الواجهة الرئيسيةترجمات

الغزو التركي لسوريا: نعمة لداعش

كيوبوست-ترجمات

د. سامي مبيض ♦

في شهر يوليو الماضي، تصدَّر أحد المخيمات المنسية في الشمال الشرقي السوري عناوين الصحف، عندما رفع السكان العلم الأسود لتنظيم داعش. وفي شريط فيديو انتشر كالرماد في الهشيم على وسائل التواصل الإعلامي، أمكن سماع أصوات الناس وهم يهتفون: “باقية”، في إشارةٍ إلى شعار الجماعة الإرهابية الشهير: “باقية وتتمدد”(1). وانتشر فيديو آخر يظهر أحد سكان المخيم وهو يطالب زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي “بتحريرهم” من الأكراد(2).

يقع هذا المخيم، المعروف باسم الهول، بالقرب من الحدود السورية-العراقية، وقد عاد الآن إلى بؤرة الاهتمام الدولي، مع تخلي الحرس الكردي عن بواباته ليحمل السلاح ضد الجيش التركي، الذي اجتاح الشمال الشرقي السوري في 9 أكتوبر الجاري. وكان الهدف من الغزو بالأساس هو تفكيك المواقع الكردية في بلدتي رأس العين، وكوباني، الحدوديتين، وتل رفعت، شمال حلب، حيث تزعم أنقرة أن الانفصاليين الأتراك فروا بعد احتلال مدينة عفرين في منتصف 2018. وكان الأمر يتعلق مباشرةً بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 6 أكتوبر أنه سيسحب 1,000 من القوات الأمريكية من سوريا لوضع حد لما وصفه بـ “الحروب التي لا نهاية لها”. وكانت القوات الأمريكية متمركزة في مناطق يسيطر عليها الأكراد، وقد أدى انسحابها المفاجئ إلى تعريض الأكراد للخطر والضعف والعزلة، مما اضطرهم للتواصل مع الروس والسوريين للحصول على المساعدة.

اقرأ أيضًا: من تركيا إلى قطر: شكرًا لتمويل العدوان على سوريا!

ولا يبدو أن الأميركيين ولا الأتراك يهتمون بما سيحدث لمقاتلي داعش البالغ عددهم نحو 12,000 في السجون الكردية. منهم نحو 9,000 مقاتل ينتمون إلى العراق وسوريا، بينما ينتمي الـ  3,000 الباقين إلى جنسياتٍ مختلفة، حيث أتوا إلى سوريا من أوروبا، والعالم العربي(3). وخلال الساعات الأولى من العملية التركية، أعلن الأكراد أن حماية هذه السجون لم تعد تشكل أولوية لهم، على أمل أن يجبر ذلك ترامب على إعادة النظر في قراره(4). وحذر مصطفى بالي، المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية، من أن “الغزو التركي لمنطقتنا سيترك فراغًا كبيرًا لأننا مجبرون على سحب بعض قواتنا من السجون، ومن المخيمات، للقتال على الحدود وحماية شعبنا”. وردًا علي تحذيره، قال ترامب: “قد يطلق الأكراد بعض (سجناء داعش) لإرغامنا على المشاركة”(5).

وعندما أخفق ذلك في تغيير رأي ترامب، ذهب الأكراد إلى حدّ التهديد بفتح بوابات مخيم الهول، الذي يضم مقاتلين أجانب وأسرهم، إما كانوا تابعين سابقًا لداعش، أو متعاطفين مع أيديولوجيته(6). وقد فرّ ما لا يقل عن تسع نساء فرنسيات تابعات لداعش من المخيم، بعد أن ترك الحرس الكردي مواقعهم لحمل السلاح ضد الجيش التركي(7). ويدعي الأكراد أن 800 آخرين قد هربوا أيضًا، ولكن هذا العدد لم يتم التحقق منه من أي مصدر موثوق به غير كردي(8). في الوقت نفسه، يُحتجز 10,000 متعاطف مع داعش في قسم خاص من “الهول”، ويحظرُ عليهم الاختلاطُ بسكان المخيم الآخرين. وقد فرُّوا إلى هذا المخيم عقب هزيمة داعش في آخر معقل له في الباغوز في مارس 2019.

نزوح عائلات من عفرين بالتزامن مع اقتحامها- “بي بي سي”

وفي هذا الصدد، قال الصحفي البارز تشيس وينتر، من شبكة “دويتشه فيله”، الذي درس الأكراد لسنواتٍ، إن “الخطر على المدى الطويل مرتفع للغاية”. وقال لموقع “عين أوروبية على التطرف”، إن ذلك سيضر بصورتهم التي تم تشكيلها بعناية في الغرب”. وأضاف “يبدو أن البعض قد هرب، ولكن ذلك يعكس الوضعَ الأمني العام، وما اعتبره السجناء فرصة للاستفادة من البيئة الفوضوية”.

ووفقًا لاتفاقٍ جرى التوسط فيه بين الحكومة السورية والأكراد في 13 أكتوبر، فإن جميع سجون داعش في الشمال الشرقي ستبقى في أيدي قوات سوريا الديموقراطية، على الأقل في الوقت الراهن. وقال داني مكي محلل سوري في لندن “إن قوات سوريا الديموقراطية لا تملك القدرة على الاحتفاظ بهذه الأعداد الكبيرة من السجناء”، مضيفًا لموقع “عين أوروبية على التطرف”، أن “الدولة السورية ستجادل في نهاية المطاف بأنها أفضل استعدادًا لتحمل العبء، ويمكن أن تتطلع إلى فكرة استخدام بعض مقاتلي داعش وعائلاتهم الغربيين كورقة مساومة مع الغرب”. لكن مصير سجناء داعش لم يناقشه الطرفان حتى الآن.

مشكلات فنية

ولكي يستطيع الأكراد الاستمرار في حراسة سجون داعش، يحتاجون للاحتفاظ بكميات كبيرة من الأسلحة التي زودتهم بها الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي رفضته دمشق رفضًا قاطعًا. وبالإضافة إلى مطالبة الأكراد بتسليم جميع الأراضي الخاضعة لسيطرتهم إلى الجيش السوري، حيث تطالب الصفقة السورية-الكردية بحلِّ وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية على الفور. وستمثل هذه نكسة كبيرة للأكراد؛ لأن هاتين المجموعتين العسكريتين كانتا حليفتين مخلصتين في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة على الإرهاب. لقد دفع المقاتلون الأكراد الثمن الأكبر حيث فقد قرابة11,000  أرواحهم في المعارك التي قادتها الولايات المتحدة ضد داعش، على مدار السنوات الخمس الماضية(9). كما لعبت وحداتُ حماية الشعب الكردي دورًا حاسمًا في تحرير عين عيسى في محافظة الرقة في عام 2015، بينما سيطرت قوات سوريا الديمقراطية على عاصمة داعش المزعومة في أكتوبر 2017. ومع ذلك، وفقًا للقانون السوري، فإن كلًّا من وحداتِ حماية الشعب الكردي، وقوات سوريا الديموقراطية، تعتبران جماعة مسلحة غير شرعية؛ لأنه لا يمكن تأسيس أي حزب أو منظمة على أسس عرقية.

اقرأ أيضًا: مسلحو أردوغان العرب يحولون شمال سوريا إلى منطقة غير آمنة

ومن غير الواضح ماذا سيحدث لقواتهم وأسلحتهم من الآن فصاعدًا. أحد الاقتراحات تقضي بدمجهم في الجيش السوري أو في قوة الشرطة المحلية. أما بالنسبة للأسلحة، فقد أصر الأكراد في السابق على الاحتفاظ بأسلحتهم الخفيفة، وتسليم أسلحتهم الثقيلة للروس فقط. لكن ما تقرر الآن هو أنهم سيسلمون كل شيء -ثقيلًا وخفيفًا- للجيش السوري. وفي مقابل ذلك، وعدتِ الحكومةُ السورية بحمايتهم من أي هجوم تركي في المستقبل.

سيناريوهات مستقبلية متعددة

الجدير بالذكر، أن السلطات السورية لم تتمكن من دخول المنطقة الشمالية الشرقية منذ 2014. ومن ثم، سيستغرق الأمر وقتًا حتى تتمكن من الانتشارِ بشكل كامل في أنحاء المنطقة كافة، بل ستستغرق وقتًا أطول حتى تفهم وتسيطر على الأمور. فهي تفتقر إلى أي معلوماتٍ حول هوية الأشخاص المحتجزين في السجون الكردية، وعدد أعضاء داعش أو المتعاطفين معها. وإذا لم يتعاون الأكراد معها، أو إذا أطلقوا سراح سجناء داعش لإجبار الولايات المتحدة على إعادة النظر في انسحابها، فقد يصبح الوضعُ برمَّته خطيرًا للغاية. ذلك لأن الأسرى في السجون الكردية إرهابيون متطرفون، يعتنقون أيديولوجيا داعش. إنهم هم الأشخاص أنفسهم الذين تمسكوا بالجماعة الإرهابية حتى معركتها الأخيرة في الباغوز، وتشبثوا بـ “الخلافة” بعد فترة طويلة من انهيار “عاصمتها”، وتآكل أراضيها، وتوقف تدفق الأموال القادمة من بيع النفط. وهذا يعني أنهم ملتزمون بشدة بأيديولوجيا داعش، وبالتالي، لا يزالون يمتلكون شجاعة وأملًا تمكنهم من العودة مجددًا.

جميع الذين قاتلوا داعش، بدءًا من الجيش السوري، ثم الأمريكيين في عام 2014، والروس في عام 2015، لم يفعلوا شيئًا لمكافحة أيديولوجيته. كل ما فعلوه هو قصف معاقله من السماء، وقتل أكبر عدد ممكن من المقاتلين. لكن داعش هو أيديولوجيا، أكثر من أي شيء آخر، تنتشر بسرعة، وتجذب الملايين من جميع أرجاء العالم. وحتى الآن، لم تتوصل أيٌّ من الأطراف الرئيسة إلى خطةٍ ملموسة حول كيفية محاربة أيديولوجية داعش، وإنما اعتقدوا خطأً -مثل ترامب- أن الجماعة قد هُزمت. إن داعش، كمنظمة، قد يجري دحرها، لكن جذورها الأيديولوجية التي تسبق المجموعة نفسها لا تزال حية. ولا يزال أتباعُها، في جميعِ أنحاء العالم، يحلمون بتأسيس دولةٍ تحكمها الشريعة الإسلامية، ويحكمها “خليفة” كما في أيام الإسلام الأولى.

ظهور خليفة جديد؟

قبل شهرين من بدء الغزو التركي لسوريا، ذكرت وكالةُ أنباء داعش، “أعماق”، أن أبا بكرٍ البغدادي كان يُجهِّز جهاديًا عراقيًا آخر يُدعى عبد الله قرداش (يكنى أبو عمر) ليخلفه كقائد لداعش(10). غير أن الكثيرين تجاهلوا الخبر، لأنهم اعتقدوا أن داعش قد ولَّت بِلا رجعة. ومع ذلك، فإن ما يحدث في الشمال الشرقي السوري قد يكون نعمةً لقائد داعش الجديد، نظرًا إلى أن غالبية سجناء داعش هم عراقيون – كثيرون من وطنه تلعفر، غرب الموصل. وكثير منهم يتوقون في الواقع إلى قيادة جديدة، بسبب إحباطهم من البغدادي، الذي قادهم من فشلٍ إلى آخر، رغم نجاحاته المبكرة في إنشاء “دولة” داعش.

اقرأ أيضًا: مصدر كردي لـ”كيوبوست”: تحقيقات دولية في استخدام أنقرة أسلحة محرمة في سوريا

مثله مثل البغدادي، فإن قرداش ضليع في الشريعة الإسلامية، ولديه علاقات قوية بالضباط السابقين خلال عهد صدام حسين، الذين شكَّلوا العمود الفقري لتنظيم القاعدة في العراق، بعد الغزو الأمريكي عام 2003. هذا الغزو أشعل موجةً من التطرف، والأمر ذاته قد يتكرر بسبب عودة القوات الحكومية إلى الشمال الشرقي السوري أو الاحتلال التركي. غير أن الأهم من ذلك هو أن قرداش، مثل البغدادي، ينسب نفسه إلى نسل النبي محمد، مما يجعله مؤهلًا لحمل لقب “الخليفة” في حالة مقتل البغدادي أو إصابته إصابة مقعدة أو الإطاحة به.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن وظيفةَ “الخليفة”، في بعض مذاهب الإسلام، محجوزة حصرًا لقبيلة قريش، التي ينتمي إليها النبي، وهذا يفسر السبب في البيانات التي تصدرها داعش، من أن البغدادي كان دائمًا يوقع باسم “أبو بكر البغدادي القرشي الحسني”؛ مدعيًا النسب إلى قبيلة قريش، وأنه حفيد النبي. والأمر ذاته يدعيه عبد الله قرداش، كونه يعود في شجرة عائلته إلى النسب النبوي، وهذه الأمور ستكون مفيدة له؛ لأنه يخاطب أعضاء داعش المتبقيين الذين يبلغ عددهم 12,000 تقريبًا، سواء داخل السجون أو الهائمين في صحاري العراق وسوريا. وقد اجتمع قرداش والبغدادي لأول مرة في معسكر بوكا، وهو سجن يسيطر عليه الأمريكيون بالقرب من الحدود العراقية الكويتية. وليس هناك مؤشراتٌ حول ما يمكن أن يفرزه الوضعُ الحالي في مخيم الهول في سوريا، إذا ما فُتحت أبوابه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باحث وأستاذ جامعي سوري، متخصص في الدراسات التاريخية، عمل باحثا في مركز كارنيجي، مؤلف كتاب: تحت الراية السوداء- على مشارف الجهاد الجديد”، صدر في 2015.

المراجع:

[1] Hall, Richard. “ISIS flag raised at Syria camp holding jihadi families” The Independent (July 16, 2019). https://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/isis-syria-flag-children-families-terror-islamic-state-camp-a9006566.html

[2] Ibid.

[3] Savage, Charlie. “The Kurds’ Prisons and Detention Camps for ISIS members, explained” New York Times (October 13, 2019): https://www.nytimes.com/2019/10/13/us/politics/isis-prisoners-kurds.html

[4] “Kurdish forces in Syria will no longer prioritize guarding ISIS prisons” The Guardian (October 12, 2019): https://www.theguardian.com/world/2019/oct/12/kurdish-forces-syria-isis-prisons-turkish-offensive

[5] Bowne, Ryan – Lybrand, Holms – Subramaniam, Tara. “Fact checking Trump’s claim that Kurds are releasing ISIS prisoners on purpose.” CNN (October 14, 2019): https://edition.cnn.com/2019/10/14/politics/donald-trump-turkey-kurds-isis-prisoners-fact-check/index.html

[6] “Syria’s Al Hol camp could fall to ISIS, says Kurdish general” The National (October 5, 2019): https://www.thenational.ae/world/mena/syria-s-al-hol-camp-could-fall-to-isis-says-kurdish-general-1.919419

[7] Hall, Richard. “Nine suspected Isis members escape from camp in Syria amid Turkish offensive, France says,” The Independent (October 17, 2019).

[8] Ibid.

[9] Ioanes, Ellen. “11,000 Kurds died fighting ISIS and now, the US is abandoning them—who will help America next time?” Business Insider (October 8, 2019): https://www.businessinsider.com/military-leaders-warn-trump-abandoning-ally-grave-mistake-2019-10

[10] Siegel, Jordan. “Ailing Abu Bakr al-Baghdadi puts ‘Professor’ Abdullah Qardash in charge of ISIS,” The Times (August 22, 2019): https://www.thetimes.co.uk/article/ailing-abu-bakr-al-baghdadi-puts-professor-abdullah-qardash-in-charge-of-isis-hz2x5hkff

المصدر: عين أوربية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة