الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

العمالة الوافدة في مواجهة الاقتصاد الأردني، فمن ينتصر؟

العمالة الوافدة تزاحم الأردنيين على أبواب العمل

كيو بوست – مصطفى أبو عمشة

تعدّ ظاهرة العمالة الوافدة إلى الأردن إحدى الإشكاليات الرئيسة التي يعاني بسببها الاقتصاد، نظرًا للحجم الكبير الذي يصل إلى ما يقارب المليون والـ200 ألف عامل وافد، فهل يتناسب هذا الكم الكبير مع احتياجات الاقتصاد الأردني، خصوصًا أنّ معدل البطالة بين الأردنيين في تزايد؟

وفي خضم هذا الحالة، يشكك البعض في التشريعات والقوانين المختصة بالعمالة الوافدة، التي تفتقد إلى التطبيق العملي على أرض الواقع، وتحدّ من عملية الاستقدام من الخارج، وتجبر المؤسسات وأرباب العمل على توظيف الأردنيين في الكثير من القطاعات التي تشغلها العمالة الوافدة، خصوصًا المصرية منها.

اقرأ أيضًا: أزمة الاقتصاد الأردني: هل باتت الطريق مسدودة أمام حل جذري؟

آخر القرارات بهذا الشأن كان اتخاذ وزارة العمل الأردنية قبل عامين قرارًا بإغلاق 11 مهنة أمام العمالة الوافدة وعدم السماح بإشغالها إلا من قبل العمال الأردنيين، ولكن مع ذلك، فإنّ معدل البطالة لا يزال في تزايد مستمر مقارنة بالفترات السابقة.

 

سيطرة العمالة الوافدة على القطاعات المهنية والحرفية

يؤكدّ المحلل الاقتصادي مازن مرجي، في تصريحات خاصة إلى “كيو بوست”، بأنّ العمالتين المصرية والسورية في الأردن تمارسان أعمالهما على نطاق واسع في مهن مختلفة كالقطاعات المهنية والصناعية والزراعية والخدماتية، ولا تعانيان من أية بطالة، مشيرًا إلى وجود قطاعات ومهن مغلقة لا تسمح للعمالة الوافدة ممارستها، وهناك قرار صدر من وزارة العمل يقضي بعدم السماح بإشغال هذه المهن إلا من قبل الأردنيين.

وتعدّ الأعمال في القطاعات المهنية والحرفية إلى جانب قطاع الخدمات والمطاعم من أكثر القطاعات حيوية ونشاطًا للعمالتين السورية والمصرية، ويعدّ قطاع الألبسة والمنسوجات كنزًا ثمينًا للعمالة السورية، لكن يبقى تمددهم فيه مقارنة مع المهن الأخرى محدودًا.

اقرأ أيضًا: هل تنقذ المساعدات الخليجية الأردن من أزمته الاقتصادية؟

ويؤكدّ مرجي بأنّ التزام الأردن بمخرجات مؤتمر لندن عام 2016، الذي خلص إلى ضرورة توظيف نحو 200 ألف سوري، هو السبب وراء الإصرار على تشغيلهم، مع أنّ الأردن يعاني من أزمات متصاعدة ومتراكمة، وارتفاع كبير للعمالة الوافدة.

ومما يزيد الطين بلة، أنّ أكثر من 800 ألف وافد في الأردن يمارسون أعمالهم دون تصاريح عمل رسمية، يمثلون حوالي 70% من إجمالي عدد العمال الوافدين، الأمر الذي يزيد بحسب مرجي من الأعباء الاقتصادية المتراكمة على الأردن.

ويشدد مرجي على أنّ عدم وجود تطبيق وضبط حقيقي في القوانين والأنظمة الخاصة بالعمالة الوافدة في الأردن، وعدم توفر إحصائيات دقيقة حول أعدادهم الحقيقية ساهم في تفاقم المشكلة وإحداث أزمة في اقتصاد المملكة، مشيرًا إلى أنّ النسبة الحقيقية للبطالة في الأردن تصل إلى أكثر من 25%، بخلاف ما تشير إليه المصادر الرسمية التي تؤكدّ بأنّها لا تتجاوز 18.7% بين أوساط الأردنيين.

 

العمالة أسهمت في المشكلة

يؤكد مرجي بأنّ العمالتين المصرية والسورية أسهمتا في مشكلة الاقتصاد، نظرًا لأنّ الكثير منهم لا يحملون تراخيص ويعملون في كثير من القطاعات المغلقة والمفتوحة، مؤكدًا بأنّ السبب الحقيقي في مثل هذه الحالة هو عدم وصول الحد الأدنى للأجور إلى المعدل الكافي الذي لا يتجاوز في الوقت الحالي 220 دينارًا أردنيًا.

اقرأ أيضًا: وطن عربي مصغر: حقائق عن اللجوء في الأردن

ويذهب الكاتب، الخبير الاقتصادي، فارس حباشنة، إلى موافقة مرجي في أطروحته المتعلقة بالعمالة، مؤكدًا أنّ سوق العمل في الأردن يعاني من عدم السيطرة على العمالة غير القانونية، خصوصًا فيما يتعلق بالقطاع الزراعي، في ظل الهزات والأزمات المتلاحقة التي يعاني منها الاقتصاد في المملكة، مشيرًا إلى أنّ الحكومة الأردنية لم تراعِ مسألة “أردنة” سوق العمل وتوطين وتشغيل الأردنيين في العديد من القطاعات.

ويوضح حباشنة في حديثه الخاص مع موقع “كيو بوست”، بأنّ كل ما يروّج له الإعلام من وجود مشاريع لتشغيل الأردنيين هي مجرد حملات دعائية وإعلامية لا صحة لها على أرض الواقع، مشيرًا إلى أنّ الشركة الوطنية للتشغيل والتدريب -التي تمّ إنفاق ملايين الدنانير على إنشائها- عاجزة عن تقديم وخلق فرص عمل دائمة للشباب العاطلين عن العمل، الذين كان يراد تدريبهم في معاهدها وتأهيلهم في مجال الإنشاءات والمهن المرتبطة بها، تمهيدًا لتأمين فرص عمل، مؤكدًا على أنّها كانت تسعى للتركيز على الفئة العمرية من سن (17-35) عامًا، إذ تشكل هذه الفئة (70%) من مجموع أصحاب السوابق الجنائية.

ويعود مرجي من جديد للحديث عن أزمة البطالة بين الأردنيين، مشيرًا إلى وجود ارتفاع في أعداد الداخلين إلى سوق العمل الأردني سنويًا، التي وصلت إلى 80 ألف مواطن ومواطنة، يتم تعيين نصفهم فقط في القطاعات الرسمية والخاصة، منوهًا إلى حدوث تراكم كبير في أعداد الراغبين في الحصول على فرصة عمل سنويًا، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات قانونية وعملية حيال المشكلة، واستقطاب المستثمرين من الخارج للقيام بمشاريع اقتصادية جديدة توفر فرص عمل للأردنيين.

فعلى الرغم من أنّ وزارة العمل تشترط على قطاع الشركات والمؤسسات وأرباب العمل أن لا تقل نسبة الموظفين الأردنيين فيها عن 60%، إلا أنّ نسبة البطالة، بحسب مرجي، لا تزال مرتفعة، نظرًا لأنّ الوظائف في القطاع الخاص لا تفي باحتياجات المواطن؛ لأنّ الأجور فيها متدينة، إضافة إلى عدم توفير كثير من الشركات في القطاع الخاص للتأمين الطبي والضمان الاجتماعي، وهذا يؤدي إلى عزوف الأردني عن العمل بالقطاع الخاص، ويجبر هذه الشركات في نهاية المطاف على الاستعانة بالعمالة الوافدة.

اقرأ أيضًا: كيف ستتعامل الأردن مع إعادة فتح معبر نصيب الحدودي؟

أما المحلل حباشنة فإنّه يعزو هذه الحالة إلى وجود “خلل كبير في الاقتصاد الأردني مرتبط بسياسات الحكومة، وقدرة القطاع الخاص على استيعاب وامتصاص العمالة الوافدة أكبر بكثير من استيعاب الأردنيين”، مشددًا على أنّ الإملاءات الخارجية بعد مؤتمر لندن عام 2016، أجبرت الأردن على استيعاب اللاجئين السوريين وتشغليهم في قطاعات مختلفة على حساب المواطن الأردني، الأمر الذي أصاب اقتصاد المملكة بتشوهات عميقة، مشيرًا إلى أنّ أكثر من 10 آلاف فرصة عمل في مدينة المفرق وحدها ذهبت للاجئين السوريين، ما شكل منافسة كبيرة على حق الأردنيين في فرص العمل.

وفي خضم هذه الحالة، أكدّ مرجي أنّ الأيدي العاملة الأردنية فقدت قدرتها ومهارتها على العمل في القطاع المعماري والإنشاءات، والقطاع الزراعي، إلا في بعض الزراعات التقليدية، مشيرًا إلى “أنّ 90% من الأيدي العاملة في الزراعة باتت عمالة غير أردنية، وهذا بحد ذاته يفاقم مشكلة الاقتصاد ويؤدي إلى سيطرة العمالة الوافدة”.

 

فكرة “أردنة” القطاعات غير ممكنة

يبقى مشروع “أردنة” القطاعات الخاصة أمرًا صعب المنال في الواقع الأردني، بحسب المحلل الاقتصادي مازن مرجي، الذي أكد على أنّ هذه الفكرة غير ممكنة ولا مجدية في الوقت الراهن؛ إذ أنّ المهن التي تشغلها كل من العمالة المصرية والسورية لن تتناسب مع الأردنيين من ناحية طبيعة الدخل، فالعامل الوافد يرضى بالمدخول القليل، مشيرًا إلى أنّه من الأجدر خلق وظائف جديدة في القطاعات المهنية والطبية والهندسية التي باتت تعاني من عدم قدرتها على استيعاب المزيد من الخريجين سنويًا.

ويتوافق الخبير فارس حباشنة مع ما ذهب إليه مرجي من صعوبة تطبيق سياسات “أردنة” الوظائف، مشيرًا إلى أنّها طبقت في سوق العمل منذ فترة طويلة، نظرًا لارتفاع نسبة البطالة بين الأردنيين، عبر سن التشريعات والقوانين من قبل الجهات الرسمية، على رأسها وزارة العمل، إلا أنّ العديد من الأزمات المحيطة التي ضربت دول الجوار وارتداداتها على الأردن حالت دون تطبيق هذه السياسات فعليًا على أرض الواقع.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة