الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةحوارات

العلاجات السياسية للتطرف في العالم العربي مالت إلى الاتجاهات الترقيعية

"كيوبوست" يحاور الباحث العماني بدر العبري حول رحلته الفكرية

كيوبوست

يمتلك الباحث العماني بدر العبري، تجربة ثرية جديرة بإلقاء الضوء عليها؛ تبدو أبرز ملامحها في خوض غمار معركة العقل والفكر بشجاعة ووعي ومعرفة أصيلة، ومواجهة التطرف الفكري والانغلاق والتشنج، على أسس من “التعارف والعقلنة والأنسنة والتنوير”؛ وهي القيم الحاضرة في كتاباته وأنشطته الفكرية منذ سنوات. ويمثل هذا الحوار مع الأستاذ بدر العبري، اقتراباً من عالمه، وتأملاً في رحلته وتجربته.

– الأستاذ بدر العبري.. هل يمكن أن تُقدِّم نفسك لقرائنا باختصار.. مَن هو بدر العبري؟ وما مهمته أو مشروعه الذي اختاره لنفسه ووقف عليه جهده وإنتاجه الفكري منذ سنوات؟

الجواب: التعريف عن الذات بسعتها مع الوجود ليس أمراً هيناً؛ ولكن بالمعنى الكسبيّ أنا باحث بسيط جداً في فضاء الوجود الإنساني، باحثاً عن الإنسان نفسه، لأستمتع بجمال التعددية في الوجود الإنساني، وأدرك بها انعكاسات تعددية الوجود ذاته، لأتماهى مع وحدة الماهية بين البشر جميعاً.

أما عن المشروع الذي أشتغل عليه فهو الإنسان ذاته، وكشف جمال تعدده واختلافه، وكيف نوجه هذا الاختلاف في استثماره إيجابياً لصلاح الأرض ونمائها وبنائها، وإبعاده عن الخلاف والصراع والشقاق والنزاع والاحتراب.

الباحث العماني بدر العبري

اقرأ أيضًا: ندوة عين أوروبية على التطرف: نظرة فاحصة للنزعات الذكورية المتطرفة

لهذا ابتدأت بداية من البيت الإسلامي -إن صح التعبير- مدركاً خطر التكفير والإقصاء واستغلال الدين سلبياً في نشر التطرف والكراهية، فكتبت وأنا في بداية العشرين من عمري عن التطرف في تحريم جمال السماع والموسيقى، وجعلها من قضايا الدين القطعية في عام 2003م، لأطوره بعد أكثر من خمس عشرة سنة، من خلال فلسفة الجمال المتمثلة في قيمة الجمال التكوينية من جهة، والمضافة محاكاة وتقليداً من جهة ثانية؛ ليصدر في كتاب الجمال الصوتي: تأريخه وفلسفته الفقهية (مراجعة في النص الديني حول الغناء والمعازف) في 2020م.

غلاف كتاب “الجمال الصوتي”

كذلك بحثت عن الإقصاء الفكري داخل البيت الإسلامي، تحت مصطلح الولاء والبراء، والتكفير والتفسيق، والحب والبغض، فكتبت كتاباً لم يصدر حول القمع الفكري بين المدارس الإسلامية (أسباب وآثار) في 2006م، ليكون محوراً لحوارات مع الشباب على “فيسبوك”، متوسعاً في قضايا تطرفية أخرى في ما يتعلق بتكفير الدولة المدنية والقانون المدني، وتوسيع دائرة الدين، وتضييق دائرة الرأي، وأسهبت في ذكر نماذج عملية لذلك، ليصدر في كتاب بعنوان “فقه التطرف” عام 2017م.

اقرأ أيضًا: الاتجاهات الجديدة للإرهاب ومكافحة التطرف في منطقة البحر الأبيض المتوسط

–  الأنسنة والتعارف والعقلنة والتنوير.. أركان أساسية في مؤلفاتك ولقاءاتك وحلقاتك المعروفة على “يوتيوب”، كيف ترى جهود تعزيزها في العالم العربي الآن؟

الجواب: هناك عشرات من القراءات والبحوث في جوانب الأنسنة والتعارف والعقلنة والتنوير في الأدبيات العربية في القرن العشرين، وهناك جهود مقدرة أغلبها فردية واجتهادات شخصية، ومع مرور العالم العربي بتيارات ماضوية أحدثت انحرافاً عن خط التنوير، ورجوعاً إلى استنساخ الماضي، والتوجس الموصل إلى التكفير والإقصاء من الناقد للعقل التراثي، والباحث عن العقل في حاضره وإنسانيته، ومع هذا، بعد هذا المخاض في هذه المرحلة؛ ندرك أن الوعي اليوم في صورته الأفقية، أكثر انشراحاً وتمدداً.

ولهذا ما أقدمه شخصياً حول الأنسنة والتعارف والعقلنة والتنوير، ليس ابتداعاً أتفاخر به، بقدر ما هو تذكير لجهود كبيرة من قامات فكرية في العالم العربي، بعيداً عن الأسماء وهي معروفة، أحاول التذكير بها ومراجعتها توافقاً مع اللحظة التي نعيش فيها، والمرحلة الظرفية والتأريخية التي نتدافع في مرحلتها، لما لها من ضرورة اليوم لنقل العالم العربي من صراع الماضي إلى بناء الحاضر، ومن ضيق الهوية إلى سعة الماهية، ومن جمود الثقافة إلى حركة الحضارة.

الباحث العماني بدر العبري خلال حوار عن الديانة البوذية

–  من خلال تجربتك، كيف يمكن أن تتلاقى جهود رموز الأنسنة والعقلنة والتنوير في العالم العربي، وأن يلتئم بعضها ببعض، وتتكامل مشروعاتها ورؤاها على النحو الذي يمنحها المزيد من القوة والتأثير؟

العالم اليوم، إعلاماً وحضوراً، تقارب بشكل كبير جداً؛ لهذا قد يتداخل هنا خطان، الخط المؤسسي والاجتهاد الفردي؛ والخط المؤسسي بلا شك الأقوى ديمومة وأثراً، سواء على المستوى الرسمي أو الأهلي، بيد أن الفرد اليوم يمكنه إيجاد مؤسسة بذاته؛ ليست بذات التكلفة، كما أن لها حضورها أيضاً، وهذا على الفضاء الإلكتروني.

وعموماً التكامل جميل؛ ولكن غالبه رومانسي لا واقعي، وإنما الواقعي في نظري هو أن يشتغل الجميع في نقاط واتجاهات متعددة، وأن يخلق أفكار التنوير في المجتمع، ويدعها تتدافع؛ المهم علينا أن نتخلص من وهم الخوف من أية سلطة كانت، وأن نستغل الفضاء المفتوح، وأن تتسع صدورنا لبعضنا.

اقرأ أيضًا: إعادة صياغة النقاش حول مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف

–  ما العوائق التي ترى أنها تعترض جهود الأنسنة والعقلنة والتنوير في العالم العربي والإسلامي؟ وكيف يمكن مواجهتها؟

الجواب: العوائق التي تعوق حركة الأنسنة والعقلنة والتنوير في العالم العربي عديدة، كما أسلفنا؛ وغالبها يدور في اجتهاد شخصي، منهم مَن يجاهد ويستمر، ومنهم مَن يتوقف عند نقطة معينة، ويشتغل بذاته، وقد يميل إلى العزلة والانفصال عن الواقع الخارجي؛ حتى على مستوى محيطه الجغرافي الضيق، كما أن الخطابات في العالمَين العربي والإسلامي ما زالت تهيمن في العديد من الدول الخطابات الماضوية من جهة، والخطابات الهوياتية؛ دينية أو مجتمعية أو سياسية، من جهة مقابلة.

الباحث العماني بدر العبري

على أنه أيضاً حركة التداخل والتدافع داخل المحيط العربي ضعيفة جداً؛ فهناك اشتغالات متفرقة؛ لكنها منفصلة كثيراً عن الآخر القريب، فكيف إذا خرجنا إلى العالم الإسلامي بتعدد لغاته وقومياته، فضلاً عن العالم الإنساني الذي أصبحنا نعيش في قرية واحدة؛ فمثلاً بسبب ضعف الترجمة، وهي مهمة في نشر الوعي والتنوير، إلا أنها لا تجد دعماً في العربي، وحركتها ضعيفة جداً في زمن تتضاعف فيه المعرفة بشكل يومي، فتضيع عنا معارف في عوالم مختلفة، والعكس صحيح أيضاً؛ فالكتاب والمعرفة العربية لا تجد ضالتها لتترجم إلى الآخر، وتتدافع معه.

على أن الدراسات الاستغرابية أيضاً ضعيفة مقابل الدراسات الاستشراقية؛ فنحن علينا أن نكشف الآخر كما هو يشتغل بكشفنا، وأن لا يقتصر عند الجانب المادي والتكنولوجي وعالم الطبيعة؛ بل عليه أن يبحر في عوالم الإنسان والعلوم الإنسانية المتعددة.

غلاف كتاب “القيم الخلقية والإنسان”

–  كيف وضعَ التطرفُ في العالم العربي والإسلامي الإنسان؟ وإذا قارنَّا الوضع الحالي بالوضع قبل عقدَين مثلًا، على اعتبار أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر كانت لحظة محورية، فهل أصبح التطرف والتشدد ودعاتهما وجماعاتهما أقوى أم أضعف؟

الجواب: التطرف من الطّرف، وهو مباين للوسطية والاعتدال، وموجود في الاجتماع البشري منذ القدم، قد يزيد وقد ينقص، إلا أنه يتعقد عندما ينطلق من المقدَّس؛ فيصعب تفكيكه في العقل الجمعي إلا بإرادة سياسية قوية.

وما حدث في مرحلة الصحوة من وجود جامعات ومؤسسات دينية، تتسم بالماضوية من حيث استلهام نصوص الماضي وأدواته بالكلية، ومتفككة أيضاً من حيث المذهبية الملغية للآخر وَفق النصوص الكلامية حتى داخل المذاهب الإسلامية نفسها، بيد أن مشترك الخطاب الديني العنيف ضد الاتجاهات الإنسانوية والليبرالية والعلمانية، بل والناقدة داخل اللاهوتي الديني نفسه هو حاضر عند الجميع بدرجات متفاوتة وَفق الفضاء المتاح.

اقرأ أيضًا: متطرفون ضد متطرفين.. هل تنجح حملة “طالبان” ضد تنظيم الدولة الإسلامية؟

  إلا أن هجمات الحادي عشر تحوي أبعاداً متشابكة؛ فمن جهة أظهرت الواقع التطرفي على السطح، ومن جهة أخرى أحدثت وعياً عند السياسات العربية تجاه خطاب العنف والكراهية، إلا أنه أيضاً استغل مخابراتياً وَفق جماعات متطرفة ظهرت لاحقاً، ومارست عنفاً من خلال نصوص الدين والتأريخ ذاته.

بيد أن العلاجات السياسية في العالم العربي مالت إلى الاتجاهات الترقيعية، مبعدةً في الغالب الاتجاهات العقلانية والإنسانوية، والناقدة من داخل الدين نفسه بأدوات متقدمة وليست ترقيعية، وبقيت ذات المؤسسات والجامعات الدينية على حالها، فقط جددت في خطابها الظاهري دون تجديد القراءات والأدوات، مبعدةً العقل الناقد عن هذه المؤسسات.

غلاف كتاب “فقه التطرف”

–  إلى جانب الكتابة في الصحف والمجلات وإصدار الكتب، كانت تجربتك في استخدام “يوتيوب” لمخاطبة فئات واسعة من الجمهور تجربة اتسمت بكثير من التميز، وحققت ما يمكن اعتباره نجاحاً ملحوظاً، فما تقييمك لجوانب قوتها وضعفها؟ وما مدى تأثيرها من وجهة نظرك؟

الجواب: انتقالي إلى يوتيوب ارتبط في الابتداء بعملي الاجتماعي، ولكوني منذ الابتداء عندي من الميول الإعلامية من خلال المسرح والكاسيت سابقاً، إلا أني اكتشفت استغلال يوتيوب مؤخراً، أي في نهايات عام 2017م، مستغلاً أدوات بسيطة من خلال الهاتف تصويراً ومونتاجاً، بيد أني وجدت نفسي أبحر في عالم آخر مع الإنسان الآخر أياً كان مذهبه ودينه وفكره يزداد يوماً بعد يوم، محاولاً الجلوس معه، والسماع منه، لتقترب القناة إلى أكثر من خمسمئة مادة خلال ثلاث سنوات فقط، وهذا استفدت منه شخصياً مصححاً الأفكار المغلوطة في ذهني مسبقاً تجاه الآخر المختلف، وفي الوقت نفسه وسَّع من مداركي المعرفية والنقدية والإنسانوية.

على أن القناة متواضعة، وما زلت مستخدماً تقنية الهاتف، وباجتهاد شخصي؛ لعلها تتحوَّل مستقبلاً إلى موسسة وقفية تُعنى بهذا الجانب، كما أن الجانب المونتاجي فيها ضعيف جداً، بجانب ضعف الترويج لها.

–  يلفت النظر في قناتك على “يوتيوب” التنوع الكبير للموضوعات والبلدان التي ينتمي إليها ضيوفك؛ حيث يغطون مساحة جغرافية واسعة تمتد من العالم العربي إلى جميع أنحاء العالم.. وهذا يقودنا إلى سؤال: كيف تحدد موضوعاتك؟ وكيف تختار هذه الكوكبة المتميزة ممن تستضيفهم؟

الجواب: في الحقيقة بعضها يدخل في بحثي حول الإنسان في ما يتعلَّق بدينه ولغته وهويته؛ لهذا حالياً أركز على الأديان والفلسفات والثقافات والتوجهات واللغات القديمة.

 وغالب مواد القناة لا يدخل في هذا التنظيم، ففيها من التنوع العشوائي بعيداً عن التكرار، مستغلاً الباحثين والمفكرين في الجوانب الإنسانية الذين يزورون عُمان، أو ألتقيهم في سفري، لهذا سيجد القارئ في القناة موضوعات لاهوتية وفلسفية سياسية واجتماعية وعلموية.. وغيرها، محاولاً أن تكون القناة موسوعة في كل المعارف الاجتماعية والإنسانية والتأريخية والعلموية.

وعلى هذا يتحدَّد الموضوع حسب النَّسق الذي أشتغل عليه من جهة، وحسب المضاف وتخصصه المعرفي من جهة ثانية.

اقرأ أيضًا: التطرف تفكير شيطاني يبعث الثقافة البدائية ويعيد سيرة التوحش الإنساني في التاريخ

غلاف كتاب “إضاءة قلم”

–  أصدرت كتاباً جديداً في فبراير 2022، بعنوان “التعارف: تعريف بالذات ومعرفة للآخر”، فهل يمكن التعريف به باختصار؟ ولماذا اخترت أسلوب التعريف السريع والمرور العابر بالديانات والمذاهب والعقائد المختلفة؟ ألم يكن الأمر يحتاج إلى مزيد من التوقف والبحث عمقاً في أصول هذه الديانات والعقائد لتبدو صورتها أكثر وضوحاً وتماسكاً واكتمالاً؟

هذا الكتاب هو الحلقة الثانية لكتاب “إضاءة قلم”؛ حيث كانت الحلقة الأولى حول التعايش وفيها رحلة إلى قم الإيرانية ودولة الكويت وخلاصة رحلتي لسنوات إلى الحج، وهذه حول التعارف، وفيها الرحلات إلى شيكاغو وتكساس والبحرين وظفار في عُمان، وهدفه التعرف على الآخر ليس بالمعنى الفلسفي والتفكيكي النقدي، وإنما أقرب إلى الكشف ووضع خطوط سريعة وَفق مذكرات لا أبحاث معرفية وأكاديمية.

وسيجد قارئ الكتابَين العديد من المفاتيح على العديد من المستويات، ممكن بذاتها أن تكون مفردات بحثية لدراسات أكاديمية، وفي الوقت نفسه يمكن أن تعطي هذه الصورة السريعة للأديان والثقافات خطوطاً ترفع اللبس من جهة، وتكشف الآخر المختلف من جهة ثانية، وتقرب المشترك الإنساني من جهة ثالثة.

غلاف كتاب “التعارف: تعريف بالذات ومعرفة للآخر”

–  خطك الآن واضح ومعروف؛ لكن يبدو أنك اجتزت مراحل من التطور الفكري، ففي خطبة جمعة قديمة لك منشورة على صفحتك على يوتيوب بعنوان “من المستهزئ الحق بالنبي الأكرم؟”، نجد لديك خطاباً مغايراً لخطابك الحالي.

الجواب: الإنسان بطبعه متطوِّر في فكره ونظرته إلى الحياة؛ فما تكتبه وتنشره، خطاباً أم كتابة، قبل سنوات قد لا تقبله اليوم، وما تكتبه اليوم قد ترفضه أو تتراجع عنه أو تطوِّره بعد عشر أخرى، وهذا طبع الإنسان، وطبيعي أن يتجدد الإنسان؛ خصوصاً إذا ولد في عالم منغلق على ذاته، ثم يجد عوالم أكثر سعة، فإما أن يجمد على هويته، فتضيق ذاته، وإما أن يدرك سعة هذه العوالم، فتتسع ذاته، وتتسالم مع الآخر المختلف، وتعيش في طبيعتها الكينونية والوجودية بلا انغلاق ولا صراع وتنافر، وهذا ما أجده اليوم؛ حيث أرى ذلك الجمال الإلهي في هذا الإنسان المختلف عني كما أراه في ذاتي، فتجاوزت الوحشة والانغلاق إلى الإنسان وسعة الوجود.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة