الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دولية

العلاقة مع الإمارات في صلب اهتمام صانع القرار البريطاني

البروز الإماراتي المنتظم في المنطقة سيدفع لندن غالباً للتشاور مطولاً مع أبوظبي عند رسم سياساتها الشرق أوسطية

كيوبوست – مروان البلوشي

صور عديدة رافقت زيارة ولي عهد أبوظبي إلى بريطانيا هذا الأسبوع؛ ومن أبرزها صوره العائلية الدافئة مع نجله وأبناء الإمارات الذين تخرجوا في أكاديمية ساندهيرست العسكرية العريقة، ولكن الدوائر الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية المعنية راقبت باهتمام ما تعنيه هذه الزيارة من حراك في مؤشرات العلاقات بين أبوظبي ولندن؛ فقد قطعت العلاقة بين الإمارات العربية والمملكة المتحدة أشواطاً طويلة منذ إعلان القوة العالمية العظمى السابقة مغادرتها مياه الخليج العربي في أواخر الستينيات، ومن ثمَّ إعلان اتحاد الإمارات السبع وإلى الآن؛ فالإمارات أصبحت ملاذاً لجالية بريطانية ضخمة يقدر عددها بما يزيد على مئة ألف نسمة[1]. كما أن التبادل التجاري والاستثماري بين البلدَين فاق ما خططت له حكومتهما؛ حيث إنهما اتفقتا في عام 2009 على تحقيق الوصول إلى اثني عشر مليار جنيه إسترليني بحلول 2015، وهو ما تحقق في 2013؛ أي قبل الموعد بعامَين، وبزيادة كبيرة عن الرقم المحدد[2]. هذا الازدهار الثابت في المجال الاقتصادي لم يعنِ دائماً توافقاً في المجال الجيوسياسي أو في النظرة إلى تحالفات المنطقة الخليجية والشرق أوسطية ككل.

اقرأ أيضًا: هل يفيد وهم تشرشل في تغيير الحقيقة القاتمة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟

منظور تاريخي:

ولكي نفهم هذا الثبات في العلاقات بين البلدين رغم بعض الاختلافات الآنية، وبالرجوع إلى التاريخ، نقرأ أن هذه العلاقات تتعدى درجة الاتصال الدبلوماسي إلى الانتقال المستمر للأفكار والبشر ورؤوس الأموال والتقنيات بينهما؛ ففي أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وعندما أراد حاكم دبي الأسبق الشيخ راشد بن سعيد، وضع اسم دبي على الخارطة الاقتصادية والسياحية العالمية، لم يكن مستشاروه من بريطانيا فقط؛ بل إن وجود جالية بريطانية آخذة في التزايد في ذلك الوقت، شجع حاكم دبي على المغامرة بالاستدانة وبناء مجّمع مركز دبي التجاري العالمي، والذي صُمم وَفق مواصفات تناسب مكانة دبي المُعلنة ووفق احتياجات هذه الجالية.[3] هذا المشروع الذي سيكون فاتحة خير على المدينة وإيذاناً بتحولاتها السريعة. كما أن المساهمة البريطانية بارزة في قطاعات مختلفة، فأحد الآباء المؤسسين لطيران الإمارات هو موريس فلانكان؛ التنفيذي السابق في الخطوط الجوية البريطانية، والذي ينتمي إلى جيل من المهنيين البريطانيين الذين أسهموا في بناء النهضة المدنية التي شهدتها الإمارات منذ السبعينيات.[4] أما على الصعيد الجيوسياسي فإن العلاقات عرفت صعوداً تدريجياً في تقدير لندن لمكانة أبوظبي الإقليمية.

من الأزمة المالية العالمية إلى الربيع العربي:

لعل الحادثة التي بيَّنت حاجة لندن إلى شريكتها الخليجية كانت النداء الذي أطلقه رئيس الوزراء الأسبق غوردون براون، أثناء زيارة مكوكية إلى الإمارات إبان ذروة الأزمة المالية العالمية؛ حيث كان براون يمنِّي النفس بالحصول على “مليارات من الدولارات لانتشال الاقتصاد العالمي”.[5] ومع اندلاع أحداث الربيع العربي، شهدت العلاقات الثنائية بعض الشد والجذب.

غوردون براون رئيس الوزراء البريطاني الأسبق – أرشيف

الربيع العربي ومثلث أبوظبي والدوحة ولندن:

كان من المحتّم أن يُثير الربيع العربي وما تلاه من أحداث وتقلبات وأزمات بعض الاختلافات في الرؤية والمُقاربة والأفعال بين البلدين، فإن استشرفت أبوظبي، وعواصم خليجية وعربية أخرى، خطورة هذا الحدث وآثاره العاصفة على منظومة الأمن الإقليمي، فإن ردة فعل لندن تذبذبت منذ البداية؛ فرئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون، تحمس بشدة ودعا المجتمع الدولي “إلى التصرف بأسلوب جديد؛ لأن الربيع العربي يمثل فرصة هائلة لنشر السلام، والرخاء، والديمقراطية، وبشكل مُلح الأمن؛ ولكن إن عملنا فعلاً على استغلال هذه الفرصة”[6]. وعلى الرغم من تعاون البلدين معاً في بدايات الأزمة الليبية لحماية المدنيين من بطش نظام معمر القذافي؛ فإن انطباعاً إقليمياً قد تكوَّن بأن لندن تميل بدرجة ما إلى الموقف القطري من أحداث الربيع العربي، وأن مجموعة من الأسباب؛ مثل: الاستثمارات القطرية الهائلة في المملكة المتحدة، والحصة المتعاظمة للغاز القطري في سوق الطاقة البريطاني، واستضافة لندن أعداداً كبيرة من المعارضات الخليجية والإسلامية الناشطة.. وغيرها، قد لعبت دوراً في تقريب لندن من وجهة النظر القطرية[7].

رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون – أرشيف

هذا أدى إلى جفوة في العلاقات بين لندن وأبوظبي وبعض العواصم الإقليمية، ومما زاد الانطباع بأن الجفوة حقيقية، هو الدور البريطاني النشط في المفاوضات التي توصلت إلى الصفقة النووية بين إيران والقوى الكبرى[8]. كما تعددت حوادث إيقاف وضبط أكاديميين بريطانيين زائرين للإمارات، وكان آخرهم طالب دكتوراه بريطاني شاب تم إيقافه من قِبل السلطات الإماراتية ومحاكمته بتهمة التجسس لصالح لندن خلال عمله البحثي في أبوظبي، ثم تم إطلاق سراحه بعد صدور عفو رسمي من الدولة[9]. بعد ذلك جاء الموقف البريطاني من الأزمة الدبلوماسية مع قطر ليزيد الجفوة؛ حيث بدت لندن حريصة على عدم إغضاب القطريين رغم تفهمها خطورة الدعم القطري لقوى الإسلام السياسي؛ وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين[10].

اقرأ أيضًا: كيف يُنظر إلى حركة الإخوان المسلمين في أوروبا؟

بريكست وإدارة جديدة في داوننغ ستريت:

إن كان المزاج البريطاني الشعبي قد اختار الخروج من الاتحاد الأوروبي، فإن هذا يعنى أن على لندن تفعيل شراكاتها العالمية في عالم ما بعد البريكست. وكانت الإمارات من أوائل البلدان التي سعت المملكة المتحدة لعقد صفقة اقتصادية شاملة من بعد خروجها من الأُطر الاقتصادية التي تحكمها بوصفها عضواً في الاتحاد الأوروبي[11]. كما أن وصول بوريس جونسون إلى مقر رئاسة الوزراء في شارع داوننغ ستريت، أدى إلى ترطيب العلاقات بين لندن وأبوظبي؛ حيث إن جونسون اشترك في مقاربته من المنطقة مع مواقف إدارة الرئيس الأمريكي المُغادر دونالد ترامب، إذ كان مؤيداً لخطوات ترامب في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس أو إحياء المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية،[12] أو تأييده المُتحمس للموقف الأمريكي الصارم من سلوكيات إيران في المنطقة[13]. توجهات رئيس الوزراء المحافظ بيَّنت كذلك إعجابه بالدبلوماسية الإماراتية؛ وبالذات بعد توقيعها اتفاقية السلام مع إسرائيل. ولا شك جونسون الذي لا يزال يُدير صُداع صفقة تفاوض خروج بلده من الاتحاد الأوروبي، ينظر بإعجاب إلى أقرانه الإماراتيين، وكان تصريحه العفوي الأخير على عتبات داوننغ ستريت لدى استقباله ولي عهد أبوظبي، دالاً؛ حيث قال: “الصفقة مع الإمارات أفضل”[14].

شاهد: فيديوغراف …أبرز المتغيرات بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

آفاق المستقبل:

كما ذكر التقرير، فقد قطعت العلاقات بين البلدين أشواطاً طويلة؛ ليس من ناحية نشاط الاستثمارات فحسب، بل كذلك التقارب التدريجي في الندية والحاجة الاستراتيجية إلى نقاط قوتهما. إن العقد الثاني من الألفية الجديدة يحمل معه الكثير من آفاق التعاون التي تبدأ من حاجة لندن إلى الإمارات كمصدر للاستثمارات وكمنصة مرنة وذات علاقات واسعة لترويج البضائع والخدمات البريطانية في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا، ولا تنتهي عند التعاون العسكري المشترك والذي سوف يقفز إلى مستويات جديدة بعد إقرار صفقة مقاتلات الـ”35-F” في مجلس الشيوخ الأمريكي لصالح الإمارات، ومن المتوقع أن يعتمد الإماراتيون كثيراً على خبرات السلاح الجوي الملكي البريطاني في استخدام هذه الطائرات المعقدة، وليس من المستبعد أن تقوم المقاتلات البريطانية بزيارات متكررة إلى قاعدة الظفرة الجوية للتدريب مع مثيلاتها الإماراتية. أما جيوسياسياً، فإن البروز الإماراتي المنتظم في المنطقة سوف يدفع لندن غالباً للتشاور مطولاً مع أبوظبي عند رسم سياساتها الشرق أوسطية.

 المراجع:

  1. https://sp.mofaic.gov.ae/EN/DiplomaticMissions/Embassies/London/AboutEmbassy/Pages/BilateralRelations.aspx
  2. نفس المصدر أعلاه
  3. https://www.theguardian.com/cities/2016/may/16/story-of-cities-43-dubai-world-trade-centre-turned-sand-gold-uae
  4. https://www.nytimes.com/2015/05/09/business/maurice-flanagan-airline-founder-is-dead-at-86.html
  5. https://gulfnews.com/business/gordon-brown-ends-fundraising-trip-1.141991
  6. https://www.bbc.com/news/uk-politics-15025599
  7. https://www.hurstpublishers.com/book/insecure-gulf/
  8. https://www.cnbc.com/2020/01/13/jcpoa-europe-stands-by-iran-nuclear-deal.html
  9. https://www.bbc.com/news/uk-54694440
  10. https://www.bbc.com/news/uk-54694440
  11. https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-8690/
  12. https://www.thenationalnews.com/world/europe/uae-approached-by-uk-for-post-brexit-trade-deal-1.824633
  13. https://foreignpolicy.com/2020/02/06/boris-johnson-bows-to-trump-on-the-middle-east/
  14. https://www.youtube.com/watch?v=A21B-qGrBpA
  15. انظر مذكرات عيسى صالح القرق بعنوان “ينابيع الذاكرة” والمنشورة في عام 1998.

[1]https://sp.mofaic.gov.ae/EN/DiplomaticMissions/Embassies/London/AboutEmbassy/Pages/BilateralRelations.aspx

[2] نفس المصدر أعلاه

[3] https://www.theguardian.com/cities/2016/may/16/story-of-cities-43-dubai-world-trade-centre-turned-sand-gold-uae

[4] https://www.nytimes.com/2015/05/09/business/maurice-flanagan-airline-founder-is-dead-at-86.html

[5] https://gulfnews.com/business/gordon-brown-ends-fundraising-trip-1.141991

[6] https://www.bbc.com/news/uk-politics-15025599

[7] https://www.hurstpublishers.com/book/insecure-gulf/

[8] https://www.cnbc.com/2020/01/13/jcpoa-europe-stands-by-iran-nuclear-deal.html

[9] https://www.bbc.com/news/uk-54694440

[10]https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-8690/

[11] https://www.thenationalnews.com/world/europe/uae-approached-by-uk-for-post-brexit-trade-deal-1.824633

[12] https://foreignpolicy.com/2020/02/06/boris-johnson-bows-to-trump-on-the-middle-east/

[13] https://www.theguardian.com/politics/2020/jan/05/boris-johnson-qassem-suleimani-was-threat-to-all-our-interests-lament-death

[14] https://www.youtube.com/watch?v=A21B-qGrBpA

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مروان البلوشي

باحث إماراتي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة إدنبرة.

مقالات ذات صلة