفروع العلمية، وتشجيع الفتيات على دخول كليات الطب والصيدلة والهندسة، وربما تبرير ذلك أن هذه الفروع تضمن للعضوات دخلاً مرتفعاً يجعلهن حرات في اختيار حياة العزوبية أو الزواج، من دون أن تضطر الواحدة منهم لقبول زواج تقليدي يحرمها من حرية الاختيار.

بوفاة الآنسة منيرة يبدو مصير الجماعة غامضاً، فلا توجد آنسة تتمتع بحضورها ولا تاريخها يمكن أن تخلفها، وقد تنقسم الجماعة إلى أقسام عديدة يتبع كل قسم آنسة من آنسات الطبقة القيادية الأولى في حال لم يتم انتخاب خليفة للأنسة الكبيرة، شأنها شأن جماعة الشيخ أحمد كفتارو الذي تشتت جماعته بعد وفاته إلى جماعات صغيرة متنافسة. 

♦كاتب سوري

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات