الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الفانتازيا اللا نهائية للقوة الأمريكية!

الأمريكيون لا يريدون أن يسمعوا عن الحرب أو احتمال نشوبها في الموسم الحالي من الأزمات المتداخلة التي يعزِّز كل منها الآخر

كيوبوست – ترجمات

أندرو باسيفيتش♦

في حملة الانتخابات الرئاسية لهذا العام، تجنَّب المرشحون إلى حد كبير دور القوة العسكرية كأداة للسياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة؛ حيث تظل القوة العسكرية الأبرز والأكثر نشاطاً على مستوى العالم، غير أن الجمهوريين والديمقراطيين وجدوا أموراً أخرى ليتحدثوا عنها.

فمنذ نهاية الحرب الباردة، عملت الحكومات المتعاقبة بحماس على تفعيل القوة العسكرية للولايات المتحدة. وخلال العقود الثلاثة الماضية، جمع علم جيش الولايات المتحدة 34 لوحة إضافية؛ كل منها من لحملة منفصلة نفذتها القوات الأمريكية. كما قامت القوات الجوية والبحرية أيضاً بنصيبها؛ حيث نفذت أكثر من 100,000  غارة جوية في العقدين الماضيين فقط.

اقرأ أيضاً: كيف تتفكك القوة الأمريكية وتنتهي هيمنة القطب الأوحد بلا عودة؟

ومن المؤسف أن هذه الوتيرة المحمومة للنشاط العسكري نادراً ما أسفرت عن نتائج إيجابية. وبالقياس إلى الأهداف المعلنة، فإن هذه “الحروب طويلة الأمد” في أفغانستان والعراق قد فشلت فشلاً واضحاً، وكذلك الحملات الأقل حجماً التي تهدف إلى منح ليبيا والصومال وسوريا قدراً من شبه السلام والاستقرار.

وهم الزعامة الأمريكية

على الرغم من أن الأمريكيين يدعمون الجيش بشكل يقترب من الإجماع؛ فإنهم قد أحجموا عن البحث بعمق في ما حققه وضع القوات في دائرة الخطر خلال العقود الأخيرة. وقد أصبح الإذعان للجيش عبادة روتينية في الحياة الأمريكية. فعلى سبيل المثال، عندما قَبِل جو بايدن ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة، اختتم تصريحاته بمناشدة إلهية نيابة عن جنود الأمة: “ليحمِ الله قواتنا”.

اقرأ أيضاً: مجلس النواب الأمريكي يوافق على سحب تفويض استخدام القوة في العراق

ومع ذلك، لم يُشِر بايدن في أية فقرة في خطابه الذي استمر 24 دقيقة إلى ما تقوم به القوات الأمريكية حالياً، أو لماذا تحتاج إلى حماية الله على وجه الخصوص. كما أنه لم يقدِّم أية أفكار حول الكيفية التي قد تتصرف بها إدارته على نحو مختلف.

بايدن يقبل ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة لعام 2020 في ويلمنجتون- ديلاوير.. أغسطس 2020- “رويترز”

والأمريكيون لا يريدون أن يسمعوا عن الحرب أو احتمال نشوبها في الموسم الحالي من الأزمات المتداخلة التي يعزز كل منها الآخر. وقد أُكره بايدن على ذلك في أهم خطاب في حياته المهنية؛ حيث أشار السياسي الشهير بالثرثرة إلى حروب الولايات المتحدة الأخيرة بشكل عابر فقط، مشيراً بإيجاز إلى ابنه الراحل الذي خدم في العراق، وانتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ لأنه لم يستجب بشكل أكثر عدوانية للفضائح التي أشارت إلى أن روسيا تمنح مكافآت للجنود الأمريكيين في أفغانستان.

اقرأ أيضاً: خبير روسي: هل تصمد روسيا أمام الحرب التكنولوجية الأمريكية؟

ولعل هذا النفور من تقييم حروب الولايات المتحدة الأخيرة ليس بأية حالٍ من الأحوال فريداً من نوعه أو مقتصراً على الحزب الديمقراطي؛ بل هو اتجاه ثنائي للحزبَين. كما أنه يحول دون إعادة النظر التي طال انتظارها في سياسة الأمن القومي الأساسية. فالحروب المطولة لا تجعل الأمريكيين أكثر حرية أو ازدهاراً. وفي الفترة ما بين سقوط سور برلين، والانتخابات الرئاسية عام 2016، تعاون قادة الحزبَين السياسيَّين في محاولة إظهار فعالية وضرورة ما كانوا يشيرون إليه عادة باعتباره “الزعامة الأمريكية العالمية”.

العالمية بدلاً من الجيوسياسية

وفي عام 2020، ظهرت مناسبات أخرى للزعامة الأمريكية الخشنة والعسكرية. وتقدم الصين المثال الأكثر وضوحاً لاستخدام القوة، مع تزايد إصرار الولايات المتحدة على مواجهة جمهورية الصين الشعبية يوماً بعد يوم. ويبدو أن الكثيرين في واشنطن يرحبون باحتمال اندلاع حرب باردة صينية أمريكية. ومن بين السبل المحتملة الأخرى لإثبات الزعامة الأمريكية الحازمة شنّ عمليات ضد إيران وروسيا؛ بل وحتى فنزويلا الفقيرة، مع تلهف بعض المسؤولين الفيدراليين البارزين إلى تغيير النظام في كراكاس.

الرئيس أوباما يسير أمام صورة متلفزة للرئيس بوش في افتتاح ذكرى 11 سبتمبر بعد 10 سنوات من الهجمات- “رويترز”

إن المسار البديل موجود، ويقترح أنصار هذا المسار، ومعظمهم من التقدميين المناهضين للتدخل، إعادة صياغة السياسة باعتبارها عالمية وليست دولية. وهذا فارق مهم؛ فالروح السياسية العالمية تسلط الضوء على المشكلة التي تؤثر على جميع الدول، سواء أكانت قوية أم ضعيفة، غنية أم فقيرة، بدلاً من التركيز على المنافسة الجيوسياسية، التي تنظر إلى الولايات المتحدة على أنها منشغلة بصد كل المنافسين لتفوقها.

وتلك المشكلات المشتركة ليس من الصعب تحديدها؛ وهي تشمل الأمراض المعدية، مثل “كوفيد-19”، وخطر نشوب صراع نووي، وتدهور الموارد الطبيعية العالمية، وربما قبل كل شيء، تغيُّر المناخ.لكن إدارة ترامب الثانية لن تعترف أبداً بوجود هذا المسار البديل.ومن المؤسف أن إدارة بايدن لن تفعل أكثر من مجرد التحدث عنه.

اقرأ أيضاً: فرانسيس فوكوياما يكتب: الجائحة والنظام السياسي

وعلى الرغم من اعتراف حملة بايدن بالتغير المناخي باعتباره أزمة؛ فإنه أيضاً على حد تعبير بايدن، “فرصة هائلة”، يشير سجله واختياره للمستشارين إلى أن الإدارة أكثر اهتماماً باستعادة الوضع الذي كان قائماً قبل ترامب، عن القيام بتغيير حقيقي. وقد جاء فوز ترامب بالرئاسة عام 2016 في جزءٍ كبير منه نتيجة فقدان عدد كبير من الأمريكيين الثقة في سياسات المؤسسة التي تركتِ الولايات المتحدة غارقةً في ما أطلق عليه، هو وغيره من منتقدي السياسة الأمريكية العسكرية، اسمَ “حروب لا نهاية لها”.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والسيدة الأولى خلال حضور أحد العروض الضوئية في نيويورك.. 2019- “نيويورك تايمز”

وقد قدَّم نفسه كمُصلح سيضع “أمريكا أولاً”؛ لكنه لم يصلح أي شيء، بل تسبَّب في أضرارٍ أكبر. وبسبب عدم الكفاءة الكارثي ألحق ترامب ضرراً هائلاً بمصداقية الولايات المتحدة، في الوقت الذي تستمر فيه الحروب التي ورثها.  

ميزانية البنتاغون كمقياس مطلق للأمن القومي

وبالنظر إلى أولوياته، فإن إحجام بايدن عن الحديث عن الحروب الخارجية أمر مفهوم. ومع ذلك، إذا عادت إدارته إلى التعريف العسكري للزعامة الأمريكية العالمية والذي ظل لعقودٍ من الزمن يشكل الموقف الافتراضي للمؤسسة، فسيجد أنه من الصعب تجنب هذا الموضوع.

اقرأ أيضاً: دور وسائل التواصل الاجتماعي في “الربيع الأمريكي” ومستقبل الانتخابات الأمريكية

وهذا المسار من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من الحروب، وهو ما من شأنه أن يخيِّم حتماً على الرؤية الخطابية لبايدن لتخطي الفترة المظلمة. وإذا كان بايدن جاداً في تغيير السياسة الخارجية الأمريكية، فإنه سوف يعطي الأولوية للمسائل التي تشكِّل تهديداً مباشراً لسلامة ورفاه الشعب الأمريكي. ولا يزال الإرهاب مشكلةً مزعجة، وسيظل كذلك دائماً. فالأعمال العدوانية التي يقوم بها خصوم مثل الصين وروسيا وإيران تعمل على تذكير الأمريكيين بديمومة الجغرافيا السياسية.

إن الحرب هي العدو الذي سيمنع بايدن من تحقيق ما يعِدُ بالقيام به. والخطوة الأولى نحو بناء الولايات المتحدة الفاضلة التي يرغب فيها هي تجنب الصراعات المسلحة غير الضرورية وغير المجدية. وسيتطلب ذلك إعادة توجيه سياسات الأمن القومي الأمريكية بشكل جذري لإعطاء الأولوية لسلامة ورفاه الشعب الأمريكي في الداخل، وليس ملاحقة الأعداء الوهميين في الخارج.

♦رئيس معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول، ومؤلف كتاب «أفتر أبوكاليبس: دور أمريكا في عالم متحول».

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة