الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون عربية

العراق يريد إعادة الآلاف من النازحين من مخيمات اللجوء إلى بيوتهم.. وهم قد يتعرضون إلى القتل جراء ذلك

كيوبوست- ترجمات

لويزا لافلاك ومصطفى سالم

الدجيل، العراق- لا تزال المنازل التي دمرها تنظيم الدولة الإسلامية على حالها، ولا تزال رصاصات التنظيم عالقة في السواتر الترابية.

قُتل المئات من سكان قرى المنطقة هنا، بينما كانوا يحاربون مقاتلي التنظيم، ونزح كثيرون أثناء القتال أو بعده؛ خشية أن يتم اتهامهم بالتعاطف مع تنظيم الدولة الإسلامية، إما لأنهم كانوا كذلك فعلاً وإما لأن بعض أقاربهم كانوا على علاقة بالتنظيم.

وبينما تتحدث الحكومة العراقية عن إغلاق معسكرات النزوح؛ حيث يُقيم عشرات الآلاف من هؤلاء النازحين، وإعادتهم إلى قراهم، إذ ينتظرهم شبح الأعمال الانتقامية المحتملة.

يقول كاظم الخزرجي، أحد رجال الدين الشيعة، بينما استقرت نظراته الشاردة على بقايا منزل مدمر: “لقد ذهب تنظيم الدولة الإسلامية؛ ولكننا لا نزال نعيش في حطامها.. وإذا ما رأيت شخصاً كان مع تنظيم الدولة الإسلامية في ما مضى فسأقتله بنفسي؛ لقد قتلوا عائلتي”.

اقرأ أيضاً: مجزرة ضد السنة في العراق.. ومطالبات بتسليح العشائر في المناطق المحررة!

هذه النزعة العدوانية تمثل العقبة الكبرى في وجه خطة الحكومة التي أعلنتها في الخريف الماضي للمضي قدماً في إغلاق المخيمات ضمن برنامج “العودة الطوعية الآمنة” الذي كان رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، قد وعد بتنفيذه.

عائلات من النازحين نصبت خيامها بين أنقاض مخيم مهجور في مدينة بلد- “رويترز”

بعد أكثر من ثلاث سنوات من طرد تنظيم الدولة الإسلامية من المناطق التي استولى عليها في العراق، لا يزال ما لا يقل عن مليون مدني عراقي؛ معظمهم من المسلمين السُّنة، مهجرين، ولا تزال المجتمعات التي ينتمون إليها مشتتة، ولا تزال الندوب النفسية للحرب واضحة كوضوح الدمار في واجهات الدجيل، وليس هنالك من إجابات حول ما يجب فعله لرأب الصدوع التي أصابت المجتمع.

تحذر المؤسسات الإنسانية من أنه إذا ما أُغلقت المخيمات فإن عشرات الآلاف من العراقيين؛ معظمهم من النساء والأطفال، سيواجهون خطر التشرد أو أعمال العنف الانتقامية من الميليشيات الشيعية، وحتى من قبائلهم وأقاربهم؛ بسبب ارتباطات مزعومة لهم بـ”القاعدة”، أو ببساطة بسبب معتقداتهم السُّنية. تعاني هذه العائلات المنبوذة الحرمان من أبسط حقوقها الأساسية، ويواجه شبابها خطر انخراطهم في موجة تطرف جديدة.

قال أحد العاملين في المجال الإنساني، مشترطاً عدم الكشف عن اسمه؛ خشية فقدانه القدرة على العمل في المخيمات: “لو أن هذه العائلات شعرت بأنها قادرة على العودة إلى منازلها، لكانت قد عادت بالفعل.. إن طردهم من المخيمات على أمل أن يعودوا إلى منازلهم سيكون أمراً كارثياً في غياب وجود أي خطط أو ضمانات”.

اقرأ أيضاً: فرحة بين الأنقاض.. عرس إيزيدي في سنجار

إلى أين يمكننا أن نذهب؟

سببت تصريحات رئيس الوزراء موجة من الخوف في مخيمات شمال العراق؛ حيث تحتشد عائلات في خيام متداعية على أرضٍ قاحلة حول أجهزة التلفاز لمشاهدة لقطات لأناس مثلهم، يتم الدفع بهم إلى مستقبل مجهول. قال عدد قليل منهم إنهم يعتقدون أنه ما زال لديهم منازل يذهبون إليها.

قالت عائلات من محافظة صلاح الدين؛ حيث تقع الدجيل، إنها تلقت تهديدات من جيران سابقين. وقال العديد منهم إن أقارب لهم قد حاولوا العودة إلى بيوتهم؛ ولكن تم اعتقالهم في طريقهم إليها، لأن السلطات المحلية فشلت في تزويدهم بالتصاريح الأمنية اللازمة لعبور نقاط التفتيش على الطريق.

اقرأ أيضاً: التهديد المتنامي لذراع إيران “المفضلة” في العراق  (1- 2)

رضا عومان، ذات الخمسين عاماً، التي تنحدر من مدينة بيجي في محافظة صلاح الدين، قالت من أمام خيمتها في مخيم خازر للنازحين: “نحن منبوذون الآن، إلى أين نذهب؟ إلى أين يمكننا أن نذهب؟ يجب أن تفهم، لم يقُم غرباء بهدم بيوتنا، سائق الجرافة التي هدمت بيتي هو ابن أخي.. حتى عائلاتنا تريد موتنا”.

في معركته للسيطرة على الأرض والتطهير الديني، قتل تنظيم الدولة الإسلامية عشرات الآلاف من العراقيين، وأُطلقت حملات تطهير ضد الأقلية الإيزيدية. بدعم من الولايات المتحدة، استمرت الحرب على مسلحي التنظيم ثلاث سنوات، وشرَّدت أكثر من ستة ملايين عراقي من منازلهم.

أدت المعركة لاستعادة معقل “داعش” إلى أزمة جديدة.. مليون نازح عراقي- “واشنطن بوست”

عاد معظم هؤلاء النازحين إلى بيوتهم؛ ولكن مع بداية الخريف كانت مخيمات اللاجئين لا تزال تأوي نحو مئتين وخمسين ألف شخص وفقاً لمنظمات الإغاثة الإنسانية. غادر نحو 34.000 شخص المخيمات منذ أن صعَّد المسؤولون العراقيون من حملتهم لإغلاق المخيمات الواقعة في المناطق العراقية الخاضعة للحكومة الاتحادية. ولا يزال أكثر من 25.000 يقيمون في المخيمات الثلاثة المتبقية في تلك المنطقة من العراق. أما المنطقة الكردية التي تتمتع بحكم شبه ذاتي في شمال العراق فتستضيف 182.000 آخرين في خمسة عشر مخيماً تواجه مصيراً مجهولاً.

اقرأ أيضاً: رئيس الوزراء العراقي يتخذ خطوات إصلاحية جريئة

كثير من هؤلاء النازحين لا يملكون أوراقاً ثبوتية، وسوف يواجهون صعوبة في الحصول على الخدمات الأساسية إذا غادروا المخيمات؛ فكثيرون منهم فقدوا ثبوتياتهم الشخصية أثناء الحرب، والأطفال الذين ولدوا في ظل ما يُسمى “دولة الخلافة” ليس لهم وجود في نظر الحكومة.

يخشى اللاجئون في المخيمات من العودة إلى بيوتهم خوفاً من أعمال انتقامية بحقهم- “واشنطن بوست”

تتخذ السلطات المحلية في مختلف أنحاء البلاد إجراءات مختلفة في استقبال العائدين؛ فمحافظ صلاح الدين عمار جابر خليل، قد صرح بأنه يدعم عودة النازحين؛ ولكن القبائل والميليشيات الشيعية التي قاتلت المتطرفين السُّنة تعترض على عودتهم وتحذر من أن عودة أشخاص مرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية سوف تؤدي إلى عودة هذا التنظيم من جديد.

قال الشيخ الخزرجي من الدجيل: “بالطبع نحن نريد مساعدة النازحين، ونعلم أنهم ليسوا كلهم إرهابيين؛ ولكن في الوقت نفسه فإن الكثير من هذه العائلات لا تزال تحمل هذه الأيديولوجية، وهي أيديولوجية لا تؤمن إلا بالقتل”. وقال قروي آخر: “هؤلاء الرجال وهؤلاء النساء، إنهم جميعاً متشابهون، وإذا ما حاولوا العودة إلى هنا فإن مذبحة ستحصل”.

اقرأ أيضاً: تهجير قسري وتغيير ديموغرافي يستهدفان بلدة المدائن العراقية

محنة الأشخاص غير الموثقين

في مخيم الخازر كان 13 شخصاً من أفراد الأسرة يجلسون على وسائد حمراء رثة إلى جانب رضا عومان؛ كانوا جميعهم من النساء والبنات باستثناء شاب واحد في السابعة عشرة من عمره. وقد اعترفوا أن أفراد عائلتهم الذكور، وهم الآن إما في عداد الموتى أو المسجونين، قد انضموا إلى أو تعاونوا مع تنظيم الدولة الإسلامية عندما اجتاح قراهم عام 2014.

تتساءل عومان باستنكار: “لماذا يعتقد الناس أننا كنا قادرات على السيطرة على رجالنا؟ ابني كان شاباً وقد جنَّده التنظيم؛ فهل تتحمل أمه مسؤولية ذلك؟ هل كان لأولاده أي خيار في الأمر؟”.

اقرأ أيضاً: مَن هم “ربع الله” الذين ينشرون الهلع بين صفوف العراقيين

كان الملحق الخامس لمخيم الجدعة جنوب الموصل محاطاً بمخيمات أخرى على مد البصر؛ ولكنها تحولت الآن إلى مجموعة من الأنقاض تحيط بها سلسلة من الأسوار، تتجول فيها الكلاب؛ بحثاً عن بقايا طعام تركه سكانها وراءهم.

كان الجزء المتبقي من المخيم يعج بالأطفال في كل مكان، وعلى الرغم من انخفاض الحرارة في هذا الشهر كان الكثير منهم يلعبون حفاة على الأرض الصخرية. وكان هنالك طفل في ربيعه الثاني يساعد أسرته في جمع النفايات البلاستيكية؛ على أمل بيعها، وآخر يلعب وحيداً في بركة قذرة.

إغلاق هذه المخيمات سوف يعرض حياة الآلاف من العراقيين إلى الخطر- “واشنطن بوست”

وقالت وضحة خليفة، ذات الخمسة وخمسين عاماً، والتي نزحت من قريتها التي لا تبعد أكثر من عشرة أميال من المخيم: إن إدارة المخيم قالت لها إنه ربما يجب عليها مغادرة المخيم مع أفراد عائلتها الأحد عشر؛ ومعظمهم لم يبلغ الخامسة من العمر. وأضافت خليفة: “لقد بكينا عندما بدأ الآخرون بالمغادرة.. إذا أغلق المخيم ولم تتقبلنا المنطقة فأين يمكننا أن نذهب؟”.

وقالت خليفة أيضاً إنه ليس لدى أي من الأطفال شهادة ميلاد. جميع رجال العائلة قتلوا أثناء مشاركتهم في القتال أو سجنوا بتهمة الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية. وبعد أن استعادت قوات الأمن العراقية السيطرة على المنطقة التي يعيشون فيها، علمت زوجة أحد أولاد وضحة خليفة أنه دون وثائق معتمدة من الحكومة فإن زواجها لن يكون معترفاً به أمام القانون. وقالت خليفة: “لقد حاولت عائلة من المنطقة إجبارها على الزواج مجدداً؛ ولكنها لم تستطع تقبل الأمر، وأحرقت نفسها”.

اقرأ أيضاً: الميليشيات العراقية التي تدعمها إيران جاهزة لتوسيع نفوذها

إرث الحرب

أصر القرويون في منطقة الدجيل، أثناء المقابلات التي أجريت معهم، على أنه يجب على الحكومة العراقية توفير إعادة التأهيل النفسي للعائلات العائدة التي تعاطفت مع تنظيم الدولة أو عانت صدمات بسببه أو تلك التي لا تزال تعاني ندوباً عاطفية بسبب القتال؛ ولكن لم يتم الإعلان عن خطط من هذا القبيل، فالحكومة العراقية غارقة في أزمة اقتصادية، والمنظمات الإنسانية تعاني عجزاً في التمويل.

بينما يقف خارج بقايا منزله، قال عباس الخزرجي، وهو مزارع سُني من أهالي الدجيل، إنه يعيش الآن مع ثلاثين من أقربائه في كوخ من الطوب بناه في مكان قريب. وقال إن شقيقه قُتل مع بناته أثناء معركة الدفاع عن المنطقة عند اجتياح التنظيم لها. كما أنه فقد ولدَيه قاسم وحيدر منذ عام 2015 عندما اجتاحت الميليشيات الشيعية المنطقة لطرد ميليشيات تنظيم الدولة منها، واعتقلت أعداداً لا تحصى من السكان السُّنة بشكل جماعي.

نجا هؤلاء العراقيون من قنابل ورصاص أثناء فرارهم من تنظيم الدولة الإسلامية.. ولكن مأساتهم لم تنتهِ بعد- “واشنطن بوست”

وعندما سُئل عن هوية الجناة، نظر عباس إلى الشيخ الخزرجي ثم طأطأ رأسه، وقال: “لا نعرف”.

“إنها مجموعات غير معروفة”، قال الشيخ الخزرجي بسرعة؛ كثيراً ما تستعمل هذه العبارة للإشارة إلى الميليشيات الشيعية التي انضم بعضها إلى قوات العشائر التي حاربت تنظيم الدولة الإسلامية ثم تمركزت في المنطقة.

وعندما سُئل إذا كان يعتقد أن ابنه ما زال على قيد الحياة أجهش الرجل بالبكاء قائلاً: “الله وحده يعلم، لقد دمرنا تنظيم الدولة الإسلامية. سوف أقتل بيدَي العاريتَين أي شخص يعود.. أقسم أني سأفعل”.

الكاتبان:

لويزا لافلاك: مديرة مكتب “ذا واشنطن بوست” في بغداد، عملت في بيروت في فترة ما بعد الحرب، وعملت قبل ذلك في القاهرة كمراسلة لصحيفة “دايلي تيليغراف”.

مصطفى سليم: مراسل “ذا واشنطن بوست” في مكتب بغداد. انضم إلى الصحيفة عام 2014، وغطَّى نشأة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، وحملة الجيش العراقي لهزيمته.

المصدر: ذا واشنطن بوست

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة