الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

العلاقة بين الحالة الاجتماعية المتردية وقابلية الفرد نحو التطرف

الجذور الاجتماعية المريرة للإرهاب

ترجمة كيو بوست –

المصدر: مجلة “عين أوروبية على التطرف”، بقلم أسرة التحرير.

لقد كانت خلفيات الإرهابيين في الأمس القريب محيرة لأنها لم تسفر عن نتائج ذات مغزى قابل للتحليل. لنبدأ مع أسامة بن لادن، على سبيل المثال، الذي وُلد لدى عائلة ثرية جدًا. على غرار أقرانه، كان بإمكان ابن لادن اختيار مسار آخر غير مسار الإرهاب، طريق مطلية بالذهب بعيدًا عن أيّ متاعب. كان بإمكانه أن يحظى بملذات الحياة، دون الانغماس في المشاكل التي تكبدها الأشخاص الأقل حظًا منه. لكن برغم كل ثروته، تخلى ابن لادن عن كل شيء، واختار مصاعب القضية الجهادية في جبال أفغانستان، وما يرافقها من جبروت آلة الحرب الأمريكية التي عملت ضده بعد 11 أيلول/سبتمبر.

اقرأ أيضًا: مفاجأة كشفتها دراسة جديدة: الفقر والبطالة ليسا أسبابًا رئيسة للتطرف

ألهمت هذه القصة الفعلية لـ”التضحية” الآخرين لحذو خطى ابن لادن. ابتداءً من المستويات العليا في المجتمع، ووصولًا إلى المقاتلين والمهاجمين الأقل، انحدر الكثير من إرهابيي القاعدة من أسر محترمة، أو عائلات فعالة مجتمعيًا على أقل تقدير. أبدى هؤلاء استعدادهم الكامل لتبديل فرص الحياة الجيدة بظروف قاسية جدًا في معسكرات التدريب، والمعارك الخطرة في الخطوط الأمامية. وفي أسوأ الأحوال، حسب وجهة نظر القاعدة المشوهة، استعد أولئك للانخراط في مسار الخطر باعتباره طريق “الشهادة المجيدة”.

وعلى النقيض من الجهاديين السابقين أصحاب الأيديولوجيات، فإن غالبية إرهابيي اليوم ليسوا أكثر من “خاسرين” مضطربين ذوي خلفيات اجتماعية بائسة وهزيلة. الجهاد ليس إلا إشارة مرور على طريق طويلة من الجريمة والعنف والدمار. تتجسد بداية هذه الطريق بعائلات تعاني من اختلال وظيفي عميق، وأحياء يائسة يطلق عليها “المناطق المحظورة”.

تشكّل قصة عبد القادر مراح دراسة حالة كاشفة لهذه الظاهرة. عبد القادر هو شقيق محمد مراح، منفذ هجمات تولوز الفرنسية عام 2012، التي راح ضحيتها 3 جنود فرنسيين، و4 طلاب مدارس، بينهم 3 أطفال. جرى تقديم عبد القادر للمحاكمة لصلته بهجمات أخيه. وقد كتب الصحفي الفرنسي سكوت سياري لمجلة “نيو ريبابلك” مراجعة مثيرة للاهتمام حول الجذور الاجتماعية المريرة لعائلة مراح. وفي مراجعته، ناقش سياري الاستنتاجات التي خرج بها أستاذ علوم الإنسان، الفرنسي آرييل بلانيكس، الذي درس ظاهرة تطرف الشباب لصالح وزارة العدل الفرنسية.

اقرأ أيضًا: لماذا يدعم المعتدلون المجموعات المتطرفة؟

يقول بلانيكس إن “الاضطرابات والصدمات التي تعرض لها الأخوان مراح متوسطة مقارنة بالحالات التي رأيتها من قبل. إلا أن عبد القادر رأى أخيه محمد كنموذج لتوليد الجهاديين الذين ظهروا في أعقاب هجماته المميتة، في سياق ما يطلق عليه العنف التفاعلي”. وجد بلانيكس بعد دراسة حالات القصّر، أن هؤلاء تعرضوا للإساءة، أو الاغتصاب، أو الهجر من قبل العائلة، وبعضهم مروا بهذه التجارب الثلاث”. ووفقًا له، “لو ظل أولئك القصّر على اتصال مع عائلاتهم، لما انخرطوا في أيّ مشاكل”. ويضيف بلانيكس: “على غرار الأخوين مراح، كانت طفولة أولئك القصّر مبنية على تراكمات من الفظائع والويلات”.

تشير مجموعة كبيرة من الأبحاث إلى أن الجيل الجديد من الجهاديين انخرطوا في هذا الميدان نتيجة لهذه الأسباب. وبالطبع، هذا لا يعني أن الجهادية مجرد مشكلة اجتماعية، إلا أن التطرف ينطوي على ما هو أبعد من أيديولوجية أو فِكر.

يقول سياري إن “هذه النتائج من شأنها أن تكون مصدرًا للطمأنينة، بمعنى أن التطرف ليس أزمة أيديولوجية شاسعة مصطنعة خصيصًا للغرب، ولا تشكل تهديد وجوديًا للمجتمع، لكنها تعمل على فئة معينة من السكان، فئة صغيرة متضررة وهامشية للغاية”.

ولكن ما يجعل العاملين في مجال التجنيد الجهادي محظوظين، هو أن روايتهم الإسلاموية تحظى بقبول الرجال المهمشين. وما يزيد من حظوظهم كذلك، هو أن المجتمعات الغربية ترتبك بسبب هؤلاء الرجال الممزقين ما بين مطرقة الاشمئزاز من المجتمع، وسندان شعور الذنب والغضب الناتجين عما يتعرضون له من إساءات.

اقرأ أيضًا: دراسة إيطالية تكشف: 3 دول عربية تميزت في جهود مكافحة التطرف

قد يتساءل بعض المواطنين الغاضبين: “لماذا ينبغي على الدولة أن تمنح مزيدًا من الاهتمام والمساعدة لأولئك المزعجين! انظروا، هنالك أناس يعيشون حياة صعبة جدًا ولا ينجرّون وراء التطرف والإرهاب”. الإجابة البسيطة على هذا التساؤل هو أن إهمال هؤلاء على المدى الطويل سيتسبب بتكاليف فظيعة على أمن المجتمع، تنطوي على مزيد من العنف والانتقام خلال سنوات عديدة قادمة. وعلى غرار ما يحصل في سوريا، قد تحقق السلطات فوزًا على الأرض على المدى القصير دون الاهتمام بالمتطرفين، لكنها ستعاني من “فِكر جريمة عميقة” على المدى الطويل. 

علينا أن نزيد من اهتمامنا لهوامش الغضب والاضطراب في المجتمع كي نتمكن من مكافحة التطرف، لا سيما أن السياسة الأوروبية تنزلق أكثر فأكثر نحو المواجهات القبلية الغاضبة والانقسامات الواسعة. من شأن تبني سياسات اجتماعية أفضل أن تكسبنا عائدًا أمنيًا منتظرًا، والهدف من ذلك، هو تجنب ظهور حالات مشابهة للأخوين مراح في عالمنا، أو تقليل أعدادهم على أقل تقدير.

وعلينا ألا نخطئ عند تبني هذه السياسات. فكما أظهرت التقارير في موقع “عين أوروبية على التطرف” وغيره، يجري استغلال الجهود السياسية والاجتماعية الأوسع من قبل الإسلامويين الذين يكتسبون منزلة الحارس والمؤثر، التي لا يستحقونها ويسيئون استخدامها بكل تأكيد. وبعبارة أخرى، الحل الذي يخلق مشاكل ليس حلًا على الإطلاق.

 

المصدر: مجلة “عين أوروبية على التطرف

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة