الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الفساد في اليمن يعيق التنمية والسلام

تشير الإحصائيات إلى أن اليمن لا يزال من أكثر دول العالم فساداً.. إذ لا تعني التغييرات الطفيفة حدوث تطورات حاسمة في مكافحة فساد القطاع العام بالدولة

كيوبوست- منير بن وبر

جاء اليمن في المرتبة 174 في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2021. وفي حين أن درجات اليمن على المؤشر قد تحسنت بمقدار درجة واحدة مقارنةً بعام 2020، إلا أن إلقاء نظرة سريعة على درجات البلاد خلال الفترة من 2012 إلى 2021 تجعلك تدرك على الفور التدهور المخيف في مستوى النزاهة.

يعد الفساد في الدول الفاشلة، وتلك التي تشهد صراعاً، مشكلة يتزايد الاهتمام بدراستها وتقليل عواقبها. عادة ما تتميز دول مثل اليمن بوجود مؤسسات حكومية ضعيفة؛ الأمر الذي يؤدي إلى ازدهار الفساد الذي يُسهم في تصعيد العنف وتقويض فرص السلام والتنمية، وتغذية الاستياء والانقسامات الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: الحوثيون ضمن شبكة تهريب عالمية لآثار اليمن

إن مثل هذه العواقب واضحة تماماً في حالة اليمن؛ حيث يقوض الفساد سيادة القانون ويُفقد الثقة في الحكومة؛ وجميعها تُعد أسباباً لعدم الاستقرار.

تقدم طفيف

في عام 2012 كانت درجة اليمن في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، هي 23 درجة، وذلك في مقياس من صفر إلى 100؛ حيث “صفر” يعني الأكثر فساداً و100 الأكثر نزاهة. لكن تلك الدرجة، على الرغم من أنها منخفضة عموماً، تراجعت أكثر فأكثر خلال الأعوام التالية؛ حتى وصلت إلى 15 درجة في عام 2020.

على الرغم من أن التراجع كان متذبذباً؛ فإنه لم يقترب إطلاقاً من درجة سنة 2012، لكن حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2021 تقدَّم اليمن بمقدار درجة واحدة مقارنةً بعام 2020؛ حيث تم تسجيل 16 درجة، كما تقدم من المرتبة 180 في عام 2020 إلى المرتبة 174 في عام 2021 على مستوى العالم.

لقطة من بيانات مدركات الفساد في اليمن- “الشفافية الدولية”

تشير تلك الإحصائيات عموماً إلى أن اليمن لا يزال أحد أكثر دول العالم فساداً؛ إذ لا تعني التغييرات الطفيفة حدوث تطورات حاسمة في مكافحة فساد القطاع العام بالدولة، وإن كان اليمنيون يتطلعون إلى أي تغيير إيجابي -مهما كان طفيفاً- علَّهم يحصلون على بعض الأمل بحاضر ومستقبل طال انتظاره.

الفساد في الدول الفاشلة ودول الصراع

يتم احتساب درجات الفساد في الدول عموماً من قِبل منظمة الشفافية الدولية من خلال مسوحات وتقييمات متنوعة للفساد. يقيس مؤشر مدركات الفساد أنواعاً مختلفة من الفساد؛ تشمل الرشوة وتحويل الأموال العامة إلى غير مقاصدها الأصلية، واستغلال المنصب العام لتحقيق مكاسب شخصية، والمحسوبية.. وغيرها.

اقرأ أيضاً: القات في اليمن.. تجارة تهدد اليمن بالجفاف

كما يؤخذ بعين الاعتبار قدرة الحكومة على احتواء الفساد، والبيروقراطية المتفشية في القطاع العام، وضعف أو عدم وجود الحماية اللازمة للمبلغين عن الفساد. وفي حين أن أشكال الفساد المتنوعة تلك يمكن أن تكون في أية دولة؛ بما في ذلك الدول المتقدمة، إلا أن مستوياتها تختلف. أما الدول الفاشلة أو التي تعيش صراعاً، كاليمن، فمظاهر الفساد تكون أكثر وضوحاً وتأصلاً.

المقصود بالدولة الفاشلة هو تلك الدولة التي بات نظاماها السياسي والاقتصادي ضعيفَين للغاية لدرجة فقدان الحكومة السيطرة عليهما؛ مما يخلق بيئة حاضنة للفساد. غالباً ما يُعرف الفساد في هذه الدول بأنه “فساد كُلي”، وهو ذلك الفساد الذي يمارسه مَن هم في مواقع السلطة من أجل إثراء أنفسهم أو تعزيز مصالحهم الخاصة.

موظف في مخبز خيري بصنعاء يناول طفلاً الخبز- “رويترز”

يُسهم الفساد الكُلي في فشل مؤسسات الدولة وتدهور سيادة القانون، ويقوض التنمية الاقتصادية وثقة الجمهور في السلطات الحاكمة. غالباً ما يرتبط الفساد الكلي بالصراع؛ حيث تستغل الجهات الفاسدة الفوضى لنهب الموارد والانخراط في التجارة غير المشروعة.

أسباب الفساد

تُسهم مجموعة من العوامل في الفساد في الدول الفاشلة والمتصارعة؛ بما في ذلك انهيار مؤسسات الدولة، ووجود الجماعات المسلحة، والفقر، وضعف سيادة القانون.

عندما تنهار أو تضعف مؤسسات مثل الشرطة والقضاء والخدمة المدنية؛ فإن الفاسدين والجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية يكونون هم البديل. تسيطر هذه الجماعات على الموارد الرئيسية لانتزاع الرشاوى وابتزاز السكان. يُسهم الفقر أيضاً في الفساد؛ حيث يدفع اليأس الناس إلى الانخراط في ممارسات فاسدة من أجل البقاء وتيسير مصالحهم.

اقرأ أيضاً: الاقتصاد اليمني بين عجز الحكومة وطغيان المتمردين

يعد ضعف سيادة القانون عاملاً حاسماً؛ حيث يكون من الصعب مقاضاة الفاسدين، مما يخلق بيئة مزدهرة للفساد وتآكل ثقة الجمهور في الحكومة وخلق المزيد من عدم الاستقرار.

في اليمن، سواء في مناطق سيطرة الحوثيين أو المناطق المحررة، يعاني السكان بشدة تفشي مختلف أسباب ومظاهر الفساد. قد يضطر المواطنون في كثير من الأحيان إلى دفع الرشاوى لانتزاع حقوقهم، ويسيطر المسؤولون والجماعات الإجرامية على الوظائف العامة والتوظيف والموارد، وقد يضطر المواطنون إلى حل قضاياهم بعيداً عن القضاء والأمن؛ مما قد يتسبب في عدم الاستقرار.

عواقب الفساد

يُسهم الفساد في عدم الاستقرار وزيادة الصراع وضعف التنمية الاقتصادية في اليمن؛ مما يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها. أصبح الفساد في اليمن متفشياً لدرجة يكاد أن يُوصف بأنه “الوضع الطبيعي” في مؤسسات القطاع العام؛ مما يجعله عائقاً رئيسياً أمام فرص السلام في البلاد. يغذي الفساد المظالم؛ ويصبح المهمشون والمستبعدون من الموارد والسلطة أكثر استعداداً للجوء إلى العنف.

محل بيع أسلحة في صنعاء.. 2012- “رويترز”

يولِّد الفساد عدم الثقة؛ الأمر الذي يدفع الناس -الأكثر كفاءة ونزاهة- إلى الابتعاد عن العمل معاً لتحقيق الأهداف المشتركة أو مساعدة مؤسسات الدولة. وهكذا، يستأثر الفاسدون بالموارد ويحولونها بعيداً عن القطاعات التي تشتد الحاجة إليها؛ مثل التعليم والصحة والبنية التحتية وغيرها من المجالات التي يمكن أن تساعد في الحد من الفقر وتعزيز الاستقرار.

الأكثر إثارة للقلق هو تأثير الفساد في اليمن على التماسك الاجتماعي والتنمية؛ حيث يؤدي ضعف المؤسسات الحكومية والإفلات من العقاب إلى منح الجهات الفاسدة سيطرة وطيدة على الموارد والسكان؛ لتحقيق مكاسب شخصية. وهذا يغذي الاستياء والانقسامات الاجتماعية المؤدية إلى مزيد من الصراع، وتضاؤل الفرص أمام إعادة بناء الحوكمة الفعالة.

اقرأ أيضاً: هل يمكن إيقاف انهيار الاقتصاد اليمني؟

من جانب آخر، للفساد تأثير خطير على التنمية أيضاً؛ حيث يقود إلى انخفاض المساعدات الخارجية والاستثمار بسبب فقدان الثقة بقدرة الدولة على استخدام الموارد بشكل فعال. كما أنه يؤدي إلى زيادة الفقر واللا مساواة؛ بسبب استنزاف المسؤولين الفاسدين الموارد التي يمكن استخدامها في التنمية. ومع تراجع التنمية تتفاقم الأزمات الإنسانية، وتصبح أكثر حدة عندما يطول الفساد الموارد المخصصة لجهود الإغاثة. وهكذا، يفاقم الفساد التوترات والانقسامات القائمة أصلاً؛ مما يجعل بناء مستقبل سلمي أكثر مشقة وتعقيداً.

كيف يمكن معالجة الفساد؟

بخلاف الدول المستقرة، فإن معالجة الفساد في اليمن تُعد مهمة صعبة وطويلة. ومع ذلك، هناك بعض الخطوات العامة التي يمكنها المساعدة، على الأقل في المناطق المحررة حيث توجد الحكومة الشرعية. تشمل بعض التدابير تحسين آليات الحوكمة والمساءلة وتعزيز الفرص الاقتصادية ومعالجة التوترات الاجتماعية وزيادة المساعدة الخارجية.

مقاتل حوثي على أنقاض القصر الجمهوري في صنعاء- AFP

من خلال مثل تلك الإجراءات، يمكن تقليل مستويات الفساد والمساهمة بالتالي في تقليل الانقسامات الاجتماعية وتغذية العنف وضعف التنمية الاقتصادية. في ما يتعلق بتحسين آليات الحوكمة والمساءلة مثلاً، يمكن أن يكون لتعزيز القضاء والشرطة والخدمة المدنية وزيادة الشفافية والمساءلة دور حاسم في تقليل الفساد. أيضاً، تسهم معالجة الانقسامات الاجتماعية من خلال المساواة في توزيع الموارد والفرص في تقليل السخط والتوتر بين المجتمعات والطبقات الاجتماعية.

إن عدم اتخاذ الخطوات الضرورية لتحقق بعض النزاهة في اليمن لن يؤدي سوى إلى مزيد من العنف والصراع وعدم الاستقرار. يمكن للجهات الفاعلة الدولية المساعدة من خلال تقديم المساعدة المالية أو الخبرة الفنية أو دعم بناء القدرات للحكومة ومنظمات المجتمع المدني، ومع ذلك، من دون وجود إرادة داخلية، لن يكون لتلك الجهود سوى تأثير محدود.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة