ترجماتمجتمعملفات مميزة

العلماء الفائزون بـ”نوبل” ما بين العقلانية والغرائبية وتحفيز المجتمع

سردوا حكاياتهم في جلسة معرفية في ستوكهولم

ترجمة كيو بوست –

قد يخطر ببال المستمع لعلماء بثقل الحاصلين على جائزة نوبل ومعرفتهم أن يكونوا غرائبيين، ممن ينظمون وقتهم على طريقة كتب التنمية البشرية، ويجيدون كل شيء تقريبًا، خصوصًا أولئك الذين قدموا إنجازات للبشرية استغرق الوصول لبعضها عشرات السنوات من التفرغ والبحث العلمي والعمل المضني. وقد يتصور البعض أنهم جديون وصارمون في سلوكهم وتصرفاتهم، إلا أن حلقة تلفزيونية حوارية جمعت الحائزين على جوائز نوبل لعام 2017 قد تبدد الكثير من الانطباعات.

في جلسة حوارية جمعت العلماء الفائزين بجوائز نوبل للعام 2017 في الأدب والاقتصاد والعلوم، في قاعة الاحتفالات في ستوكهولم، تباينت تجارب العلماء وممارساتهم اليومية بين العقلانية، والسلوكيات الغرائبية، أي بين العقلانية ونقيضها. وتشعبت الأحاديث ما بين تصرفات شخصية أو رؤية مجتمعية ترى أهمية تحفيز المجتمع وأفراده.

ولم يخف بعض العلماء مرورهم بالكثير من التجارب والمحاولات الفاشلة بهدف الوصول إلى المعرفة المرجوة والاكتشاف الجديد، إلا أن الإصرار والدافعية للإنجاز هما ما دفعهم -كما تدفع الآخرين- لتجاوز أي شعور بالإحباط لتحقيق الاكتشافات.

عقول نوبل 2017 

بدأت المقدمة زينب بداوي بالترحيب بالجمهور في قاعة الاحتفالات في ستوكهولم، حيث تلقى الحائزون على جوائز نوبل للعام 2017 جوائزهم من ملك السويد تقديرًا لإسهاماتهم الرائعة في مجالات مختلفة: الطب، والفيزياء، والكيمياء، والآداب، والعلوم الاقتصادية، والسلام. وهذه هي المرة الأولى التي يجتمعون فيها في نقاش مباشر على التلفاز.

الملفت أن الحضور الأمريكي كان طاغيًا؛ إذ فاز 7 علماء أمريكيين بجائزة نوبل في مجالات مختلفة، مع وجود بعض الجمهور من عائلات العلماء المكرمين، وبعض الطلاب من السويد.

اقرأ أيضًا: حصاد نوبل 2018 في أهم 3 علوم تخدم البشرية

 

العلماء لا عقلانيون أحيانًا

ولأن المتعارف عليه أن العلماء أشخاص عقلانيون جدًا، بادرت المقدمة بطرح سؤال عن مدى تصرفهم بطريقة عقلانية في حياتهم الشخصية واستخدام المنطق بشكل كبير، فأجاب د. ريتشارد هندرسون، الحاصل على جائزة نوبل للكيمياء: “أنا عقلاني بنسبة 100%، ولكن في بعض الأحيان النادرة نخرج من هذه الدائرة”. ويروي حدثًا مر به عندما كانت هناك إحدى الأدوات الخاضعة للتطوير، ولم يسمح لهم بالوصول إليها قبل الثامنة صباحًا، ويومها جاء مبكرًا جدًا وأراد تشغيلها، ولكنه لم يتمكن من ذلك بعد أن جرب طرقًا عدة من توصيل أسلاك وغيرها، لكنه في النهاية يئس وقرر الذهاب للبيت. وقبل أن يخرج، خطر له أن يركل الآلة برجله فوجد الآلة تعمل، ولم تكن المشكلة سوى في أحد الأسلاك الكهربائية.

وأما العالم واكيم فرانك فيقول: “عندما تعرضت لهزة أرضية في باسادينا عام 1970 في السادسة صباحًا، قفزت من السرير وذهبت للحمام، ثم سحبت “سيفون” الحمام فورًا، ولا أدري لماذا قمت بردة الفعل هذه!”.

 

الاقتصاد السلوكي

الاقتصاد السلوكي هو واحد من الموضوعات الهامة التي هيمنت على جلسة نقاش علماء نوبل، إذ كان التركيز على العالم الأمريكي ريتشارد ثيلر، الحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عن نظرية “الاقتصاد السلوكي”، وهو العالم الذي تستعين به ما يقارب 50 دولة في العالم لوضع سياساتها النقدية، القائمة على التنبيه والتحفيز السلوكي والنفسي في الاقتصاد، بدلًا من القوانين وفرض الضرائب والسياسات الاقتصادية القديمة.

ومن الأمثلة على كيفية “التحفيز” الذي قامت به الحكومة البريطانية تطبيقًا لنظرية ثيلر، ما أعلنته عن نيتها إغلاق شركة في حال عدم إنجازها لعشرة أضعاف كلفتها التشغيلية، وبالفعل حاولت الشركة فنجحت بتحقيق 20 ضعفًا من عائدات التشغيل والتكلفة، وقد مثل ذلك نجاحًا لنظرية ثيلر القائمة على التنبيه والتحفيز بدلًا من فرض القوانين والضرائب.

ووضح ثيلر كيف يقوم الأفراد “بتبسيط عملية اتخاذ القرارات المالية بإقامة خانات منفصلة في أذهانهم، ثم التركيز على وطأة كل قرار فردي، عوضًا عن التركيز على التأثير الإجمالي، ولو أوقعهم ذلك في خطأ”.

ليس هذا فحسب، فمفهوم التحفيز الذي تحدث عنه ثيلر يتجاوز سياق الحديث السابق، ليصل أيضًا إلى تصحيح النواحي غير العقلانية في سلوك المستهلكين والمسؤولين والمستثمرين، مقلصًا الفجوة بين الاقتصاد وعلم النفس. وهنا، علق عالم فيزياء بالقول إنه “ينبغي علينا تحفيز المجتمع، فنحن نقوم بتعليم النوع الخاطئ من الرياضيات لأطفالنا، وإذا أردنا تحفيزهم تجاه شيء معين فعلينا معرفة المتناقضات حوله، ولكننا لا ندرك كيف نصنع الفن في المدارس الثانوية والإعدادية، حيث يرتكز التفكير على المنطق الاحتمالي”.

 

متعة العلم أولًا

يبذل العلماء الكثير من التجارب والمحاولات الفاشلة بهدف الوصول إلى المعرفة المرجوة والاكتشافات الجديدة، وإذا كان خيار العالم قريبًا من المعرفة التي يمتلكها بشكل مسبق، بحسب ما يقول ريتشارد هندرسون، فمن المرجح أن تنجح التجربة، و”لكن ينبغي عليك أن تتوقع نسبة عالية من الفشل قد تصل لـ99%، ولكن نسبة الـ1% التي تنجح ستحقق لك خطوة كبيرة جدًا”.

وهذا يقودنا إلى نقطة هامة في أي عمل نقوم به هو أن لا نُحبَط من إخفاقاتنا الفاشلة مهما تكررت، المهم أن نكون مستمتعين بما نفعله، فإن مارسنا العمل الجاد بشغف وحب وسعادة ومتعة -كما يفعل علماء نوبل- سنصل لمبتغانا، وعندها لن نفكر بعدد المحاولات الفاشلة التي قمنا بها.

اقرأ أيضًا: 8 شخصيات عربية فازت بنوبل

فيما أجمع العلماء على أن فوزهم بجوائز نوبل، كان نتيجة المتعة التي استخدموها في ممارساتهم وتجاربهم ودراساتهم، إذ لم يضع أي منهم نسبة 1% كاحتمال لفوزهم مستقبلًا بنوبل، إنما كانت 99% من جهودهم مستغرقة في متعة ما يقومون به من مشاريع.

 

المحادثة بين الأدب والعلم

الروائي الياباني المولد، البريطاني الجنسية، كازو إيشوجورو، الفائز بجائزة نوبل، يسير هو الآخر في طريقه باحثًا عن “الحافز” في الكتابة، ويعترف أن هناك تشابهًا في أسلوبه الروائي، على الرغم من الخلفيات المختلفة لرواياته، وهذا ما لا يلحظه الناس عامة.

ولا يكمن دور الأدب، بحسب كازو، في حل المشاكل الناتجة عن “إساءة استخدام العلم” وأثره في المجتمع وانتشار الأمراض، إنما في طرح الأسئلة حول تلك المشاكل وإرشاد الناس حولها. وأوضح كازوا أن أهم ما يفعله الأدب هو أن يسمح لنا بفهم بعضنا، في ظل العوائق الثقافية واللغوية، وبالتالي إرشاد المجتمع حول ما هو مهم؛ فغالبية الاكتشافات العلمية هي سلاح ذو حدين، وهذا هو لب التشبيه عند نوبل الذي اخترع الديناميت، وباستطاعتنا استخدامه في أمور عظيمة لإثراء البشرية أو أشياء مدمرة لها، وهذا يعني أن العلم والفن يكملان بعضهما البعض، وهذا ما ينبغي للعلماء الشباب أن يتنبهوا له.

وتحدث العلماء الفيزيائيون الثلاثة من أصل أمريكي ريه باري، وكيب ثورن، وراينر فايس -الفائزون بجائزة نوبل للفيزياء- عن دراستهم لموجات الجاذبية التي تفتح آفاق جديدة لفهم الكون، وهي المرة الأولى التي يجري فيها رصد موجات جاذبية عابرة بشكل مباشر إلى الأرض، تشكلت قبل أكثر من مليار سنة جراء دوران اثنين من الثقوب السوداء حول نفسها في مكان بعيد جدًا عن الأرض. ونتج عن تشابك الثقبين حول بعضهما خسارة موجات مغناطيسية، إذ خسرا الطاقة جراء موجات الجاذبية، ثم تصادم الثقبان معًا بنصف سرعة الضوء، ما خلق عاصفة حقيقية على شكل فضاء وزمن، ثم تباطأ الوقت قبل أن يتسارع مرة أخرى، وقد أدت هذه العملية كلها إلى تمدد تلك الموجات، وفي المحصلة تمدد الفضاء وضغطه. هذه الموجات انتقلت بين الفضاء وبين النجوم والمجرات وصولًا إلى الأرض، وقد جرى التقاط هذه الموجات بواسطة أدوات خاصة بناها فريق العلماء، الذين يقولون إن هذا الاكتشاف ينبئ بخرق جديد لدراسة الكون ومعالمه التي لم نرها من قبل.

 

بعض أغرب ابتكارات نوبل 2017

فاز العالِم الأمريكي جيف هول بجائزة نوبل للطب بالتقاسم مع عالمين أمريكيين هما مايكل روسباش، ومايك يانج. والحديث في مجمله يدور هنا حول اكتشاف “ساعة الجسم”؛ وهي مجموعة من أسرار عمل الساعة البيولوجية للإنسان، التي توضح كيف يوائم البشر والنبات والحيوان إيقاعهم البيولوجي مع دوران الأرض. كما توضح الأسرار أن الخلل في عملها يسهم في ظهور بعض الأمراض كمرض السكري والسمنة وضغط الدم والسرطان وغيره، وهذا ما سيساعد على اكتشاف تطورات مهمة في الطب، حتى إن فعالية بعض الأدوية قد تزيد بحسب التواتر الليلي والنهاري وظهور ما يسمى بالطب الزمني.

ويمكن القول إن السفر من منطقة جغرافية بعيدة إلى أخرى يحدث اضطرابًا في الساعة البيولوجية للجسم، وهذا يحتاج لوقت لإعادة ضبطها، لكن الإضافة هنا هي أن الساعة البيولوجية تتسبب بإحداث اختلاف داخل خلايا الجسم المختلفة مثلًا حول الوقت الحقيقي لليوم، ويحدث أن يتبنى الجسد مناطق زمنية مختلفة في آن واحد اعتمادًا على الساعة التي ينظر الشخص إليها.

اقرأ أيضًا: الاختراع الذي منح 3 علماء جائزة نوبل 2017

ابتكار آخر لـ3 علماء حازوا على جائزة نوبل للكيمياء: السويسري جاك دوبوشيه والأمريكي جواكيم فرانك والبريطاني ريتشارد هندرسون، الذين ابتكروا مجهرًا إلكترونيًا يسمح بتجميد الجزيئات الحيوية أثناء حركتها، وتصوير عمليات لم يسبق رؤيتها؛ كأن نرى كيف تتفاعل الذرات مع بعضها، وكيف ترتبط خيوط الزهايمر ببعضها، وحينها يمكن الوصول للدواء المناسب الذي يفككها ويمنعها من التشابك مجددًا، وهذا قد يفسح المجال كذلك لإيجاد دواء لفيروس زيكا.

 

أغلبهم أمريكيون ولكن!

المفارقة التي تحملها الحلقة الحوارية أن أغلب الفائزين بجوائز نوبل لعام 2017 هم أمريكيون، وتراهم ينتقدون المواطن الأمريكي العادي في الولايات المتحدة الأمريكية لجهله غير العادي -بل الفظيع- وادعائه بأنه متحضر علماني. كما انتقدوا العملية التعليمية في الولايات المتحدة، ومساعي كثير من الآباء لإخراج أبنائهم من المدارس كونها تعتمد على أسلوب التلقين، وأن الحكومة الأمريكية لا تكترث لهذه الحقيقة. وقد يكون القلق حول العلم أمرًا جميلًا لو كان هنالك علماء داخل الحكومة وعرجوا على أهمية تمويل الأبحاث العلمية ودعمها.

كما أن من الدروس التي تستحق التوقف عندها هي قناعة أغلب علماء نوبل بأن النجاح بابتكار جديد ربما لم يكن يزد عن أكثر من 1% من التوقعات، وأن تكرار المحاولات غير الناجحة لم يولد اليأس والاستسلام. كما أن بعض علماء نوبل لم يكن لديهم تفكير قبلي بالحصول على نوبل، وهذا عكس ما هو شائع بأن تصور الهدف يقود إليه. ربما كان التصور لدى غالبية علماء نوبل  هو تكرار التجربة دون توقع النتيجة أو اتجاهها، فالمحاولة هي الأساس، واستمرار المحاولات هو المعيار لتحقيق اختراق علمي جديد.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة