الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

“الفلسطينية”- إدوارد سعيد (3-3)

كيوبوست- ترجمات

آدم شاتز♦

تألم سعيد بسبب خلافه مع منظمة التحرير؛ ولكن هذا الخلاف جعل منه رجلاً حراً قادراً على تصور مراحل إبداعية أخيرة في مواجهة مرض قاتل. في عام 1991 تم تشخيص إصابته بسرطان الدم الليمفاوي المزمن. وأثناء تردده إلى المستشفى لتلقي العلاج، بدأ سعيد بكتابة مذكراته «خارج المكان».

ولكنه لم يكن مستعداً للتخلي عن القضية الفلسطينية حتى بعد أن قطع علاقاته مع القيادة الفلسطينية. كانت فلسطين رمزاً للعدالة الضائعة والحرية القادمة أكثر من كونها أرضاً متنازعاً عليها. وكتب ببلاغةٍ وغضب عن استيلاء إسرائيل على الأراضي، وعن فشل عرفات الاستراتيجي. وأصبح مناصراً لفكرة دولة ثنائية القومية لشعبَين، والتي روَّج لها “صهاينة مثقفون”؛ مثل يهودا ماغنيس ومارتن بوبر، والتي كان التيار الصهيوني السائد قد دفنها قبل زمن.

لم يكن سعيد يرى أن اليهود والعرب محكوم عليهم بأن يكرهوا بعضهم بعضاً؛ فاليهود لم يكونوا قط “الآخر” بالنسبة إليه، ولم يكن يخشى من أن الاعتراف بالهولوكوست يمكن أن يعطي ذخيرة لأعداء فلسطين؛ بل على العكس كان يرى أن الاعتراف بالكارثة اليهودية خلال الحرب يعزز القضية الفلسطينية.

غلاف كتاب “أماكن العقل: حياة إدوارد سعيد” للمؤلف تيموثي برينان

وفي كتاباته اللاحقة حول الثقافة والتعليم أيضاً، حاول سعيد إقناع الآخرين بالتفكير “بطريقةٍ أكثر عمقاً”، واعترف بالأضرار التي تسببها الإمبريالية والعنصرية، وأشكال الهيمنة الأخرى، وفي الوقت نفسه، عزز روح الترابط والتعددية والحرية الأكاديمية. وعندما ظهر في روتجرز عام 1993 للحديث عن كتابه الجديد «الثقافة والإمبريالية» سألته سيدة سوداء: لماذا لم يستشهد في الجزء الأول من عرضه التقديمي إلا برجال أوروبيين. ارتبك سعيد؛ ليس فقط لأنه “كان مذنباً بعدم ذكر غير الأوروبيين، وغير الذكور”، بل “لأن النقطة التي أثارها في الاستشراق كانت تثار ضده الآن”.

حذَّر سعيد من صعود سياسات الهوية في الجامعات، وقال: “إن وضعية الضحية مع الأسف لا تفرض بالضرورة أو تضمن شعوراً معززاً بالإنسانية. من الضروري أن نشهد ضد تاريخ من الاضطهاد؛ ولكن ذلك لا يكفي ما لم تتم إعادة توجيه ذلك التاريخ إلى عملية فكرية، وتعميمه عالمياً ليشمل جميع الذين عانوا”. وتابع قوله: “لا يهم في نهاية المطاف مَن كتب ماذا، ولكن كيف يُكتب العمل وكيف يقرأ. وفكرة أن أفلاطون وأرسطو هما من الذكور، وأنهما من نتاج مجتمع العبودية، ولذلك يجب استبعادهما من الاهتمام المعاصر، هي فكرة محدودة”.

غلاف كتاب “الثقافة والإمبريالية”

وقد صدمته الفكرة القائلة إن التعليم “يتقدم بشكل أفضل عندما يركز بشكل أساسي على انفصالنا، وعلى هويتنا العرقية وثقافتنا وتقاليدنا”. واعتبرها نوعاً من الفصل العنصري التربوي يفترض ضمنياً أن “الأجناس الأخرى أو الأقل شأناً” لم تكن قادرة على “المشاركة في الثروة العامة للثقافة الإنسانية”. وكانت مسألة الهوية “موضوعاً مملاً إلى أقصى الحدود”، وما كان يثير اهتمامه هو التفاعل بين مختلف الهويات والوعد بالعالمية.

وتكمن هذه الرؤية في قلب مشروع الفرقة الموسيقية الشبابية التي أسهم في تأسيسها “أوركسترا الديوان الغربي الشرقي” والتي استوحى اسمها من كتاب غوته «الديوان الغربي الشرقي»، وقد شاركه في تأسيس الفرقة عازف البيانو وقائد الأوركسترا دانييل بارينبويم، وهو أرجنتيني- إسرائيلي التقاه سعيد في لندن عام 1993، بينما كانت علاقته مع عرفات تنهار تدريجياً. وقد وصف سعيد هذا اللقاء بأنه كان حباً من النظرة الأولى. وقد اتهم العديد من الفلسطينيين -بمَن فيهم شقيقته غرايس- الأوركسترا بالترويج للتطبيع مع إسرائيل، وحتى بخيانة القضية.

عازف البيانو وقائد الأوركسترا دانييل بارينبويم – أرشيف

وعلى الرغم من نضاله الطويل في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين؛ فإنه لم يقبل قط فكرة أن العرب يجب ألا يتواصلوا مع اليهود الإسرائيليين. كتب سعيد في مقالٍ نشرته صحيفة “الحياة”: “كم هو عدد المنازل الفلسطينية التي أنقذتها إجراءات محاربة التطبيع من الهدم؟ إذا أراد المثقفون العرب أن يفعلوا شيئاً لأجل فلسطين، فعليهم الذهاب إليها لإلقاء محاضرة، أو المساعدة في عيادة بدلاً من الجلوس في منازلهم ومنع الآخرين من فعل ذلك”. وأضاف: “الصهيونية حاولت استبعاد غير اليهود، ونحن من خلال مقاطعتنا غير الانتقائية نساعد في هذه الخطة بدلاً من مقاومتها”.

لقد كان عمله كرجل عرفات في نيويورك، لما يقرب من عقدَين من الزمن، دوراً بعيد الاحتمال لرجلٍ عالمي كوني يرتدي بدلات “بيربري” الأنيقة وليس الكوفية. اعترف سعيد نفسه بأن علاقته بأرض فلسطين كانت رمزية بشكل أساسي. وقد استشهد منتقدوه الصهاينة بهذا الاعتراف؛ من أجل التقليل من شأن، أو حتى إنكار، أصوله الفلسطينية. كما استخدموا علاقته مع منظمة التحرير للطعن في أكاديميته، والتلميح إلى أن كتبه، وحتى مقالاته حول النظرية النقدية، والموسيقى الكلاسيكية، كانت مجرد ذرائع من “بروفيسور الإرهاب”، ودعاية فلسطينية في شكل دراسات علمية.

اقرأ أيضًا: لا سلام في الشرق الأوسط من دون حل المسألة الفلسطينية

على الرغم من فظاظتها؛ فإن هذه الاتهامات فيها شيء من الحقيقة، فكل كتابات سعيد قد تأثرت بانتمائه؛ فقد فرض عبءُ كونه متحدثاً سياسياً، وولاؤه لعرفات، قيوداً معينة على ما يمكنه أن يقوله عن المنظمة، وعن الأنظمة القمعية العربية. ولم يتمكن سعيد من الإعراب عما يدور في نفسه تجاه فشل المنظمة، وديكتاتورية الحكومات العربية، إلا خلال العقد الأخير من حياته؛ ولكن كما يرى بيرنان، فإن النضال الفلسطيني قد أغنى إدوارد سعيد أكثر مما قيده، فكل الموضوعات التي يتردد صداها في كتاباته يمكن أن تُعزى بشكل غير مباشر إلى فلسطين؛ ليس للأرض نفسها أو الشعب، بل للرمزية ومنطقة العقل التي صاغها منها.

لم يكن ذلك إنجازاً صغيراً. فكما كتب سعيد في “لندن ريفيو أوف بوكس” عام 1984، فقد عملت إسرائيل وداعموها على حرمان الفلسطينيين من “الحق في رواية” تجربتهم. وقد ساعد سعيد في استعادة ذلك الحق؛ ليس فقط من خلال وصف تجريدهم من أملاكهم وقمعهم، ولكن من خلال تصويره رواية مضادة للصهيونية أطلق عليها أحياناً تسمية “الفلسطينية”.

اقرأ أيضاً: كيف ينظر الفلسطينيون والإسرائيليون لحل الدولتين؟

جسدت “فلسطينية” سعيد الصفات التي أعجب بها: النهايات المفتوحة، ومقاومة الثبات العقائدي والعرقي -القدرية التاريخية المظلمة، والخوف الإقصائي من الآخر- التي جسدتها الصهيونية. وإذا كانت الصهيونية هي أغنية شعب واحد، فإن الفلسطينية تحمل الأمل في مستقبل غير طائفي لكلا الشعبين. والحرية الفلسطينية سواء أكانت في شكل دولة ذات سيادة مجاورة لإسرائيل أم في شكل دولة ثنائية القومية -الشكل الذي دافع عنه بعد أوسلو- فإنها تمثل “بدايةً”، وتدخلاً ديناميكياً في التاريخ، بدلاً من العودة إلى الأصل. ومع ذلك، فإن رؤيته قد نظرت إلى الماضي بشكل يخالف تعلقه بذكريات طفولته في القاهرة، حيث عاش العرب واليهود والمسلمون والمسيحيون جنباً إلى جنب.

يلمح عنوان برينان لمذكرات سعيد «خارج المكان» إلى تجريد عائلته من ممتلكاتها، وإلى تجاربه الخاصة في تعرضه إلى هجوم المدافعين عن إسرائيل في الولايات المتحدة وفي وقتٍ لاحق إلى هجوم السلطة الفلسطينية. ومع ذلك، فإن التركيز على المكان مضلل، وما استحوذ على خيال سعيد لم يكن المكان أو الأرض بقدر ما كان الوقت: دراما البدايات، تحدي الأسلوب المتأخر. كما أنه لم يكن يفتقر إلى منزل، فقد وفرت له نيويورك منزلاً ورفاهية ونجاحاً مهنياً.

 

غلاف كتاب “خارج المكان”

على الرغم من إعجابه برجال اليسار الذين ألقوا بأنفسهم في صراعات المتمردين، وعلى الرغم من أن نشاطه الخاص قد اجتذب مراقبة مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ فإن سعيد قد عاش حياة مثقف مشهور. يضعه برينان في مصاف المثقفين الثوريين؛ ولكن سعيد لا يشبه غرامشي أو فانون بقدر سوزان سونتاغ التي تكبره بعامين، والتي كانت مثله وريثة منشقة عن مثقفي نيويورك. كلاهما كان ناقداً أدبياً صنع اسمه في البداية كمترجم للنظرية الفرنسية للجمهور الأنجلو أمريكي؛ ولكنهما تحررا في نهاية المطاف من ألعابها النصية، ومصطلحاتها، واتبعا أسلوباً أسهل للقراءة.

ولكن على عكس سونتاغ التي كانت تتمتع بجلد سميك، كان سعيد يتذكر كل إهانة وجهت إليه، وكل جائزة حرم منها، وكل نغمة فاتته أثناء عزفه البيانو. يرى بيرنان أن إدوارد سعيد كان يعيش في عذابٍ معظم الوقت. كانت حياة الفلسطيني المنغلق ستكون أسهل بكثير، بينما يهودية سونتاغ سمحت لها بالاطلاع على المؤسسات الأمريكية من الداخل.

سوزان سونتاغ – أرشيف

خلال معظم حياته المهنية لم يكن سعيد مجرد عربي منعزل، بل كان الفلسطيني الذي تم تصويره على أنه عدو لليهود وكمتطرف خطير قام بأشياء خطيرة لا توصف. فقد كان ينظر إلى محاضراته على أنها تهديد للثقافة الغربية إن لم تكن امتداداً لعمله في منظمة التحرير الفلسطينية. وعلى عكس سونتاغ ربط سعيد نفسه بمؤسسات مثل جامعة كولومبيا، والمجلس الوطني الفلسطيني، ونادي سينشوري، وأوركسترا الغرب والشرق، ولم يكن هذا الارتباط مجرد مصدر للراحة، بل وفر لسعيد ملاذاً من الشعور بالإحراج؛ لكونه “غير محق تماماً” – العنوان الأصلي لمذكراته.

برينان؛ تلميذ سعيد السابق، يكتب بعاطفة مقيدة قليلاً ما تنزلق إلى الدفاعية أو التقديس. وهو يدرك أن إدوارد سعيد يمكن أن يكون لاعباً رئيسياً “شخصية تتميز بقلة الصبر والتأثر بالمحيط، وبالغضب والرومانسية”، وهو يظهر لنا إدوارد سعيد في المنزل، يعد الفطور لمريم ويلعب موسيقى باخ؛ ولكننا أيضاً نلاحظ لمحاتٍ من جانبه الأقل جاذبية، حماسته المبتذلة التي أظهرها في صراعه الفكري، وحبه الشديد للمنافسة. كان دائماً غير راض، ويعاني الأرق ووسواس المرض. كتب سلمان رشدي بعد وفاته: “إذا أُصيب سعيد بسعال خفيف؛ فإنه يخشى من إصابته بالتهاب القصبات، وإذا شعر بوخزة خفيفة؛ فإنه يعتقد أن زائدته الدودية على وشك الانفجار”.

سلمان رشدي – أرشيف

برز العديد من الأصدقاء والمعارف من المشاهير؛ مثل فيليب روث ونادين غورديمير وجاكلين كينيدي أوناسيس، في سيرة سعيد التي كتبها بيرنان؛ ولكن هنالك القليل مما نعلمه عن حياته الشخصية. بعد زواجه الثاني عام 1970 تراجعت نساء أخريات عن المشهد باستثناء واحدة، عشيقته القديمة دومينيك إده، الروائية اللبنانية التي نشرت دراسة عن حياة سعيد وعمله. وعلى الرغم من تأثر بيرنان بآراء إده حول أعمال سعيد، فقد وصف علاقتهما المتقطعة على مدى أكثر من عقدين بأنها “علاقة عابرة”، وسخر من كتابها باعتباره سيرة ذاتية لامرأة وضيعة بالكاد تعرف الرجل الذي تعترف بحبه. ويتهم بيرنان إده بوضع اسم سعيد على عريضةٍ لا علم له بها. وعلى الرغم من أن بيرنان لم يذكر ذلك؛ فإنه قد كانت العريضة عبارة عن احتجاج على مؤتمر لإنكار الهولوكوست يُقام في بيروت، وكان سعيد قد وضع توقيعه عليها، إلا أنه سحبه بعد أن علم أن إده كانت وراء العريضة. وبعد أن مُنع المؤتمر قال سعيد إنه سحب توقيعه لأسبابٍ تتعلق بحرية التعبير. ووفقاً لدومينيك إده، فقد اعتذر سعيد منها قبل وفاته بوقتٍ قصير.

دومينيك إده – أرشيف

زودت الموسيقى سعيد بأكثر من مجرد استعارات في كتاباته؛ فقد زودته بالموضوع الأهم في سنوات حياته الأخيرة «الأسلوب المتأخر»؛ وهو فكرة اكتشفها في كتابات أدورنو عن بيتهوفن. وقد أذهلته آراء أدورنو بأن سوناتات بيتهوفن الأخيرة للبيانو أظهرت جماليات لا تتعلق بالتناغم بل بالعناد والصعوبة والتناقضات غير المحلولة. وبعيداً عن كونها تعبيرات هادئة عن الحكمة في الشيخوخة، كانت كارثية.

وقد اختلفت رؤية سعيد للتأخر عن رؤية أدرونو في تركيزها على الصراع الداخلي للمبدع، كما يقول بيرنان. تحدث التأخير بشكل مباشر عن تجربته الشخصية في المنفى، ليس فقط من فلسطين التي عرفها بل من القيادة، وشرح قراره بالتمسك بالقيم التي قادته إلى الحركة. كان التحدي والعناد اللذان عبرت عنهما بمثابة مرادف لما يدعوه الفلسطينيون الصمود. من الأفضل القبول بتناقضات المنفى والخلاف بالرأي بدلاً من الانسجام الزائف الذي وفرته اتفاقيات أوسلو، سلام الاحتلال الدائم. ومع أنه كان في حالةٍ من الغضب المستمر والحزن على فلسطين، فقد قيده إخلاصه لما سماه “الفلسطينية”.

لودفيغ فان بيتهوفن – أرشيف

في أغسطس 2003 قُمت بتحرير آخر عمل لسعيد “الأمة”، وهو مراجعة لكتاب ماينارد سولومون، عن الراحل بيتهوفن. كانت علاقتنا قد توطدت في السنوات الأخيرة، وكان يتصل بي من حين لآخر ليعطيني سبقاً صحفياً أو للدردشة حول سياسات الشرق الأوسط. كان متعجلاً جداً على ظهور المراجعة، واتصل بمديري كي يضغط عليَّ كي أنشرها قبل الموعد المقرر (وقد فعلت ذلك)، وتبين لاحقاً أنه كان قد تبقى لديه شهر واحد ليعيشه.

احتفل سعيد في مقاله بالأعمال الأخيرة لبيتهوفن؛ بسبب عنفها وطاقتها التجريبية، والأهم من ذلك رفضها قبول أي نموذج مثالي للشفاء أو الراحة النهائية التي تأتي في نهاية مسيرة مهنية مثمرة. العنوان “تأملات في غير وقتها” يذهلني باعتباره وصفاً دقيقاً لكتاباته المتأخرة عن ثنائية القومية والنقد العلماني، وتبادل الثقافات والحرية الفكرية التي تم حجبها في السنوات الأخيرة في أعماله حول “الاستشراق والإمبريالية الثقافية”. لقد وجد بداية جديدة في أسلوبه المتأخر.

♦محرر “لندن ريفيو أوف بوكس” في الولايات المتحدة، مقيم في نيويورك.

لقراءة الحلقة الأولى: “الفلسطينية”- إدوارد سعيد (1-3)

لقراءة الحلقة الثانية: “الفلسطينية”- إدوارد سعيد (2-3)

لقراءة الموضوع بالكامل PDF: الفلسطينية – إدوارد سعيد

المصدر: لندن ريفيو أوف بوكس

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة