الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

العلاقات الأمريكية – الأوروبية على صفيح ساخن: فما هي الأسباب؟

ما مصير التحالف في ظل تفاقم الخلافات؟

كيو بوست – أحمد أمين نمر

تشهد مواقف الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي تجاه القضايا السياسية المختلفة حالة من التوترات جعلت العلاقات بين الجانبين توصف على أنها على صفيح ساخن، لتلوح بعاصفة سياسية في الأفق القريب، فما هي الأسباب التي فاقمت الخلافات بين الحلفاء؟

يمكن تلخيص أسباب الخلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي عبر 3 ملفات رئيسة، هي ملف الاتفاق النووي الإيراني، وملف تفاقم خلافات الولايات المتحدة مع روسيا، بالإضافة إلى ملف مساهمة الدول الأوروبية في حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

اقرأ أيضًا: أدلة تؤكد بدء سباق التسلح من جديد بين الولايات المتحدة وروسيا

 

الملف الإيراني: جوهر الخلاف الأمريكي – الأوروبي

يمكن حصر السبب الأهم في تأزم العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالملف الإيراني؛ فاستمرار تعامل أوروبا مع إيران وسعيها إلى التحايل على العقوبات المفروضة على طهران لإنقاذ الاتفاق النووي رغم الانسحاب الأمريكي منه، من خلال اعتماد آلية جديدة تسمح بالتعامل التجاري مع إيران، أزعج الإدارة الأمريكية التي تدفع باتجاه تشديد الخناق على طهران والاستعداد لتطبيق حزمة ثالثة من العقوبات عليها.

ودعت واشنطن في كثير من المناسبات الاتحاد الأوروبي إلى الكف عن التعامل مع إيران لسلوكها المزعزع للاستقرار في العالم، مطالبة دول الاتحاد بالانسحاب من الاتفاق النووي، متهمة بعض الدول الأوروبية، على رأسها فرنسا وبريطانيا، بمساعدة “طهران” للإفلات أو التهرب من العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.

ووجه نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، خطابًا شديد اللهجة أمام مؤتمر ميونخ الأمني، حين قال: “حان الوقت لأن يوقف حلفاؤنا الأوروبيون عرقلتهم العقوبات الأمريكية على إيران، وأن ينسحبوا من الاتفاق النووي… لن نقف ساكتين بينما يشتري حلفاؤنا أسلحة من خصومنا”.

اقرأ أيضًا: إذا اندلعت الحرب بين روسيا والولايات المتحدة، لمن ستكون الغلبة؟

وتواجه هذه المطالبات برفض من الدول الأوروبية باستمرار، إذ إن تأكيد مفوضة الشؤون الخارجية وسياسة الأمن في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، في بيان صحفي صدر يوم الجمعة على الموقع الإلكتروني للمفوضية، على مواصلة السير على خطة العمل المشتركة حول البرنامج النووي الإيراني، يعني أن التوترات السياسية ستزداد في ظل استمرار ثبات مواقف الطرفين من الملف الإيراني، خصوصًا مع اقتناع الاتحاد الأوروبي أن الاتفاق النووي هو صمام أمان لتفاقم الأوضاع في المنطقة.

وكان ذلك قد ظهر في تصريح وزير الخارجية الألماني هايكو ماس في كلمته أمام مؤتمر ميونيخ الأمني، حين قال: “إننا إلى جانب البريطانيين والفرنسيين وكل الاتحاد الأوروبي قد توصلنا إلى آليات لدعم بقاء إيران في الاتفاق النووي… المنطقة من دون الاتفاق النووي لن تكون أكثر أمنًا، بل تقترب خطوة أكثر نحو صراع واضح”، وهذا التوجه يخالف رؤية الولايات المتحدة التي تعتبر أن الاتفاق النووي تهديد كبير للعالم أجمع، وليس للمنطقة فحسب، ويجب الانسحاب منه وتعديل بنوده بما يضمن عدم حصول طهران على السلاح النووي.

 

تفاقم الخلافات الأمريكية – الروسية يقلق أوروبا

يقلق تفاقم خلافات الولايات المتحدة مع روسيا الاتحاد الأوروبي بشكل عام؛ فانسحاب واشنطن وموسكو من معاهدة القضاء على الصواريخ النووية متوسطة وقصيرة المدى ينذر بمرحلة حرب باردة ثانية بين البلدين على غرار الحرب التي انطلقت عام 1983 وانتهت بتوقيع الاتفاقية بعد 4 سنوات. ويشكل الانسحاب من الاتفاقية خطرًا حقيقيًا على العالم أجمع بشكل عام، وعلى دول أوروبا تحديدًا، في ظل سباق التسلح النووي بين البلدين، وهو الأمر الذي جعل المخاوف الأوروبية تتزايد من تجدد سباق التسلح النووي.

اقرأ أيضًا: هل سيشعل الانسحاب الأمريكي من معاهدة النووي مع روسيا سباق التسلح؟

وكانت أعمال مؤتمر ميونخ للأمن المنعقد في ألمانيا أكبر شاهد على هذا القلق الغربي من التسلح النووي؛ فالمستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، أشارت إلى قلق الغرب من القدرات العسكرية لموسكو بعد تعليق المعاهدة الروسية الأمريكية لخفض مخزون الصواريخ النووية متوسطة المدى، فدعت إلى تكثيف الجهود للحد من التسلح لتشمل الروس والأمريكيين والأوروبيين والصينيين، وقالت إن “الحد من التسلح أمر يعنينا جميعًا، وسيسرنا ألا تقتصر المفاوضات بشأنه على الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا، بل وأن تشمل الصين أيضًا”، كما أكدت أن أوروبا غير معنية، ولا مصلحة لها بضرب العلاقات مع روسيا من الناحية الجيوسياسية، معتبرة أن العزل السياسي المتعمد لروسيا خطأ إستراتيجي.

 

مساهمة أوروبا في حلف “الناتو”

يبدو أن مطالبات الإدارة الأمريكية المستمرة للدول الأوروبية بضرورة رفع قيمة مساهماتها المالية في حلف شمال الأطلسي “الناتو” صعدت من التوترات في الأجواء الأوروبية – الأمريكية؛ فتلميح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة بالانسحاب من حلف “الناتو” في ظل عدم التزام بعض الدول بمساهماتها المالية أو انخفاضها مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية، يعني أن العاصفة السياسية يمكن أن تحدث في أي لحظة، لا سيما أن قصور كثير من الحلفاء الأوروبيين عن الاقتراب حتى من هدف الناتو، المتمثل في إنفاق 2% من ناتجهم القومي على الدفاع بحلول عام 2024، يثير غضب دونالد ترامب الذي اتهمهم بالاستفادة على حساب بلاده.

وتحتاج أوروبا إلى تعزيز الإنفاق على الدفاع بأكثر من 100 مليار دولار للإيفاء بتعهدات حلف شمال الأطلسي، حسب تقرير صادر عن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، الذي أظهر أن الدول الأوروبية السبع والعشرين في حلف الناتو، كان عليها أن تنفق 102 مليار دولار إضافية، لتصل إلى الهدف المحدد بنسبة 2% في عام 2018، علمًا أن الولايات المتحدة تنفق أكثر من ضعفي ما ينفقه الأوروبيون على الدفاع؛ ففي عام 2018، أنفقت واشنطن ما يقرب من 650 مليار دولار، مقارنة بنحو 250 مليار دولار لجميع الدول الأوروبية في الناتو.

اقرأ أيضًا: أقوى أسلحة من صنع الإنسان تهدد البشرية

في المحصلة، تفاقم هذه الأسباب الثلاثة الخلاف بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لدرجة يمكن أن تعرقل جهود الولايات المتحدة لبناء إجماع مع حلفائها حول سياستها الشرق أوسطية، وستشكل حجر عثرة للخطوات المستقبلية لواشنطن التي تعتبر نفسها الضامن الرئيس للمصالح الأمنية للدول الغربية خارج حدود القارة الأوروبية.

وسيشكل اتساع الفجوة في الرؤى والأهداف الإستراتيجية للطرفين وعدم التوافق على إيجاد آلية أزمة حقيقية للحلفاء في مواجهة خطر الروس وحلفائهم المتماسكين، مما قد يرسم ملامح ميزان قوى جديد للعالم يتصدره الحلف الروسي على حساب الولايات المتحدة وحلفائها.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة