الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

العلاقات التركية مع حزب الإصلاح اليمني.. قضايا يجب أن تحظى بالاهتمام

 د. أمل صقر ♦

يحظى الوضع في اليمن باهتمام بالغ من قِبَل عدد من مراكز البحث والتحليل، التي تتابع مجريات الأوضاع في هذا البلد العربي الذي مزَّقته الحروب والأطماع، وتشرح طبيعة التحالفات والعداوات المعقدة للأطراف السياسية هناك. في الآونة الأخيرة أظهرت التقارير الإعلامية إشارات عديدة إلى العلاقات التركية مع حزب الإصلاح اليمني، ومحاولات تركيا النفاذ إلى قلب العملية السياسية في اليمن من خلال هذه العلاقات، والتأثير فيها بما يخدم الأطماع التركية، إضافة إلى أخبار وتقارير تؤكد تقديم تركيا إمدادات السلاح إلى الحزب.

في مقابل ذلك، فإن الباحث عن كتب ودراسات وتحليلات جادة أصدرتها المراكز البحثية منذ بداية عام 2020؛ خصوصًا المراكز الغربية التي تهتم بهذه المنطقة من العالم، سيلاحظ ما يشبه غيابًا تامًّا للعلاقات المستترة بين تركيا وحزب الإصلاح في اليمن وتركيا، ولا يعدو الحديث عنها سوى إشارات خاطفة هنا أو هناك.

اقرأ أيضًا: اليمن: الإخوان والحوثيون وجهان لعملة واحدة في جيب تركيا وقطر

تركيا الحاضر الغائب

من الأمثلة التي قد تبدو بارزة في هذا الصدد، الإشارات التي وردت عرضًا في كتاب مهم صدر في نهاية شهر فبراير الماضي لمجموعة من الباحثين، بعنوان “التفاعلات العالمية والإقليمية والمحلية في الأزمة اليمنية”. وعلى الرغم من أهمية هذا الكتاب من جهة تنوعه وأسماء الباحثين المشاركين فيه وثقلهم البحثي، وتخصيص الكتاب أكثر من جزء وفصل للحديث عن حزب الإصلاح ودوره في اليمن؛ فإن علاقاته المشبوهة مع تركيا لم تحظَ بالاهتمام الكافي. ومن اللافت أيضًا أن الفصل الذي خُصِّص في الكتاب لدراسة الدور التركي في اليمن لم يقتصر على تركيا منفردةً، بل تناول إلى جانبها دور مصر، وكان الحديث عن مصر أكثر بكثير من نظيره عن تركيا التي اهتم هذا الفصل بعلاقاتها مع دول التحالف العربي بالأساس، ثم تحولها إلى مساندة قطر بعد مقاطعة الدول العربية الأربع لها. كما أشار الفصل إلى المساعدات الإنسانية التي دأبت تركيا على إرسالها إلى اليمن.

أما الإشارات الضمنية التي تظهر في هذا الفصل حول علاقة تركيا بحزب الإصلاح، فهي تضم استضافة تركيا اليمنية توكل كرمان، الحائزة على جائزة نوبل، والسماح لحزب الإصلاح اليمني بالعمل من هناك[1]. واختُتم الفصل بإشارة عابرة حول أن اهتمام تركيا باليمن بعد عام 2018 يتمحور أساسًا حول دعم حزب الإصلاح؛ لخدمة المصالح التركية، دون تقديم تفصيل في هذا الصدد[2].

إحدى المسيرات الشعبية في اليمن ضد حزب الإصلاح – وكالات

الدراسة الأخرى التي تناولت الموضوع، صدرت مؤخرًا عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، بعنوان “الحرب والسلام.. الانقسامات السياسية في جنوب اليمن”، وقد وردت فيها عبارة وحيدة عن لجوء عضو حزب الإصلاح، صلاح باتيس، إلى تركيا، وإقامته هناك هو وغيره من أعضاء الحزب[3].

أجندة مهمة تغيب عن الباحثين

يُضاف إلى النماذج السابقة الأبحاث التي صدرت مؤخرًا عن مجموعة الأزمات الدولية؛ وهي من أكثر الجهات التي تهتم بدراسة اليمن بعمق. فبمراجعة التقريرَين الأخيرَين الصادرَين عن المجموعة، نجد غيابًا تامًّا للإشارة إلى الدور التركي في تصعيد الصراع هناك، ودعم تركيا لحزب الإصلاح.

اقرأ أيضًا: تحت مظلة حزب الإصلاح.. الاستخبارات التركية تزداد نفوذًا في اليمن

ويبدو من الاستعراض السابق أن هذه الكتابات تركز على العلاقات التركية- اليمنية التاريخية، ويأتي الحديث عن علاقاتها مع حزب الإصلاح في هذا السياق، كما تركز على عناصر حزب الإصلاح التي فرَّت إلى تركيا؛ لتواصل ممارسة نشاطها منها. وقد يكون أحد أسباب ذلك أن تركيا اعتمدت لفترة على قطر في تنفيذها أجندتها في اليمن بالوكالة.

وبصفة عامة، فإنه عند الحديث عن أي سيناريوهات مستقبلية لليمن، لابد من معالجة عدد من القضايا المهمة المرتبطة بالدور التركي فيه؛ ومنها التالي:

أولًا: التأكيد أن السياسة التركية تهدف إلى استعادة النفوذ التركي والوجود في المناطق التي كانت خاضعة في السابق للحكم العثماني، ومن هذه المناطق البحر الأحمر وبحر العرب ومضيق باب المندب، وتجد تركيا العون في حزب الإصلاح، الامتداد الطبيعي لجماعة الإخوان المسلمين وحزب العدالة والتنمية التركي. ومن ثَمَّ فإن انقلاب الإخوان على الشرعية في اليمن يُعتبر أمرًا طبيعيًّا ومفهومًا في هذه الحالة.

حميد الأحمر

ثانيًا: وفَّرت تركيا ملاذًا آمنا لعدد كبير من اليمنيين الفارين من اليمن، وفي مقابل ذلك استثمر هؤلاء أموالًا ضخمة ساعدت الاقتصاد التركي. فقد أودع هؤلاء وأغلبهم من رجال الأعمال اليمنيين المنتمين إلى “الإصلاح”، ملايين الدولارات في المصارف التركية؛ ومن أمثلة ذلك الثروة الطائلة لحميد الأحمر. ووَفقًا للتقارير التركية، فقد أسَّس اليمنيون 164 شركة في تركيا برأسمال يمني خلال الفترة من 2017 إلى منتصف 2019، واحتلوا المرتبة التاسعة بين الأجانب الأكثر شراءً للمنازل في تركيا.

ثالثًا: تؤكد الوثائق توافد عدد من ضباط الاستخبارات الأتراك إلى اليمن تحت مظلة الأعمال الإغاثية، وبدعم مباشر من حزب الإصلاح اليمني، بالإضافة إلى وجود عدد من المنظمات التركية؛ ومنها هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات.

اقرأ أيضًا: سيناريوهات تشكيل قيادة مشتركة بين “إخوان اليمن” وتركيا ضد تحالف دعم الشرعية في طور التبلور ما لم تجد ما يردعها

رابعًا: استخدام أردوغان الاستخبارات التركية لتنفيذ بعض العمليات التركية في الخارج؛ ومن بينها دعم حلفائه مثل حزب الإصلاح في اليمن. ولا يتوقف الدعم الاستخباراتي التركي عند الأمور الاستخباراتية العادية؛ بل يمتد الأمر إلى تهريب الأسلحة إلى اليمن. وسبق أن صادرت دولة الإمارات في مارس 2012 نحو 16 ألف بندقية تركية كانت في طريقها إلى اليمن.

ماذا إذن؟

يبدو أن هامش التفاؤل الذي كان مطروحًا لإنهاء الحرب في اليمن مع نهاية 2019 يتراجع الآن؛ فاستمرار القتال على خطوط رئيسية في شمال اليمن من جانب والضربات الصاروخية التي يشنها المتمردون الحوثيون والتي دفعت القوات السعودية إلى الرد، تشي باستمرار الصراع.

اقرأ أيضًا: علاقات مثيرة للجدل تربط رئيس حزب الإصلاح اليمني مع تركيا

ووَفقًا لبعض التحليلات، فإن هناك حاجة إلى تبنِّي عدد من الخطوات؛ منها الضغط الدولي على تركيا لوقف التدخل بطريقة تقود إلى مزيد من إشعال للأزمة. وهناك حاجة أيضًا إلى تنفيذ ما دعت إليه إحدى مبادرات مجموعة الأزمات الدولية؛ وهي تشكيل مجموعة اتصال تتكون من معنيين إقليميين ودوليين رئيسيين، تشمل السعودية والإمارات والكويت وعُمان، إضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي. لكن من المهم -بالإضافة إلى هذا الاقتراح- إدراج نقطة في غاية الأهمية؛ وهي ممارسة الضغوط الممكنة على تركيا لوقف تدخلاتها في اليمن.

♦ باحثة في العلوم السياسية 

المراجع:

[1] Özlem Tür, Turkey and Egypt in the Yemen Crisis, in: S. W. Day, N. Brehony (eds.), Global, Regional, and Local Dynamics in the Yemen Crisis, Palgrave Macmillan, Cham, 2020, P. 185

[2] Ibid, p.190

[3] Raiman al-Hamdani and Helen Lackner, War And Pieces: Political Divides In Southern Yemen, ECFE, January 2020, p. 16 https://www.ecfr.eu/publications/summary/war_and_pieces_political_divides_in_southern_yemen

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة