الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

الفيلسوف “إنجلز”.. رأسمالي ناصَر العمال

كيوبوست- مدى شلبك

من العادي أن يدافع العامل عن حقوق طبقته ويهاجم الاستغلال الطبقي والملكية الخاصة، لكن غير المألوف، أن يقوم بهذا الدور إنسان ثري ومالك لمنشآت صناعية.. فمن مصلحة الغني أن تستمر عجلة الإنتاج ضمن صيغتها الرأسمالية القائمة على الطبقيّة واستغلال البروليتاريا، وهذا النموذج الفريد جسّده الفيلسوف الألماني فردريك إنجلز، الذي انسلخ عن طبقته، وانحاز للطبقة العاملة وحقوقها.

ولم يتوقف إنجلز عند تبني الشيوعية، بل عمل في مصانع والده لتوفير الدعم المادي لمشروع رفيقه كارل ماركس، وكان داعماً له وحاضراً على جميع الأصعدة شخصياً وفكرياً. ويصادف اليوم 28 نوفمبر، ميلاد الفيلسوف الثوري ورجل الصناعة فريدريك إنجلز عام 1820م.

موهوب ومتمرد

أظهر إنجلز الذي ولد يوم في مدينة بارمن الألمانية، ميلاً مبكراً للتمرد، فقد أزعجه التناقض بين تدين والده وجشعه الرأسمالي، كما كان إنجلز طفلاً موهوباً. وبعمر السابعة عشرة ترك مقاعد الدراسة بضغط من والده، الذي لم يكن على وفاق معه، فبينما أظهر الابن نزوعاً باتجاه الشعر، أصرّ الأب على انخراطه في عالم الأعمال، لأن والد إنجلز كان رجل أعمال ثرياً يمتلك مصنع نسيج في مدينة بريمن، وحصّة في معمل قطن في مدينة مانشستر.

خضع إنجلز لرغبة والده، وباشر بالتدرّب في مصنع العائلة في بريمن لثلاث سنوات من 1838م-1841م، واكتسب خبرة في مجال الأعمال والتصدير، كما استغل شغفه للتعلّم وطوّر مهاراتٍ متنوعة، وتعلم لغات عدة من ضمنها الإسبانية والإنجليزية والفرنسية، كما بدأ يكتب مقالات لاذعة انتقد فيها الظرف الاقتصادي والاجتماعي القاهر للطبقة العاملة، تحت الاسم المستعار “فريدريش أوزوالد”، لتجنيب إزعاج عائلته البروتستانتية المتدينة.

فردريك إنجلز في أواخر الثلاثينات من عمره- Historisches Zentrum Wuppertal

ونما اهتمامه بالفلسفة، التي ازدهرت آنذاك في ألمانيا، وبدايةً اطلع على أعمل محظورة لمؤلفين ألمان مثل “لودفيج بورني” و”كارل جوتزكو” و”هاينريش هاين”، لكنه أصبح متأثراً بالفيلسوف الألماني هيجل.

اقرأ أيضاً: عبارات فلسفية رائجة- 8 “العقلي واقعي والواقعي عقلي”.. هيجل

ولم تبعده الخدمة العسكرية عن نشاطه الفكري، ففي عام 1841م التحق إنجلز بالجيش كمتطوع لمدة عام في فوج المدفعية في برلين، حيث خدم بكفاءة حتى أنّ أصدقاءه أعطوه لقب “الجنرال”، وهو لقب يناسبه، فقد كان إنجلز رجلاً مهذباً وشغوفاً بالحياة لكن بالمقابل، تميّزت طباعه بالحدة والعنف، كما أصبح مهتماً بالأمور العسكرية لأنه كان محباً لاكتساب المعرفة والخبرة.

كارل ماركس- أرشيف

وخلال وجوده في برلين التحق بالجامعة كطالب مستمع لا يحمل المتطلبات الرسمية، وحضر محاضرات حول الفلسفة واللاهوت، كما انخرط بفضل شهرة مقالاته في “دائرة الشباب الهيغليين”، التي ارتادها في وقتٍ سابق ماركس لكنه رفضها لاحقاً، وكانت الدائرة تضم يساريين مثل المؤرخ “برونو باور” والفيلسوف “ماكس شتيرنر”، الأمر الذي وطّد من قناعات إنجلز الإلحادية.

موسى هس

وتبنّى إنجلز الشيوعية متأثراً بالفيلسوف الاشتراكي الألماني “موسى هس”، والذي التقى به عام 1842م وأقنعه أن النتيجة الطبيعية للجدلية الهيغلية هي الشيوعية، ولاحقاً اختلف معه كل من إنجلز وماركس وانتقداه.

العمل لنشر الاشتراكية

انتقل إنجلز إلى مانشستر في بريطانيا التي كان يرى فيها بيئة خصبة للثورة الشيوعية، من أجل متابعة تدريبه في مصنع والده هناك، وفي طريقه إليها زار مكتب صحيفة “راينيش تسايتونج” في كولونيا، والتقى بكارل ماركس لأول مرة، ولم يعجب الاثنان ببعضهما بعضاً.

كما تعرَّف على حبيبته الأيرلندية ماري بيرنز في بريطانيا، وكانت عاملة غير متعلمة عاش معها حياة مشتركة دون زواج لأنه كان يرفضه، وبقيا معاً حتى وفاتها، ثم ارتبط بأختها ليزي، وتزوجها وهو على فراش الموت.

وواصل إنجلز نشاطه الفكري، فقد كتب المقالات، وحضر اجتماعات عقدها اشتراكيون محليون، وتابع الحالة الاقتصادية والسياسية عبر قراءة التقارير وجمع المعلومات، وبمساعدة ماري بيرنز زار الأحياء الفقيرة التي أصابته ظروفها بالرعب، واختلط بالعمال، وفي عامه الأخير في بريطانيا 1844م، كتب إنجلز مقالة “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي” التي نُشرت في الحولية الألمانية الفرنسية، وكان يحررها ماركس في باريس، أكد إنجلز فيها أن الملكية الخاصة ستقود لمشاكل طبقية، وستنهي بثورة.

من جانبه، أُعجب ماركس بمقالات إنجلز، وتوطدت العلاقة بينهما عام 1844م، عندما ذهبا في رحلة إلى باريس لمدة عشر أيام، بعد عدة مراسلات، وتشكّلت على إثر الرحلة شراكة لترسيخ الاشتراكية وتعميمها، استمرت حتى بعد وفاة ماركس.

اقرأ أيضاً:ترجمات: الرأسمالية والماركسية وجهًا لوجه

وفي عام 1845م بعد أن عاد إنجلز إلى بريمن ألّف كتاب “حالة الطبقة العاملة في إنجلترا”، وصوّر خلاله المعاناة الناتجة عن التصنيع والرأسمالية، المتمثلة بعمالة الأطفال، والأضرار البيئية، والأحياء الفقيرة المكتظة، والأجور المنخفضة، والظروف المعيشية والصحيّة المترديّة للعمال، الذين ترتفع بينهم معدلات الوفاة وإصابات العمل.

وبنفس العام انضم إنجلز إلى ماركس في بروكسل، بعد أن طرد الأخير من باريس بضغط من السلطان البروسية، وفي بروكسل التقى الفيلسوفان بالعديد من المغتربين الألمان الاشتراكيين، وعملا على تحويل مجموعات عمالية، وجمعيات اشتراكية سرية، وأحزاب سياسية راديكالية ناشئة إلى الرابطة الشيوعية العالمية.

وبرفقة ماركس، ألّف إنجلز كتاب “العائلة المقدسة” عام 1845م، و”الأيديولوجية الألمانية” عام 1846م.

إنجلز يلقي خطاباً وبجانبه كارل ماركس- أرشيف

كما كلفا بصياغة مبادئ وسياسات الشيوعية من قبل الرابط الشيوعية، فخرجا بكتاب “البيان الشيوعي” عام 1848م، ولخصا فيه وجهات نظرهما حول المجتمع، وأهداف الشيوعية وأبرزها الإطاحة بالبرجوازية والظروف الاجتماعية الراهنة والملكية الخاصة، وكيفية استبدال المجتمع الرأسمالي بالاشتراكية.

غلاف كتاب “البيان الشيوعي”

وفي عام 1848م، وجد الفيلسوفان فرصتهما لتحويل أفكارهما إلى واقع، عندما اندلعت ثورة في ألمانيا، ضد النظام السياسي الاستبدادي وشبه الإقطاعي، وحاولا من خلالها تحقيق انتصار شيوعي، مستخدمين صحيفة “نيو راينيش تسايتونج”، وأسسها ماركس على أنقاض صحيفة “راينيش تسايتونج” التي أغلقتها السلطات البروسية (الألمانية)، لتحريض الجماهير وتوجيهها ونقد الحكومة والأحزاب، لكن الثورة فشلت وطُرد ماركس من ألمانيا، وتبعه إنجلز والتقيا في لندن، حيث أعادا تنظيم الرابطة الشيوعية.

مواصلة المسير

يلاحظ المتتبع لمسيرة ماركس وإنجلز أن ماركس كان الشخصية الظاهرة، بينما كان إنجلز الداعم، كأنه لم يكن مهتماً بالظهور على الرغم من ذكائه وإلمامه بالفكر الاشتراكي، بقدر حرصه على نشر الفكر الشيوعي والعمل لصالحها.

وبهذا السياق قال المؤرخ فيرنر بلومبي من جامعة “يوهان فولفغانغ فون غوته”: “لولا فريدريك إنجلز، لما ظهرت الكثير من كتابات كارل ماركس”.

اقرأ أيضاً:لماذا شعرت “أمازون” بـ”خيبة أمل” بعد نجاح عمَّالها في تأسيس أول نقابة لهم في أمريكا؟

وبعد فشل الثورة الألمانية وهجرة الرفيقين إلى بريطانيا، عاد إنجلز للعمل مجدداً في شركة العائلة في مانشستر، لإعالة نفسه وماركس، وعندما نشر ماركس المجلد الأول من كتابه “رأس المال” عام 1859م، قدم إنجلز مراجعات للمجلد جعلته أكثر فهماً وبساطة، وأشرف على الترجمة الإنجليزية.

وكتب إنجلز سلسلة مقالات عن ألمانيا باسم ماركس، من عام 1848م فصاعداً، ضمن ما يعرف بكتاب “الثورة والثورة المضادة في ألمانيا”، في صحيفة “New York Tribune” بالفترة ما بين 1851م- 1852م، فيما نشر الكتاب لاحقاً باسم إنجلز، الذي كتب أيضاً كتاباً يُعرف باسم “ضد يوجين” محاولاً خلاله تحجيم دور البروفسور الألماني كارل يوجين دوهرينج بين الديمقراطيين الاجتماعين الألمان لصالح دور ومكانة كارل ماركس.

غلاف كتاب رأس المال

بعد وفاة ماركس في عام 1883م، واصل إنجلز العمل للترويجي للماركسية، وقام بتحرير وإعادة نشر أعمال ماركس، وأكمل المجلدين اللاحقين من “رأس المال” عام 1885م، وعام 1894م، استناداً إلى ملاحظات ماركس ومخطوطاته غير المكتملة، كما أصدر عدة أعمال في سنواته الأخيرة، أهمها: “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، وبقي نشطاً وعلى تواصل مع الاشتراكيين الألمان وغيرهم حول العالم، حتى وفاته عام 1895م إثر إصابته بمرض السرطان.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات