الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

“الفلسطينية”- إدوارد سعيد (1-3)

كيوبوست- ترجمات

آدم شاتز♦

عندما التحق إدوارد سعيد بقسم اللغة الإنجليزية في جامعة كولومبيا عام 1963، سرَت شائعة مفادها أنه يهودي من الإسكندرية. ولد سعيد في القدس عام 1935 لأبوَين فلسطينيَّين مسيحيَّين ميسورَي الحال، ونشأ في القاهرة في فترة انفتاحها الثقافي؛ حيث كان العديد من زملائه في الفصل الدراسي من اليهود المصريين. وقد ذكر تيموثي برينان، في كتابه «أماكن العقل»، أن سعيد كان “صورة معكوسة عن نظرائه اليهود”.

أمضى سعيد سنواته الأولى في كولومبيا كعربي متخفٍّ أو كفلسطيني مشفَّر بين زملائه اليهود والعدوانيين؛ الذين كانوا إما غير مبالين، وإما معادين للعرب في صراعهم مع إسرائيل. نشر مقالات في الصحف الثقافية الصغيرة في نيويورك، وشارك في حفلات الكوكتيل؛ ولكنه أخفى هويته وتوجهاته السياسية. حصل إدوارد سعيد على الجنسية الأمريكية بفضل خدمة والده في قوات المشاة الأمريكية، وكان يعيد اكتشاف نفسه مثل بقية المهاجرين في العالم الجديد.

اقرأ أيضًا: الأزمات الداخلية في السلطة الفلسطينية وإسرائيل تنعكس على المواجهات العسكرية

ولكن في عام 1967، كان هناك صوت عميق يدعو إدوارد سعيد إلى التمرد على التخفي والصمت الذي فرضته خسارة فلسطين، وتبنى سعيد الصراع الفلسطيني أو “فعل الانتماء”، على حد تعبيره، وهو التزام قائم على الإيمان وليس على “البنوة”. وبعكس والده الذي اختار “أمركة” نفسه، اختار إدوارد هويته الفلسطينية.

في القاهرة، كان وديع سعيد يدير شركة تُوَرِّد المعدات المكتبية إلى جيش الاحتلال البريطاني، وعاش إدوارد وشقيقاته الأربع طفولة مدللة ومرفهة. وكأعضاء فلسطينيين في الكنيسة الأنجليكانية، كانوا أقلية ضمن الأقلية المسيحية في مصر. كان وديع، الذي يفتخر ببياض بشرته، يتظاهر بأنه من كليفلاند، وكان يشبه الأمريكيين أكثر من الفلسطينيين. عاش إدوارد جزءاً من طفولته المبكرة في مسقط رأسه، حي الطالبية، في القدس الغربية؛ ولكن بعد عام 1948، كما كتب في مذكراته “أصبحت فلسطين صورة باهتة تشبه الحلم بالنسبة لي”.

إدوارد سعيد- أرشيف

وفي مذكراته «خارج المكان»، يصف إدوارد سعيد والدَيه بأنهما كائنات برمائية من الهلال الخصيب، بقي ضياعهما الكبير مؤقتاً بسبب نوعٍ من النسيان؛ نوع من أحلام اليقظة التي تضمنت حفلات عشاء أنيقة، والخروج إلى المطاعم الفاخرة، ودور الأوبرا وحفلات الباليه. صوَّر سعيد نفسه في مذكراته على أنه طفل غير سعيد يرزح تحت رحمة انضباط والده الصارم (والعصا)، ويخضع لابتزاز والدته العاطفي. وقد أثار وصف سعيد لوالده على أنه طاغية في المنزل غضب أخواته. وكشف بيرنان عن رسائل عاطفية من وديع إلى ابنه إدوارد.

وصف سعيد مذكراته بأنها “رواية وثائقية”؛ ولكن بيرنان يؤكد دقتها إلى حد كبير.

غلاف كتاب “خارج المكان”

كانت والدته هيلدا، هي رفيقته الأقرب والأكثر حميمية، خلال السنوات الخمس والعشرين الأولى من حياته. كتب سعيد في مذكراته أن علاقتهما “كانت لها نتائج مدمرة على بقية حياتي كرجلٍ يحاول إقامة علاقة مع نساء أخريات”. ووفقاً لبيرنان، فإن وديع أرسل ابنه إلى مدرسة داخلية في ريف ماساتشوستس؛ ليس بسبب سلوكه المتمرد كما ادعى إدوارد، بل بسبب خشيته من أن يُعيق هوس إدوارد الحميمي بوالدته تطوره العاطفي.

عانى إدوارد التحيز ضد العرب، ودعاه زملاؤه في المدرسة بالملوَّن، وأصبح مناهضاً للإمبريالية، وعبر عن دعمه للقضية الفلسطينية، وشجع ثورة عبدالناصر في مصر. التقى سعيد في برينستون إبراهيم أبو لغد، طالب الدراسات العليا من يافا، الذي حدثه عن الثورة الجزائرية وعرَّفه بالنضال الفلسطيني. لم تمر أصول سعيد العرقية مرور الكرام في الجامعة؛ فقد وصفته استمارة مكتب القبول بأنه “داكن البشرة، وضخم، ومن أصل عربي”.

غلاف كتاب “أماكن العقل: حياة إدوارد سعيد” للمؤلف تيموثي برينان

استقلّ سعيد منذ أن كان طالباً جامعياً، أراد والداه منه أن ينضم إلى شركة العائلة بعد تخرجه؛ ولكنه لم يكن ينوي أن يبقى في كنف والده، وتوصل إلى تسوية مع والدَيه بأن يمارس مهنة الطب المحترمة؛ ولكن صديقه آرثر غولد، أقنعه بألا يتخلى عن شغفه الحقيقي. وقدم له غولد كتاب «علم فيكو الجديد» (Vico’s New Science) الذي كان له تأثير هائل على تفكيره؛ حيث أعطاه الإطار الذي يحتاج إليه عندما كان يفكر في العمل كأستاذ للأدب في الولايات المتحدة.

بعد تخرجه التحق سعيد بكلية الدراسات العليا بجامعة هارفرد. وكان الأستاذ المشرف عليه هو هاري ليفين، مؤلف دراسة عن الواقعية، اعتبرها سعيد على قدم المساواة مع واقعية إريك أورباخ. كما أشار بيرنان، فإن إيمان ليفين بـ”الترابط العالمي” كان مصدر الإلهام لإدوارد سعيد في إقامة روابط غير متوقعة بين التقاليد الأدبية والثقافية، بين الخيال والفلسفة المعاصرة.

اقرأ أيضًا: هل يستطيع أحد أن يعلن موت الفلسفة؟

اشتهر سعيد في هارفارد بعلاقاته النسائية؛ وكان من بينها علاقته بماير جانوس، ابنة لاجئين إستونيين، التي ما لبث أن تزوجها في منزل العائلة في ضهور الشوير عام 1962. كانت جانوس تعمل في مجال أدب القرن الثامن عشر، وما بعده، وكانت تدعو زوجها الجديد “سعيدوس”، ووصفته بأنه “ثالوث مزعج” يمكن أن يكون فيلسوفاً أو شاعراً أو ناقداً، ولكنها تجاهلت الجانب الرابع في شخصيته؛ انتماءه إلى عائلة كبيرة متعجرفة وصفها برينان بقوله: كان الأعمام والعمات في مثل قرب الوالدين ولم يخفِ أحد أسراره عن الآخرين”. وجدت هيلدا أن جانوس كانت باردة وانعزالية، وكتبت لابنها: “إدوارد، كان من الطبيعي بالنسبة لنا أن نكون حذرين من زواج ابننا من فتاة أجنبية، وأقسم أننا حاولنا أن نحبها. هل تذكر ما حدث قبل زواجك؟ لم نكن نعرفها جيداً، وما زلنا لا نعرفها. وكل ما نعرفه أننا نحن الستة لا نعني شيئاً بالنسبة إليها”.

ماري جانوس- أرشيف

وكانت هيلدا قد نجحت في الماضي بتخريب علاقة حب بينه وبين امرأة لبنانية مسيحية تكبره بسبع سنوات، حين اعتبرت أنها غير مناسبة له. كان سعيد غاضباً، ورفض العمل كمساعد لوالده في شراكته مع رجل أعمال من نيويورك، وأعلن قطع علاقته بماضيه. كتب سعيد سبعين صفحة من رواية لم يكملها “مرثية” حول رجل أعمال لبناني مسيحي يمتلك شركة طباعة فاشلة، ومحل قرطاسية متواضعاً، وزوجته المريضة التي يعيش معها في شقة رثة. وقد صور سعيد نفسه في الرواية في شخصية مفيد، الموظف الجاهل الذي يضيع وقته في أمور تخلَّى عنها الآخرون.

وقد قدم برينان المخطوطة المفقودة (إلى جانب قصة قدمها سعيد في الوقت نفسه إلى صحيفة “النيويوركر”) كدليل على الروائي الذي كان يمكن أن يكونه سعيد؛ ولكن يبدو أنها محاولة فاشلة لتصفية حساباته القديمة مع عائلته والتخلص من ماضيه. سرعان ما تخلى سعيد عن طموحاته الأدبية، وابتعد عن جانوس التي طلقها لاحقاً قبل أن يتزوج من مريم قرطاس، اللبنانية التي رزق منها بطفلَين؛ هما وديع ونجلاء.

مريم سعيد زوجة إدوارد سعيد- أرشيف

خلال سنواته الأولى في نيويورك، احتل سعيد مكانه كعضوٍ جديد في النخبة الثقافية في نيويورك، وكانت علاقته مع ليونيل تريلينغ، ودية (ليونيل تريلينغ: ناقد أدبي، وكاتب قصة قصيرة، ومؤلف مقالات أدبية وأستاذ. يعتبر من أبرز النقاد الأمريكيين- المترجم)؛ ولكنه وجده متعجرفاً لا يمكن اختراقه. واقترب أكثر من الناقد الأدبي فريد دوبي؛ محرر ومؤسس “بارتيسان ريفيو”. في بداية صحافته الأدبية، ابتعد سعيد عن أخلاقيات الحرب الباردة التي سادت بين مثقفي نيويورك، وكذلك ابتعد عن الشكلية المحافظة للنقاد الجدد من خلال النظر إلى باريس؛ حيث كان الكتاب يتخذون ما يسميه برينان “مواقف المتمردين من سياسة الثقافة”. حاول أستاذه القديم هاري ليفين، اختبار حماسته للنظرية الفرنسية التي كان يراها “لا تهدف حقاً إلى فهم الأدب؛ بل إلى اشتقاق نماذج ميتافيزيقية من المؤلفين من خلال تركيب تجريدات معينة مدعومة بمقاطع مقتبسة مأخوذة من سياقها”. وفي وقتٍ لاحق، أخبر سعيد ليفين أنه كان على حق طول الوقت. كتب سعيد بأشكال متنوعة عن الوجودية، وعلم الظواهر، والبنيوية؛ حيث استعار كل ما وجده مفيداً.

كانت علاقة سعيد بالأفكار مرنة وبراغماتية، وكما كتب برينان فهو غالباً ما كان “ينجذب للكتاب الذين كان يجب أن يكرههم”؛ فهو كان يبغض سوداوية كونراد، وملَكية سويفت، ورؤية فوكو الشمولية للسلطة التي تقمع كل أشكال المقاومة؛ ولكنه كان يجدهم جميعاً كتاباً مقنعين. وقد صقل أفكاره من خلال التصارع مع أفكارهم، في ما وصفه بأنه شكل من أشكال الحوار.

اقرأ أيضًا: العودة إلى ميشيل فوكو

بالنسبة إلى سعيد لم تكن إثارة عام 1968 في ثورة الطلاب التي رأى فيها مسرحاً ثورياً؛ بل في معركة الكرامة في الأردن، حيث قاتل الفدائيون الفلسطينيون بشجاعة الجيش الإسرائيلي. التقى إدوارد سعيد، ياسر عرفات، أثناء زياراته إلى عمان عام 1969 و1970 التي عاش خلالها ما وصفه بتجربة مهمة: “كنت زائراً ومشاركاً في النهضة الوطنية التي رأيتها تنشأ”. وفي عام 1972 التقى في بيروت صديقاً من جامعة هارفارد، حنا ميخائيل، الذي كان قد تخلى عن عمله الأكاديمي في الولايات المتحدة لينضم إلى كوادر منظمة التحرير الفلسطينية تحت اسم “أبو عمر”. (قُتل في ظروفٍ غامضة عام 1976). وقام ميخائيل بدوره بتقديمه إلى جان جينيه.


♦محرر “لندن ريفيو أوف بوكس” في الولايات المتحدة، مقيم في نيويورك.

المصدر: لندن ريفيو أوف بوكس

لقراءة الحلقة الثانية: “الفلسطينية”- إدوارد سعيد (2-3)

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة