الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

العصفور الأسود.. التطرف اليميني يقض مضجع فرنسا

كيوبوست – باريس

قبل عام من الآن، وتحديدًا في الخامس والعشرين من شهر يونيو 2018، نفَّذت قوة فرنسية خاصة عملية نوعية في أنحاء متفرقة من البلاد، وألقت القبض على عشرة أشخاص ينتمون إلى خلية يمينية متطرفة كانت تخطط لاستهداف الجالية المسلمة في البلاد.

هي فرقة تبدو أكثر تطرفًا من مجموعة تسمِّي نفسها “متطوعين من أجل فرنسا” وهي مجموعة تضم نحو ثمانمئة شخص، وتدعو إلى محاربة ما تصفه أسلمة البلاد؛ فقد صادرت الشرطة أسلحة ومتفجرات كانت بحوزتها، بل إنها اكتشفت في منزل أحد أفرادها مختبرًا لتصنيع المتفجرات.

الشخصيات التي كانت ستشكل هدفًا لتلك المجموعة تتنوَّع بين أئمة مساجد يبدو عليهم ملامح التديُّن المتشدد، وسجناء جهاديين خرجوا من السجن مؤخرًا، أو نساء محجبات يتم اختيارهن بشكل عشوائي في الشارع.

ربما كانت تلك الحادثة هي الناقوس الذي دقّ جرس الإنذار؛ لتلفت انتباه الفرنسيين إلى بذرة تطرف جديدة لدى أقصى اليمين بدأت بالنمو منذ عدة سنوات دون أن ينتبه أحد؛ حتى أفرزت مجموعات صغيرة أصبحت ترى في التطرف الفكري المرتبط بالعنف نهجًا، ولم تعد مترددة في الانتقال من مجرد احتضان أفكار وشعارات تنبذ الآخر إلى تنفيذ عمليات عنف مسلحة ضد هذا الآخر.

تحقيقات متواصلة

خلال عام كامل زادت قوات الأمن الفرنسية من يقظتها وشددت الرقابة على تلك المجموعات، بل وبدأت في فتح تحقيق ضد كل مَن قد يُشَكِّل شبهة في هذا السياق، لكن المسألة أعمق من ذلك، فالمعالجة الإعلامية لتلك الحوادث كانت تقلل من شأن صعود خطاب الكراهية في المجتمع، وتلقي باللائمة بشكل أكبر على انتشار الجماعات الجهادية وتنفيذها عمليات استهدفت مواطنين على الأراضي الفرنسية، وبات الربط بين الهجرة والإرهاب حاضرًا في خطابات بعض السياسيين والإعلاميين.  

اقرأ أيضًا: هكذا تغوي “منظمات البوابة” الأفراد بالدخول إلى عالم اليمين المتطرف

في حديثه لإذاعة “فرانس إنفو”، شدَّد ستيفان فرانسوا، المتخصص في حركات اليمين المتطرف، على “صعوبة مراقبة أجهزة الاستخبارات الفرنسية للمجموعات اليمينية المتطرفة؛ نظرًا لتوزعها في عدة مناطق في البلاد، وتعدُّد الأيديولوجيات التي تتبناها”.

كما أن هذه المجموعات، كما يقول: “تعمل غالبًا بشكل شبه سري وغير رسمي، ويصعب على أجهزة الاستخبارات الفرنسية متابعتها، خصوصًا إذا تجنَّبت هذه المجموعات استخدام وسائل الاتصال الحديثة للتواصل في ما بينها؛ كالإنترنت مثلًا”.

والصعوبة الأكبر تكمن في أن هذه المجموعات تعمل على تغيير أسمائها ووجوهها وتعيد تشكيل نفسها بسرعة في كل مرة يتم فيها حظر أحدها.

أرقام وإحصائيات

وحسب الخبير الفرنسي، فإن عدد المرتبطين بحركات أقصى اليمين المتطرف في فرنسا يُقدر بنحو ثلاثة آلاف شخص؛ بينهم نحو 1000 شخص على درجة من التصميم لترجمة أفكارهم إلى أفعال، مضيفًا أن “مجموعات اليمين المتطرف تتدرب بشكل شبه عسكري منذ ستينيات القرن الماضي، ويحمل أفرادها أسلحة قانونية، وهم غالبًا عسكريون أو عناصر من الشرطة أو صيادون يرتادون ميادين الرماية” .

 لكن المؤرخ الفرنسي نيكولاس ليبورج، يشير إلى أن العدد الإجمالي لهذه المجموعات الصغيرة لا يزيد على 2500 شخص، وأن هذا العدد بقي كما هو لعدة عقود على الرغم من تطور الديموغرافيا الفرنسية، كما أن وجودهم يزداد كلما اتجهنا جنوبًا في مدن مثل ليون ونيس ومرسيليا.

 العصفور الأسود

هو اسم الخلية الأخيرة التي أعلنت الشرطة الفرنسية عن تفكيكها هذا الأسبوع، وهي مجموعة تضم بين صفوفها شابَّين قاصرَين، كانت تخطط لشن هجمات على أماكن عبادة يهودية ومسلمة. وصدرت اتهامات بين سبتمبر ومايو الماضيين بحق خمسة من أعضاء الشبكة المتشددين، والذين اعتبروا مقربين من عقيدة حركة “النازيين الجدد”، وذلك على خلفية المخطط المفترض الذي ما زال “غير واضح”، حسب مصدر مطلع على التحقيقات.

اقرأ أيضًا: كيف يؤثر صعود اليمين المتطرف في أوروبا على المسلمين؟

 تحقيق برلماني

لجنة في البرلمان الفرنسي نشرت هذا الأسبوع نتائج تحقيق موسع قررت فتحه في وقت سابق؛ لمعرفة الأسباب التي تقف خلف الاعتداءات المتكررة التي تقوم بها تلك المجموعات القريبة من النازيين الجدد؛ لا سيما حوادث الاعتداء المفترضة على مجموعة من الشخصيات السياسية في فرنسا، بينهم جان لوك ميلانشون زعيم أقصى اليسار، وكريستوف كاستنير وزير الداخلية، وحتى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي تعرَّض لمحاولتَي اعتداء خلال الأشهر القليلة الماضية.

في خطابه بمناسبة العشاء السنوي للمجلس التمثيلي اليهودي، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الحكومة إلى اتخاذ “أقسى التدابير” بحق المجموعات والجمعيات التي تروِّج للحقد والعنف والتمييز العرقي، وحل 3 مجموعات اتهمها بمعاداة السامية؛ هي: “لو باستيون” و”كومبا 18″ و”بود آند هونور أكساغون”.

التحقيق البرلماني حول هذه المجموعات خلص إلى تقرير صاغه نائب حزب “الجمهورية إلى الأمام” أدريان موريناس، مؤلف من نحو ثلاثين مقترحًا، ويحذِّر من ظهور خطر “إرهابي” يميني متطرف.

هذه المجموعات اليمينية المتطرفة تختلف أحيانًا في اختيار أسمائها أو أماكن نشاطها؛ لكنها تتفق في ثلاث نقاط مشتركة: “تمجيد العنف”، ولديها “شعور قوي بالكراهية”، كما أنها تعارض “بعنف” الجماعات اليسارية.

 ذئاب منفردة

التقرير البرلماني أشار أيضًا إلى ظاهرة الذئاب المنفردة؛ مثل ماكسيم برونري، الذي حاول قتل رئيس الجمهورية جاك شيراك، في 14 يوليو عام 2002 في أثناء الاستعراض العسكري السنوي في جادة الشانزلزيه؛ احتفاءً باليوم الوطني. ووَفقًا للجنة تحقيق تابعة لمجلس الشيوخ، فقد تم اعتقال 611 شخصًا بتهمة الإرهاب في 1 فبراير 2018: “505 ينتمون إلى شبكات جهادية و28 إلى أقصى اليمين”.

على الرغم من أعدادهم الصغيرة نسبيًّا؛ فإن تلك المجموعات المتطرفة، وَفقًا للتقرير، تنشط على شبكات الإنترنت وتخوض “حربًا حقيقية في نشر المعلومات، والتي تكون في مجملها معلومات مضللة لخدمة أهدافها”، كما أن لديها المئات من الحسابات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تسعى، حسب التقرير، لنشر أفكارها أو” لتعزيز مجتمعاتها وتجنيد المزيد من المتطوعين”.

اقرأ أيضًا: هكذا تسلل اليمين الأوروبي المتطرف إلى كرة القدم.

 حلول مقترحة

لمواجهة تلك الجماعات اليمينية المتطرفة قبل أن تتمدَّد أكثر داخل المجتمع، يقدم النائب الفرنسي أدريان موريناس، عدة حلول مقترحة؛ كتعزيز أدوات جهاز المخابرات والتنسيق بشكل أكبر بين الأجهزة المختلفة المكلفة بتعقبها. كما دعا النائب الفرنسي إلى تشديد العقوبات ضد أولئك الذين سيشاركون في الحفاظ على أو إعادة تشكيل مجموعة مفككة، والتي قد تصل إلى السجن لمدة سبع سنوات وغرامة قدرها 100000 يورو.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة