الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

العصيدة والحلو مر يتسيدان المائدة الرمضانية السودانية

قبل حلول رمضان بنحو شهرين تشرع الأُسر السودانية الحضرية والريفية في تجهيز ما يلزم لتحضير الأطباق التقليدية في الشهر الكريم

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

منذ وقتٍ مبكر قبل حلول رمضان بنحو شهرين، تشرع الأسر السودانية الحضرية والريفية في تجهيز (مقاضي) الشهر الكريم، من تمر ودقيق وبهارات؛ من أجل صناعة المشروب الرمضاني الأول المعروف بـ”حلو مُرْ”، وغيره من لوازم المائدة الرمضانية السودانية؛ مثل “الويكة”، وهي مسحوق البامية الجافة، واللحم القديد (الجاف)، بجانب الكركديه والقونقوليز (ثمار أشجار التبلدي) واسمها العلمي «أدانسونيا»، ويُطلق عليها في بعض مناطق العالم “الباوباب”.

اقرأ أيضاً:  “الضرا” أو إفطار الشوارع.. تقليد رمضاني عريق في السودان

حلو مُر

تقول الباحثة في التراث الصوفي الشعبي تماضر الطاهر، لـ” كيوبوست”: تقوم النساء بعملية إعادة “تزريع” منزلية لنوع من الذرة الرفيعة حمراء اللون، اسمها “الفيتريتا”، تعقبها عملية تجفيف للذرة المُزرَّعة، ثم طحنها وتحويلها إلى دقيق ناعم، تُضاف إليه أنواع عديدة من البهارات؛ أهمها القُرنجال، أو عرق الهيل، ومسحوق القرفة والكزبرة والشمار والكمون الأسود، وخليط من عصائر الكركديه والعرديب (تمر هندي) والبلح.

تماضر الطاهر

تضيف الطاهر: تخلط هذه المكونات مع طحين الذرة بماء فاتر؛ حتى تصبح عجينة متماسكة، تترك لأيام مُغطاة في إناءٍ حتى تختمر وتفور، ثم تُخبز في فرن بلدي في عملية طويلة وشاقة تُعرف بـ”العواسة”، وهكذا شطائر “الحلو مر” وتجفف، ثم تنقع بالماء لساعات حتى يصبح لونها أقرب إلى البُني، وتُصفَّى ويضاف إليها السكر حسب الرغبة والثلج، وهذا العصير اسمه “حلو مر”؛ وهو لا يستخدم في الشهور العادية إلا نادراً، ويعتبر مشروباً حصرياً لشهر رمضان، ولربما هذا ما منحه قيمة روحانية ووجدانية في نفوس السودانيين، فأصبح كالمقدس لا تخلو منه مائدة أو بيت سوداني في شهر رمضان.

حلو مُر- سيد مشروبات رمضان في السودان

تستطرد الطاهر: بينما تتراوح معظم مشروبات رمضان في السودان بين منقوعات لثمار الأشجار؛ كالقونقليز والكركديه والعرديب (تمر هندي)، أو عصائر الفواكه المختلفة؛ خصوصاً المانجو والجوافة والبرتقال والموز؛ فإن صناعة الـ”حلو مُر” وحدها تستغرق وقتاً وجهداً، ولربما هذا ما رفع قيمته المادية والروحية بين نظرائه من المُعصرات والمشروبات.

عصيدة بايدام النعيمية

عادلة حسنين

من جهتها، تحدثت الباحثة الاجتماعية عادلة حسنين، إلى “كيوبوست”، حول المائدة الرمضانية السودانية، قائلة: بجانب مشروب حلو مُر، يأتي طبق العصيدة، “سيدة” المائدة الرمضانية؛ إذ تعتبر من الأكلات المشهورة في السودان، وتتكون في أساسها من عجين الذرة الرفيعة المخمَّر، وكوبَين من دقيق الذرة، يضاف إليها نصف ملعقة صغيرة ملح، وتوضع كلها في طنجرة (حَلَّة) على نار هادئة، ويتم تحريك الخليط باستمرار حتى يصبح متماسكاً وناضجاً، ويوضع في قوالب أو أطباق، ويسمى “عصيدة”، وتؤكل بإضافة أنواع من الإيدامات تُسمى بالتقلية والنعيمية والروب، المكون الرئيس لها هو البامية الخضراء أو مسحوق البامية الجافة (الويكة) واللحمة الجافة المسحوقة أو المفرومة واللبن الحامض ومعجون طماطم والفلفل الأسود.

عصيدة بالتقلية والنعيمية

تستطرد حسنين: من أشهى الأطباق المحلية (طبق المفروكة)؛ وهي إيدام (مُلاح) يُطبخ بقليل من الزيت، ويتكون من البامية الخضراء مضاف إليها لحم الضأن، والبصل والملح والفلفل والثوم والكزبرة والشمار، ويؤكل بالعصيدة أو الكِسرة، وتردف: طريقة تحضير المفروكة غاية في البساطة؛ تبدأ بتحميص البصل مع اللحم بالزيت، ثم غمرهما بالماء، وتغطيتهما، وطبخهما حتى يصبح اللحم طرياً، ثم يُخرج ويُقلى وحده بالزيت بشكل منفصل.

اقرأ أيضاً: “المسحراتي” في القدس عادة حاضرة رغم المخاطر والضغوطات

تواصل حسنين حديثها إلى “كيويوست”: أما العصيدة فهي “مخبوز” من الذرة في شكل عجينة، يتم تشكيلها وَفق القوالب التي توضع فيها، وتستطيع أية سودانية أن تصنع العصيدة بشكل سلس وسهل؛ إذ إنها من الأمور البديهية، وقد مهرت أجيال الجدات والأمهات في هذا الشيء أكثر من الأجيال الحديثة، رغم حرص بعض الأمهات على نقل خبراتهن إلى الجيل الجديد. وتؤكل العصيدة على مائدة رمضان بإضافة إيدامات (الويكة والتقلية والنعيمية) ومكونها الأساسي مسحوق البامية المجففة، واللحم القديد. وتحتوي العصيدة على غذاء كامل يحتوي على الفيتامينات والبروتينات، بالإضافة إلى الكالسيوم، والعديد من المواد الأخرى.

صينية إفطار رمضان- وكالات

ووفقاً لتماضر الطاهر: يعتبر طبق الفول بزيت السمسم والطعمية والسلطة البيضاء والشوربة من الأطباق الرئيسية في المدن السودانية دون الأرياف، حيث لا تخلو مائدة إفطار منها طوال الشهر المعظم.
بطبيعة الحال، تأثرت المائدة الرمضانية السودانية بثقافات أخرى؛ فأضافت الحلويات والسمبوسة والزلابية والشوربة والحمص.. وغيرها من المأكولات الوافدة، وكذلك صارت أكثر تنوعاً من ناحية المشروبات، فانضمت إليها عصائر الفواكه المختلفة، بعد أن كانت مقتصرة على: العصيدة والكِسرة والحلو مر، ومشروبات الليمون والتبلدي والكركديه.

ثقافات متعددة

لا ترى الباحثة في التراث الصوفي والشعبي تماضر الطاهر، فرقاً كبيراً بين مائدة العشاء الرمضاني السوداني، وبقية العشاءات الماثلة في الدول الأخرى؛ إذ تضم مائدة العشاء السوداني لشهر رمضان صنوفاً مختلفة من الطعام والحلويات، خصوصاً اللحوم وأنواع السلطات المختلفة والفول والسمك؛ فليس هنالك -حسب الطاهر- مائدة عشاء رمضاني ذات طابع سوداني محلي خاص، كما الحال في مائدتَي الإفطار والسحور اللتين يغلب عليهما طبق من (الرُقاق) المنقوع بالحليب ويقدم بارداً، يعقبه كوب شاي ساخن، وفي حالة عدم توفر (الرُقاق)، وهو رقائق القمح، يكون طبق الأرز بالحليب البارد هو البديل المباشر.

الرُقاق بالحليب- وجبة السحور الأكثر شيوعاً

 ونوَّهت الطاهر باختلاف الثقافات بين مناطق السودان المختلفة؛ ففي غرب السودان يفضلون العصيدة المصنوعة من دقيق الدخن في الإفطار والعشاء والسحور، فقط يغيرون الإيدامات المصاحبة، ولديهم مشروب خاص للسحور مكون من جريش حبوب الدخن باللبن حامض السكر يُسمى “أُم جِنقِرْ”، بينما يُفضِّل أهل الشرق عصيدة الذرة بالحليب أو اللبن الحامض مع السمن والكثير من القهوة في الفطور والسحور.

اقرأ أيضًا: تاريخ الحلوى في السعودية والخليج

لذلك فإن الحديث عن مائدة سودانية واحدة غير صحيح؛ لكننا نتحدث عن الأطباق والمشروبات السائدة فقط، حيث إن التفصيل يحتاج إلى دراسة متكاملة، تختتم الطاهر إفادتها.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة