الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

القبائل والجيش الصومالي يتحالفان في مواجهة الإرهاب

الهدف الرئيس للتحالف الحكومي القبلي هو إضعاف حركة الشباب الصومالية المتطرفة.. شدها وإجبار طيف واسع منها على التفاوض أو الاستسلام

كيوبوست- عبد الجليل سليمان

شيئاً فشيئاً، ومع تولي حسن شيخ محمود رئاسة الصومال، مايو الماضي، بدأت مقاومة حركة شباب المجاهدين المتطرفة تأخذ شكلاً أكثر جدية وعنفاً، وفيما رشحت أنباء على وضع أحد قادتها ورموزها الكبار، حسن ضاهر أويس، قيد الإقامة الجبرية، قال الجيش الوطني الصومالي، الأربعاء 12 أكتوبر، إن قواته قتلت أكثر من 50 مسلحاً من حركة الشباب، أثناء هجوم إرهابي تم إحباطه على قاعدته في قرية بمنطقة هيران، وسط الصومال.

وقال قائد الجيش الصومالى العميد أدوا يوسف راجي إن هجوم الفجر الدامي على قاعدةٍ للجيش في قرية ياسومان خلف 3 قتلى من جنوده، وأضاف قائلاً، في حديثٍ سابق إلى راديو الجيش: “قواتنا هزمت الإرهابيين، وقتلت 50 منهم عندما حاولوا اقتحام القاعدة”، فيما قالت حركة الشباب إنها كبدت الجيش خسائر فادحة.

وتشنُّ القوات الصومالية، منذ بلوغ حسن شيخ محمود سدة الرئاسة، عمليات عسكرية متواصلة من أجل طرد ودحر الإرهابيين، وفقاً لتصريحات متتالية صادرة عن وزارة الإعلام والثقافة والسياحة التي أكدت في أوقاتٍ سابقة أن الجيش الصومالي المدعوم من ميليشيات قبلية نجح في صد المتطرفين، وسحقهم في عدة مواقع قتالية، وتمكن من تحرير أكثر من 40 قرية كانت ترزح تحت سيطرة الإرهابين، وقتل أكثر من 500 عنصر منهم في عملياتٍ متتالية جرت بوسط الصومال، خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.

وأكدت مصادر إعلامية واستخبارية متطابقة خسارة الجماعة المتشددة الكثير من الأراضي التي كانت تبسط عليها سيطرتها لصالح الحكومة وقوات الاتحاد الإفريقي في الأشهر الأخيرة، لكنها لا تزال تسيطر على بعضٍ منها في جنوب ووسط الصومال.

اقرأ أيضاً: حسن ضاهر أويس.. شيخ المتطرفين في الصومال

وخلال الشهور والأسابيع الماضية، شنت حركة الشباب الصومالية عديد الهجمات على مناطق متفرقة بوسط الصومال، حيث قامت بسلسلةٍ من تفجيرات لشاحناتٍ مفخخة في أكتوبر الجاري، في بلدة بلدوين، ما أسفر عن مقتل 40 شخصاً على الأقل، وإصابة حوالي 100 آخرين، كما نصب مسلحون تابعون للحركة كميناً لقافلة مساعدات إنسانية في إقليم هيران، سبتمبر، ما أسفر عن مقتل 20 مدنياً على الأقل.

وفي السياق نفسه، تمكنت شباب المجاهدين من استعادة هيمنتها على منطقتي يسومن وموقوكوري بمقاطعة هيران، أكتوبر الجاري، إثر انسحاب الميليشيات القبلية الموالية للحكومة منها، كما اقتحمت الشباب في عمليةٍ نوعية كبرى جرت في أغسطس 2022، فندقاً فخماً على بُعد مسافة قصيرة من القصر الرئاسي في العاصمة، مقديشيو، ما أسفر عن مقتل أكثر من 20 شخصاً، فضلاً على إصابة 117 آخرين.

دحر الآفة

مراكز الأنشطة الإرهابية التي قامت بها حركة شباب المجاهدين الصومالية- موقع counter terrorism

منذ انعقاد تحالفٍ واسع بين طيفٍ من الميليشيات التابعة لزعماء القبائل الأقوياء الذين يدينون بالولاء للرئيس حسن شيخ محمود، والجيش الصومالي، وُضِعت حركة شباب المجاهدين المتطرفة في زاوية ضيقة.

فالعمليات العسكرية المتصاعدة التي تشنها الحكومة على الحركة تجد قبولاً واسعاً بين زعماء القبائل، خاصة بعد أن أثبتت تجربة تعاون السكان بإقليم هيران، وسط البلاد، مع الجيش الوطني، نجاعتها ونجاحها في استعادة منطقة موقوكوري، من براثن المتطرفين قبل أن تستعيدها الشباب استطاعت مجدداً، نتيجة لخطأ تنسيقي يمكن تداركه في المرات المقبلة، بحسب المحلل والباحث السياسي المتخصص في شؤون القرن فتحي عثمان، الذي أكد لـ”كيوبوست”، أهمية تحالف العشائر مع حكومة شيخ محمود في تحقيق انتصار ساحق على شباب المجاهدين التي تعتمد نفس التكتيك، حيث تمتلك حواضن في ذات القبائل المتحالفة مع الحكومة، بيد أن تحالف الحكومة والعشائر يحظى بدعم محلي وإقليمي ودولي من إثيوبيا وكينيا وإريتريا وجيبوتي والاتحاد الإفريقي، ومعظم الدول العربية.

وأشار عثمان إلى أن السفير الأمريكي إلى مقديشيو، لاري أندريه، أكد في أكثر من مناسبةٍ أن حكومته تدعم بقوة تحالف الحكومة والقبائل في محاربة حركة الشباب، وأعلن عن دعم واشنطن للأهالي في ما سماها بالمناطق المحررة، وحثَّ القبائل على التعاون مع الجيش الوطني من أجل دحر آفة الشباب -بتعبيره- التي ابتليت بها نهضة الأمة الصومالية، وذكر أن الحرب الجارية على الحركة ستكون اختباراً للقبائل الصومالية.

اقرأ أيضاً: هل تحقق حركة الشباب الصومالية حلمها بالتمدد في دول القرن الإفريقي؟

حرب ضروس

فتحي عثمان

يفسِّر عثمان وجهة نظره، مُضيفاً؛ يضع الدعم الأمريكي والإقليمي الكبير لتحالف القبائل والعشائر مع الحكومة الحركة المتطرفة في اختبار إرادةٍ وإيمان حقيقي، وفقاً لعثمان، الذي يُرجِّح أن تخوض بدورها حرباً لا هوادة فيها ضد الجميع، فالنجاح الذي حققه تحالف القبائل مع الجيش في إقليم هيران وسط الصومال لا يعني نهاية المطاف، بل هو بداية الحرب التي ستعتمد نتيجتها النهائية على مدى قدرة الطرفين المتصارعين على الصمود.

صحيح، تمكن الجيش بالتعاون مع السكان المحليين (القبائل)، من تحرير عدة بلدات مثل مناطق بايلي، عليو، دويو، بورمي، وغيرها من المناطق، وبالفعل استطاع التحالف قتل المئات من مقاتلي الشباب، فضلاً على تحرير ما بين 22 إلى 30 قرية من سيطرة الحركة، إلا أن رد فعل (الشباب) كان قاسياً أيضاً، فقد عمَدت الحركة إلى هدم آبار المياه الجوفية، واستهداف قوافل الإغاثة الإنسانية، وإضرام النيران في المنازل، وقطع رؤوس المدنيين، وفرض أتاوات عليهم بالقوة القاهرة، في الوقت الذي تواجه فيه الصومال أسوأ موجات الجفاف منذ 40 عاماً.

في الواقع، تسعى حكومة حسن شيخ محمود، إلى إلحاق الهزيمة بحركة الشباب أو إضعافها وشل قدراتها العسكرية، بحيث يمكن استيعاب ما تبقى منها في العملية الديموقراطية السلمية، وذلك عبر عدة مسارات، على رأسها إيجاد سياق إقليمي ودولي داعم لهذا التوجه.

وهذا ما حدث بالفعل، فالعلاقة مع بعثة الاتحاد الإفريقي إلى الصومالي (أتمص) في أوجها، وتشارك قوات الاتحاد الإفريقي البالغ عددها حوالي 22 ألف جندي، جنباً إلى جنب مع الجيش والميليشيات القبلية في مقاتلة حركة الشباب. كما يتّبع شيخ محمود عدة تكتيكاتٍ ناعمة لتحجيم حركة الشباب، على رأسها العمل على استيعاب بعض قيادات الحركة إلى الحياة المدنية، من خلال استقطابهم بطرقٍ مختلفة.

كما تتحاور الحكومة مع أعضاء سابقين بالحركة من أجل استيعابهم فيها، كما فعلت مع الناطق الرسمي السابق باسمها، مختار روبو الذي عُيّن وزيراً للشؤون الدينية في الحكومة الحالية، بعد أن كان مطلوباً من قبل الإدارة الأمريكية مقابل 5 ملايين دولار، قبل أن تحذف اسمه من قوائم الإرهابيين بعد مفاوضاتٍ جرَت عام 2017، وتسحبت الجائزة المالية، بعد أن سلّم نفسه إلى الحكومة.

اقرأ أيضاً: حركة شباب المجاهدين الصومالية.. هل ستُفجّر طاولة حوار “شيخ محمود”؟

شق الصفوف وشدّ الأطراف

بالنسبة، للنعيم ضو البيت الباحث في الشؤون الأمنية في معهد (NSSI‎‏)، فإنّ الهدف الرئيس للتحالف الحكومي القبلي؛ هو إضعاف حركة الشباب بشدِّها من أطرافها، وشق صفوفها وإجبار طيفٍ واسع منها إلى الجلوس إلى مفاوضات أو الاستسلام.

وقد أدركت الحركة أبعاد ذلك، فدأبت على إرسال عدة رسائل إلى زعماء القبائل، ينطوي معظمها على تهديداتٍ مبطنة، للجماعات والعائلات التي تساند الحكومة، وقد أشارت في عدة بيانات إلى أنها تستهدف من سمتهم بالسياسيين المرتدين والأسر التي انضمت إلى صفوف العدو، والذين تبنوا المشروعات التي تستهدف الشريعة الإسلامية بدعمٍ من الكفار لتأجيج الصراع في الصومال، وتوعدتهم جميعاً بشن حرب عليهم لا هوادة فيها ولا رحمة.

النعيم ضو البيت

ووفقاً لضو البيت، تمثِّل حركة شباب المجاهدين كابوساً جثم على الصومال، وترسخ في أرضها، وانتشر إلى دول الجوار، الأمر الذي يهدد استقرار إقليم القرن الإفريقي، ووسط القارة، ورغم الانتصارات التي حققها تحالف الجيش الحكومي والميليشيات القبلية، فإن الحركة تمكنت من استعادة بعض المناطق، وشنت الكثير من الهجمات الانتحارية النوعية، كما حدث في فندق شهير بالعاصمة مقديشيو.

لذلك، فإن الحديث عن إمكانية قريبة لسحق الحركة وإضعاف قدراتها القتالية، حديثٌ غير واقعي وغير موفق، فالحركة نفسها تضم بين ظهرانيها عناصر قيادية وجنود من مختلف القبائل، بما فيها المتحالفة مع الحكومة، كما أنها ليست قائمة على نظام مركزي مسيطر ومُحكم، وكذلك فهي غير متجانسة في أولوياتها، فمعظم فروعها تهتم بالأمور المحلية كمقارعة الحكومات، ومحاولة الوصول إلى السلطة، فيما تهتم مجموعات أخرى بالجهاد العالمي، ولا يزال معظم قادتها الكبار موالين لتنظيم القاعدة.

وبهذا التكوين المعقد، يصعب الوصول إلى نتائج محكمة، من خلال تحليلاتٍ منطقية للوقائع هناك، إذ بالإمكان القول إن طبيعة التنوع القبلي داخل الحركة يُعتبر عاملاً مهماً في إمكانية إحداث انشقاقات في قيادتها، واستمالة بعضهم إلى تحالف الحكومة وميليشيات زعماء القبائل، يمكن أيضاً أن يُقرأ ذات التنوع بأنه حماية للحركة من الانشقاقات.

اقرأ أيضاً: صراع سياسي يفتح أبواب الصومال على المجهول

كما أن الأخبار المتواترة من ميدان المعركة في وسط الصومال، شديدة التضارب إلى حدِّ التناقض أحياناً، وهذا قد يمنح البيانات العسكرية الصادرة عن الحركة شيئاً من المصداقية أيضاً، ومن ذلك، بحسب ضو البيت، إعلان الجيش الصومالي مقتل الناطق باسم شباب المجاهدين، على محمود طِرّي، خلال القتال العنيف الذي وقع يوم 29 سبتمبر الماضي في منطقة “عيل قوحلي” في إقليم هيران وسط الصومال، الأمر الذي نفته الحركة الشباب عندما أكدت أن طِرّي لم يقتل، بل إنه كان قائداً لمعركة ياسومان الأربعاء المنصرم، وقد أكدت ذلك مصادر متطابقة.

خلفية تاريخية

مفرزة لمسلحين قبليين متحالفين مع الحكومة- وكالات

يُذكر أن حركة الشباب المجاهدين بزغت كجناحٍ عسكري تابع لاتحاد المحاكم الإسلامية في الصومال التي نشطت إبان الحرب الأهلية، في أعقاب سقوط نظام الديكتاتور محمد سياد برّي 1990، وتمكنت خلال عام 2006، وبسرعةٍ كبيرة ومذهلة من السيطرة على وسط وجنوب وسط الصومال لبرهة وجيزة، قبل أن تتعرض بنفس السرعة لهزيمةٍ ماحقة أواخر 2006، من قِبل قوات الحكومة الصومالية الانتقالية مدعومة من الجيش الإثيوبي.

وهو الأمر نفسه الذي أدّى إلى استفادة الشباب المنبثقة على اتحاد المحاكم؛ من المشاعر الوطنية والروح القومية المناهضة للتدخل الإثيوبي في البلاد، فأعادت ترتيب أوراقها بناء على ذلك، وقدَّمت نفسها كحركة مقاومة وطنية ضد التدخل الأجنبي في الصومال، فوجدت رواجاً وشعبيةً منقطعة النظير في أوساط الشباب واليافعين، قبل أن تعيد تموضعها كتنظيم تابع للحركات الجهادية العالمية، بموالاتها لتنظيم القاعدة عام 2012، فشنَّت سلسلةً من الهجمات الدامية في أوغندا وكينيا وجيبوتي وإثيوبيا، ورفضت الحوار مع الحكومات الصومالية المتعاقبة، وواصلت قتالها بمختلف الأساليب بما فيها التفجيرات الإرهابية التي عمت وما تزال العاصمة مقديشيو والمدن الصومالية الكبرى.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة