الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الغضب الشعبي التونسي يحرق “النهضة”

المحتجون يُقدِمون على حرق مقرات "النهضة" وإتلاف محتوياتها في أغلب محافظات البلاد تعبيراً عن غضبهم واستيائهم من سياسات الحركة

تونس- فاطمة بدري

في خطوةٍ مفاجئة وجريئة، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد، مساء الأحد الـ25 من يوليو، الموافق لذكرى عيد الجمهورية التونسية، تجميد جميع سلطات مجلس النواب ورفع الحصانة عن كل أعضاء البرلمان، وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي، من منصبه، في يومٍ شهد مظاهرات حاشدة ضد هيمنة حركة النهضة الإسلامية على الحكومة، ومطالبات بحل البرلمان، انتهت باقتحام مقرات الحركة وحرقها وإتلافها، في مشهدٍ ترجم حالة الغضب الشعبي من سياسات حركة النهضة الماسكة بزمام الأمور منذ سنة 2011.

ورغم معارضة حركة النهضة والأحزاب الحليفة لها هذه الإجراءات التي اتخذها سعيد؛ فإن التونسيين توافدوا بقوة في الساعات القليلة التي أعقبت الإعلان، معلنةً دعمها وتأييدها قراراته. حيث تجمهر الآلاف في كل الشوارع الكبرى في البلاد ليحتفلوا بالخطوة التي أقدم عليها الرئيس سعيد، بما في ذلك شارع الحبيب بورقيبة الذي أُغلق صباحاً في وجه المحتجين، ليشهد احتفالات كبيرة أعادت إلى الأذهان أجواء الـ14 من يناير 2011 عندما غادر ابن علي ونجح الشباب في ثورتهم. وتعالَت الهتافات والزغاريد في كل مكان، بينما طوَّق الجيش الوطني مبنى البرلمان والتليفزيون الحكومي.

سعيد ينهي مسيرتهما- (صورة وكالات)

وظلت الحشود التي تجاوز عددها عشرات الآلاف في شوارع البلاد لوقتٍ متأخر من الليل وسط أجواء احتفالية حضرت فيها الألعاب النارية والزغاريد والغناء والرقص؛ فرحاً بما اعتبروه نهاية حقبة أثقلت كاهلهم، وفاقمت فقرهم وتهميشهم.

وتفاعلاً مع تحركات الشارع هذه، تنقل الرئيس قيس سعيد، إلى شارع الحبيب بورقيبة؛ للقاء الجماهير المبتهجة بقراراته.

وبدءاً من الاثنين الـ26 من يوليو، فرضتِ السلطات رقابة شديدة على المطارات؛ لمنع سفر أي من أعضاء البرلمان إلى الخارج. وأكدت مصادر في أمن المطار لوسائل إعلام محلية، أن جميع المطارات التونسية باتت تحت المراقبة الشديدة بعد أوامر بمنع السفر لأي من أعضاء البرلمان أو أي من الأشخاص الصادر في حقهم بطاقات إيداع.

اقرأ أيضًا: بدرة قعلول لـ”كيوبوست”: الأمن التونسي أحبط محاولات خلق “رابعة” جديدة من الإخوان

كما منع الجيش التونسي رئيسَ البرلمان راشد الغنوشي، وعدداً من النواب من دخول مقر البرلمان في باردو بالعاصمة تونس، الاثنين الـ26 من يوليو 2021.

وتسود حالة من الترقب بشأن الخطوات القادمة التي سيعلن عنها سعيد؛ لا سيما في ظل انقسام الآراء بين مَن يرى أن ما أقدم عليه يصب في خانة الانقلاب، وبين مَن يراه تحركاً مكفولاً بالدستور، وينقذ البلاد من أزماتها.

مقرات “النهضة” في مواجهة الغضب الشعبي

وأقدم سعيد على قراراته الخطيرة بعد يومٍ من احتجاجات شعبية واسعة شهدتها معظم محافظات البلاد ضد الحكومة وحزب النهضة الإسلامي، ومطالبات شعبية بحل البرلمان، في ظلِّ تزايد موجات الغضب مؤخراً ضد الطبقة السياسية الحاكمة؛ لا سيما الحكومة وحزامها السياسي (حركة النهضة، قلب تونس، ائتلاف الكرامة)؛ بسبب تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية، بسبب تعنت الساسة وركضهم وراء ضمانات بقائهم في الحكم على حساب مصالح الشعب.

جماهير كبيرة في باردو ضد البرلمان والحكومة- (صورة خاصة)

وجرَت الاحتجاجات بدعوةٍ من أشخاص غير معروفين، على صفحة “فيسبوك”، للخروج يوم 25 يوليو للتظاهر ضد مطالبات حركة النهضة بالتعويضات وسياساتها التي خنقت البلاد منذ ركوبها موجة ثورة 14 يناير 2011.

وشهدتِ الساحات العامة في جلِّ محافظات تونس احتجاجاتٍ شعبية واسعة، وخرج آلاف التونسيين (ليس هناك تعداد دقيق) إلى الشوارع منذ صباح الأحد الباكر بشكلٍ سلمي؛ للتعبير عن غضبهم واحتجاجهم على أداء الطبقة السياسية الحاكمة، رغم الطوق الأمني الكبير الذي فُرض على الشوارع الكبرى والساحات العامة؛ خصوصاً في العاصمة، بهدف منعهم من التجمهر. وتشابهت الشعارات المرفوعة والمطالب في كل المحافظات، والتقت عند رفض منظومة الحكم الحالية؛ لا سيما حركة النهضة التي حملوها مسؤولية الخراب الذي وصلت إليه البلاد منذ سنة 2011، والدعوة إلى حل البرلمان ورحيل الحكومة.

ورفع المحتجون شعارات من قبيل “ارحلوا dégage”، “يا غنوشي يا سفاح يا قتال الأرواح”، “تونس حرة حرة والغنوشي على بره”، “يا مشيشي يا جبان الشعب التونسي لا يُهان”، “الشعب يريد حل البرلمان”.. وغيرها من الشعارات المشابهة.

حضور أمني مكثف- (صورة خاصة)

في العاصمة، فرضت الشرطة طوقاً أمنياً كبيراً على مداخل المحافظة ووسطها؛ خصوصاً شارع الحبيب بورقيبة الشهير، نظراً لرمزيته باعتباره الشارع الشاهد على رحيل نظام ابن علي، وساحة البرلمان في منطقة باردو التي كانت دائماً وجهة للاحتجاج ضد الطبقة السياسية الحاكمة في فترة ما بعد 2011. ولئن نجح الطوق الأمني في عزل شارع الحبيب بورقيبة، فإن المحتجين استطاعوا كسر الطوق الأمني، وتمكنوا من تجاوز حواجز الشرطة المنتشرة بكثرة؛ حيث تجمع مئات الأشخاص، أغلبهم من الشباب قرب مقر البرلمان، وقد أُحيطوا بعناصر الأمن من كل جهة، رافعين الشعارات السالف ذكرها المعادية للحكومة والبرلمان، كما أعدّوا صوراً هزلية جسَّدت الشخصيات السياسية التي تثير غضبهم، والتي تصدرها رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي.

وحاولت الشرطة تفريق المتظاهرين عبر إطلاق الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل، كما لاحقتهم داخل الأنهج الفرعية، وظلت لوقتٍ تراقبهم لتحول دون عودتهم إلى الشارع الرئيسي، في حين رد المتظاهرون بإلقاء الحجارة عليهم.

احتجاجات شعبية واسعة في تونس- (صورة خاصة)

وفي بقية المحافظات، لم يكن الوضع أفضل مما كان في العاصمة؛ إذ تحدى المتظاهرون الضغوط الأمنية والحجر الصحي في بعض المحافظات وحرارة الطقس المرتفعة جداً؛ ليحتلوا الساحات والشوارع الكبرى، ويقولوا كلمتهم الفصل في وجه ساستهم الذين فشلوا في إدارة أزمات البلاد، وتركوهم في مواجهة الموت فرادى من أجل الكراسي والمناصب.

ولم يكتفِ المحتجون بالتظاهر في الشوارع، لينتقلوا إلى مقرات حركة النهضة ويصبوا عليها غضبهم وثورتهم في أعنف موجة احتجاجات تشهدها تونس في السنوات الأخيرة ضد أكبر حزب في البرلمان، والحزب الوحيد الحاضر بقوة في المشهد السياسي منذ ثورة 2011 التي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي.

وأقدم المحتجون في محافظات سوسة والمنستير (وسط شرقي)، والقيروان وسيدي بوزيد (وسط غربي)، وتوزر (جنوب)، وصفاقس (جنوب)، والكاف وسليانة (شمال غربي)، على اقتحام مقرات حركة النهضة وتهشيمها وإتلاف محتوياتها، وخلع لافتات الحركة وحرقها، في حركةٍ ترجمت منسوب الغضب الشعبي الكبير ضد حركة النهضة.

حرق مقرات “النهضة” في أغلب المحافظات

في ضواحي العاصمة، قامت مجموعة من الشباب في حي التضامن بمهاجمة مقر حركة النهضة؛ حيث تم الاستيلاء على محتويات المقر، وحرق شعار الحركة أمام المقر.

وبعد إعلان الرئيس قيس سعيد، عن قراراته، أقدم المتظاهرون الذين خرجوا ليلاً للاحتفال بهذه الخطوة، على إحراق مقرات أخرى لحركة النهضة في مدن ومحافظات أخرى، في الوقت الذي طوَّقت فيه قوات من الجيش مبنى البرلمان.

ففي محافظة مدنين (جنوب)، عمد عدد من المواطنين، ممن خرجوا لمساندة قرارات رئيس الجمهورية، إلى اقتحام مقر حركة النهضة بمدينة مدنين الشماية، وقاموا بإخراج محتوياته وحرقها قبالة المقر وسط المدينة.

وفي محافظة قبلي (جنوب)، قام الشباب المحتفل بقرارات رئيس الدولة، باقتحام مقر حركة النهضة، وحرق محتوياته، ثم حرقه بالكامل، ومنع أعوان الحماية المدنية الذين تواجدوا على عين المكان، من التدخل لإطفائه.

اقرأ أيضًا: 25 يوليو.. هل يكون موعداً لطرد حركة النهضة من الحكم؟

كما أقدم محتجون على اقتحام المكتب الجهوي لحركة النهضة بمحافظة باجة (شمال غربي)، واقتلعوا اللافتة الرئيسية للمقر وحرقوها.

وفي محافظة قفصة (جنوب)، قام المحتجون بمعتمدية القصر، القريبة من وسط المدينة، باقتحام مقر الحركة وإتلاف كامل محتوياته. وفي معتمدية السند، من نفس المحافظة، أقدم بعض المحتجين على حرق مقر نفس الحزب بعد اقتحامه.

وفي مدينة الحمامات السياحية، التابعة لمحافظة نابل (شمال شرقي)، قام المحتجون المنتشون بقرارات سعيد، باقتحام مقر حركة النهضة وإفراغ محتوياته وإضرام النار فيها في الشارع. وفي محافظة المهدية (وسط شرقي)، عمد عددٌ من المواطنين إلى اقتحام مقر الحزب وحرق محتوياته خارجه.

شهدت تونس تظاهرات دعم للرئيس قيس بن سعيد

وفي مدينة جربة الساحلية أيضاً، والتابعة لمحافظة مدنين (جنوب)، خرجت جموع غفيرة من المواطنين إلى وسط منطقة حومة السوق؛ للتعبير عن فرحتهم بهذه القرارات، ثم توجهوا نحو مكتب حركة النهضة؛ حيث تم اقتحامه وإخراج ما بداخله من وثائق، ليتم حرقها خارج المكتب، إلى جانب إزالة لافتة المكتب.

واستنكرت حركة النهضة استهداف مقراتها ووصفت المحتجين بـ”مجموعات فوضوية وعصابات إجرامية” يتم توظيفهم من خارج البلاد ومن داخلها؛ للاعتداء وإشاعة الفوضى والتخريب، خدمة لأجندات الإطاحة بالمسار الديمقراطي وتعبيد الطريق أمام عودة القهر والاستبداد. وتوعَّد بعض قياداتها، على غرار نور الدين البحيري ويمينة الزغلامي، بملاحقة الشباب الذين أقدموا على ذلك.

معلقات ساخرة في مظاهرات باردو- (صورة خاصة)

وفي المقابل، اعتبر بعض السياسيين أن تحرك 25 يوليو هو حلقة من حلقات المطالبة بالتغيير والاحتجاج التي شهدت تصاعداً لها في الآونة الأخيرة.

الناشط السياسي والناطق الرسمي الأسبق باسم الرئاسة عدنان منصر، اعتبر أن احتجاجات الـ25 من يوليو وما شهدته من أعمال عنف واستهداف لمقرات “النهضة” يندرج ضمن ردود الفعل الشعبية التي يئست تماماً من إمكانية الإصلاح والاستفاقة من الطبقة السياسية الحاكمة؛ وعلى رأسها حركة النهضة التي ظلَّت تكابر وترفض مواجهة أخطائها.

ويقول لـ”كيوبوست”: “عندما يمنح الشعب الطبقة السياسية ثورة وديمقراطية وينتخبهم ويثق بهم، فيحتالون عليه بالمقابل ويستغلونه، ويغلقون أمامه كل المنافذ بذريعة أنهم منتخبون. عندما لا يتركون للناس أي منفذ، ماذا يمكن أن يحدث؟ عندما يقومون بتتفيه تحركات الشعب ويتهمونه بالعمالة ويحرضون على قمعه، ماذا يحدث؟ عندما تدعم الأحزاب (النهضة، وقلب تونس، وائتلاف الكرامة) حكومة أجرمت في حق شعبها بسقوط قرابة عشرين ضحية جراء سوء إدارة أزمة كورونا ماذا يحدث؟ عندما يضعون مصلحتهم قبل مصلحة 12 مليون تونسي ماذا يحدث؟ عندما يعتبرون أنهم طائفة الله المختارة ويستهدفون كل مَن ينتقدهم ماذا يحدث؟”.  

اقرأ أيضاً: التهديد بالاغتيال يطول السياسيين المعادين لحركة النهضة

عدنان منصر

ويجيب: “جراء كل ما سلف يخرج الشباب في أكثر أيام السنة حرارةً، رغم قمع حليفهم رئيس الحكومة ووزير الداخلية هشام المشيشي، واستعداداته الأمنية الكبيرة في كل مكان، ويهاجم مقرات الأحزاب؛ ولا سيما حركة النهضة. المشكل أن هذا المشهد بكل تفاصيله ودلالاته لا يبدو أن الحركة قد استوعبته أو على الأقل حاولت الوقوف على أسباب ذلك، وقامت بمراجعتها”.

أما المحلل السياسي فريد العليبي، فيرى أن المظاهرات بكل أحداثها ما هي إلا رد فعل على الفساد الذي عمَّ تونس وأثَّر بشكل كبير اقتصادياً واجتماعياً وصحياً، معتبراً أن استغراب حدوث أعمال من قبيل حرق المقرات ليس له ما يبرره.

اقرأ أيضًا: بعد التعدي على برلمانية.. إسلاميو تونس يلطخون الحياة السياسية

فريد العليبي

ويقول لـ”كيوبوست”: “إن إلقاء نظرة على المؤشرات التنموية الاقتصادية في تونس تفيد أنها تشهد تراجعاً كبيراً، القدرة الشرائية تتهاوى تدريجياً، الوضع الصحي كارثي، وقد فضح الوباء كم أن المرفق الصحي منهك وضعيف وعاجز عن مواجهة الأزمة وحماية أرواح الناس. والتأمل في منجزات الحكومات التي تتالت على مدار أكثر من عشر سنوات يجعلنا نقف على انخراطها جميعاً في الفساد رغم شعارات محاربته؛ الأمر الذي انزلق بالبلاد إلى مطبات خطيرة على كل الأصعدة. وفي خضم كل هذا، سئم الشباب التونسي من الوعود الزائفة وتفاقم بطالته، فلم يتردد في ترجمة غضبه في وجه المتسببين في شقائه”.

ويضيف: “بعد كل هذه الخيبات لا يبدو منطقياً أن تتفاجأ الأحزاب من ردة الفعل التي تابعناها في كل شوارع البلاد التي احتضنت الاحتجاجات. هؤلاء وحَّدَهُم الإحساس بالغبن والغضب. والأكيد أن هذا المستوى الكبير من الغضب سينعكس على مستقبل هذه الأحزاب التي يبدو أن الشعب قد لفظها، بعد أن منحها الفرص والوقت الكافي لتحقيق تطلعاته؛ ولكنها فشلت وظلت تلاحق مصالحها حصراً”.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة