الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

العلاقات السعودية- الأمريكية سوف تصمد

لكنّ البلدين بحاجة إلى أن يتعلما كيفية التعامل بعضهما مع بعض بطريقة مختلفة

د. دينيس ساموت♦

كانت الأيام القليلة الماضية حاسمة بالنسبة إلى العلاقات الأمريكية- السعودية. أجرى الرئيس الأمريكي الجديد مكالمة هاتفية مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، أكد خلالها التزام الولايات المتحدة بدعم أمن المملكة؛ ولكنه أيضاً أوضح أن مسألة حقوق الإنسان ستكون في مقدمة مركز العلاقة التي ستتم إعادة معايرتها بين الولايات المتحدة، وصديقتها القديمة، وشريكتها وحليفتها؛ المملكة العربية السعودية. هذا أمر يجب أن يكون مرحباً به من الجميع، وهو لا يتعارض في حد ذاته مع رؤية المملكة للمستقبل.

ومع ذلك، فإن هنالك بعض القضايا التي يجب إنهاؤها؛ فنشر الحكومة الأمريكية تقرير خاشقجي، وفرض عقوبات على “76 سعودياً يعتقد أنهم متورطون في تهديد معارضين سعوديين في الخارج؛ بما في ذلك قتل خاشقجي في إسطنبول عام 2018” من شأنه أن يضع نهاية لمرحلة صعبة. سيتعين على الجميع أن يتعلموا الدرس.

التقرير الذي أعده مدير المخابرات الوطنية الأمريكية حول قضية خاشقجي يقول إنه من المعتقد أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، هو من أمر بالعملية ضد خاشقجي. والدليل الذي يقدمه التقرير يعتمد إلى حد كبير على شهادات أشخاص وليس على أدلة مادية ملموسة، وقد امتنعتِ الولايات المتحدة عن معاقبة ولي العهد السعودي نفسه. من جانبه، قال وزير الخارجية السعودي: “إن المملكة العربية السعودية ترفض رفضاً قاطعاً التقييم السلبي والخاطئ وغير المقبول المتعلق بقيادة المملكة والذي جاء في التقرير، وتشير إلى أن التقرير قد تضمن معلومات واستنتاجات غير دقيقة”.

اقرأ أيضاً: الكتب المدرسية السعودية تتخلى عن المحتوى المتشدد

إن ممارسة عمليات خارج الحدود ضد أعداء أو معارضين كما تراهم الدول هو ليس أمراً جديداً؛ وهو بالتأكيد لا يقتصر على المملكة العربية السعودية، إلا أن هذه العمليات دائماً ما تكون فوضوية، وتأتي بنتائج عكسية، ومن الجيد القضاء عليها.

يجب ألا تبقى العلاقات الأمريكية- السعودية قائمة على الصفقات فحسب

لقد صمدت العلاقات الأمريكية- السعودية أمام اختبار الزمن؛ عندما تم إرساء أسس هذه العلاقة كان البلدان مختلفَين تمام الاختلاف، ولكن مع مرور السنين تمكنتِ الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية من إيجاد ما يكفي من الاهتمامات والمصالح المشتركة لضمان استمرار علاقتهما. وفي هذا العام سيحتفل البلدان بالذكرى التسعين لإقامة علاقتهما الدبلوماسية، والذكرى السبعين لتوقيعهما اتفاقية تبادل التعاون العسكري.

نهج جو بايدن يشير إلى عملية إعادة ضبط للوضع مع المملكة العربية السعودية

قامت العلاقة بين البلدين إلى حد كبير على البراغماتية؛ فالولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية تحتاج كل منهما إلى الأخرى، وقد قامتا ببناء علاقات تناسب هذه الاحتياجات، تجلت في مجالات متعددة من التعاون في الدفاع والأمن والطاقة والتمويل والسياسة الخارجية، والسياسات الإقليمية. ومع ذلك فقد استمرت هذه العلاقة في التطور، وهي الآن قائمة على المستوى الإنساني؛ فهنالك 70,000 أمريكي يعيشون ويعملون في المملكة العربية السعودية، بينما يمضي أجيال من الطلاب السعوديين، إضافة إلى ضباط الجيش والأمن، أفضل أيام شبابهم في الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية. والآن تسعى الولايات المتحدة إلى التوصل مع المملكة إلى تغيير قواعد هذه العلاقة، لتصبح علاقة قائمة على القيم.

اقرأ أيضاً: القيادة القوية ضرورية الآن أكثر من أي وقتٍ مضى

في الماضي كانت العلاقة الأمريكية- السعودية قائمة على الصفقات والمصالح، ومرتبطة بأسعار النفط وشراء الأسلحة. وقد أخذ دونالد ترامب هذا النوع من العلاقة إلى مستوى غير مسبوق، وكان يجب أن يكون واضحاً للجميع أن هذا لا يمكن أن يكون وضعاً مستداماً.

اقرأ أيضاً:90  عاماً.. السعودية ملحمة التأسيس ورؤية 2030 المستقبلية

لقد حان الوقت لوضع أسسٍ جديدة لهذه العلاقة. حيث تجري عملية تحول ضخمة في المملكة بإلهام من الأمير محمد بن سلمان، وتحت قيادته، وكان من نتائجها زيادة تمكين المرأة وحصولها على حقوق وفرص أكثر من أي وقتٍ مضى، وكذلك بدأ الشباب يشعرون بالتقدير والتحفيز، كما بدأت البلاد ببناء نموذج اقتصادي يتجاوز النظام الريعي القائم على عائدات النفط. وقد بدأ أثر هذه التغييرات يتجذر في المجتمع السعودي. لا يستطيع كثيرون في الغرب فهم قوة المقاومة الداخلية لهذه الإصلاحات في الأجزاء المحافظة للغاية في النظام السياسي والديني السعودي التي تعارض هذه الإصلاحات بشدة.

المملكة العربية السعودية لا تستطيع تحقيق إصلاحاتها الطموحة بمفردها- “فاينانشال تايمز”

من ناحيتها، تتوقع الإدارة الأمريكية الجديدة من الرياض احتراماً أكبر لحقوق الإنسان ودرجة أكبر من المساءلة عندما تنتهك هذه الحقوق. وبشكل عام، فإن النظام القانوني السعودي يحتاج إلى أن يكون أكثر شفافية، وأن يضمن تمام المساءلة بغض النظر عن الوضعية. ومن المهم جداً أن يتم ترسيخ هذه التغييرات التي حدثت خلال السنوات الخمس الأخيرة، وأيضاً تسريع عملية الإصلاح. ويجب على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن يكونا شريكَين للملكة العربية السعودية في رحلتها الطويلة الوعرة هذه.

اقرأ أيضاً: إصلاحات السعودية.. رؤية متكاملة نحو التنمية المستدامة

أهمية المملكة كشريك أمني أساسي سوف تزداد

هنالك أيضاً قرارات أمنية يجب اتخاذها في المستقبل القريب؛ فالإدارة الأمريكية الجديدة يجب عليها أن تركز اهتمامها على التحديين الرئيسيين للنظام العالمي الحالي؛ روسيا والصين. وانتقال الاهتمام الأمريكي من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا هو أمر متوقع منذ فترة من الزمن، ويبدو أنه أمر حتمي لا مفر منه. وفي هذا السيناريو تحتاج الولايات المتحدة إلى استقرار منطقة الخليج؛ حيث تلعب المملكة دور الأخ الأكبر في شبه الجزيرة العربية ودور الثقل الموازن لإيران، وهذا الأمر يتطلب مقاربة مشتركة تجاه أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وخارجه.

اقرأ أيضاً: إصلاحات السعودية.. رؤية متكاملة نحو التنمية المستدامة

يجب على المملكة أن تواجه التحديات التي يطرحها السياق الدولي والإقليمي المتغير، ويكون ذلك من خلال إظهار النضج في أحكامها الخاصة أولاً، وفي ضمان الحفاظ على التضامن الخليجي الذي انبثق عن قمة العلا الشهر الماضي ثانياً، وثالثاً عبر توسيع العلاقات مع الحلفاء الآخرين مثل الاتحاد الأوروبي، والهند، لضمان ملء أي فراغ أمريكي بالشكل الصحيح. وبينما يقوم الأمريكيون بإعادة ترتيب وجودهم العسكري، من المرجح أن تظهر ترتيبات أمنية جديدة للمنطقة تلعب المملكة العربية السعودية فيها دوراً مركزياً.

لذلك يجب على الرياض ألا تنظر إلى نهج إدارة الرئيس بايدن الجديد على أنه تهديد؛ بل كفرصة للمضي قدماً في بناء علاقة أقوى وأكثر استدامة.

♦مدير مؤسسة لينكس للحوار والتحليل والبحوث، ومراقب ومعلق متخصص في الشؤون الخليجية

لمطالعة النسخة الإنكليزية: Saudi-US relations will endure, but the two countries need to learn to deal with each other differently

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة