الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

العذاري يخرج عن جبة الشيخ ويعلن رفضه احتكار السلطة

كيوبوست

في الوقت الذي تتفاوض فيه “النهضة” وتبحث لها عن حلفاء في الحكومة القادمة، فإن القيادات الشابة في الحركة يبدو أنها بدأت تفكر في مرحلة ما بعد الغنوشي للخروج من جبته؛ بسبب احتكاره السلطة، والذي بدأ يخرج إلى العلن مع إعلان القيادي البارز في الحركة الإسلامية زياد العذاري، استقالته؛ احتجاجًا على المسار الحالي والخيارات الخاطئة التي تتبعها الحركة.

وتأتي هذه الاستقالة، التي نشرها العذاري على حسابه عبر “فيسبوك”، في الأيام القليلة الماضية، في نفس يوم إصدار مكتب الإعلام والاتصال بالحزب توضيحًا للتأكيد أن القيادي في الحزب والمستشار الاقتصادي لدى رئيس الحكومة رضا السعيدي، قدَّم استقالته (كبقية زملائه في رئاسة الحكومة استجابة لمقتضيات التداول على السلطة)، نافيًا ما نشرته إحدى الصحف حول طلب رئيس حركة النهضة من رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد، إقالة الوزير المستشار.

استقالة تعكس غضبًا متصاعدًا من سياسة الغنوشي

وقال العذاري، خلال رسالته، إنه وجد نفسه “مضطرًّا إلى التخلي عن كل مسؤولية حزبية أو حكومية؛ لأنه غير مرتاح ألبتة للمسار الذي أخذته البلاد منذ مدة، وبخاصة عدد من القرارات الكبرى للحزب في الفترة الأخيرة”، مضيفًا أنه “غير مقتنع بخيارات أخذتها مؤسسات الحزب؛ آخرها كان ملف تشكيل الحكومة القادمة”، معتبرًا أنها “لا ترتقي إلى انتظارات التونسيين ولا إلى مستوى الرسالة التي عبروا عنها في الانتخابات الأخيرة”، متحدثًا أيضًا عن “استعادة نفس أخطاء الماضي”.

ويُوصف العذاري بأنه “الابن المدلل” لرئيس الحركة راشد الغنوشي، وسبق أن طرح اسمه لرئاسة الحكومة، وشغل خطة الأمين العام المكلف بفضاء الحكم في “النهضة”، بالتوازي مع عضويته لمكتبها التنفيذي، كما سبق أن تولَّى عديدًا من الحقائب الوزارية في الحكومات المتعاقبة بعد الثورة، آخرها وزارة التعاون الدولي التي استقال منها إثر دخوله البرلمان.

ورغم أنه لم يُعرف للعذاري أي قرب من التيار الإصلاحي الذي يمثله شق من قيادات “النهضة” الرافضة للخط الذي ينتهجه الغنوشي في إدارة الحكم والتسيير، على غرار عبد الحميد الجلاصي ومحمد بن سالم وعبد اللطيف المكي؛ فإنه من الواضح أنه وجد نفسه خارج حسابات الغنوشي.

اقرأ أيضًا: حركة النهضة التونسية تسير نحو العزلة السياسية

وانتقد زياد العذاري تكليف “النهضة” الحبيب الجملي، بتشكيل الحكومة الجديدة، بقوله: “إن حصول (النهضة) على رئاسة البرلمان كان يقتضي الذهاب في الحكومة إلى شخصية انفتاح مستقلة مشهود لها بأعلى درجات الكفاءة والنزاهة والجرأة تُطَمئن وتجمع أوسع طيف ممكن من التونسيين وتكون قادرة على استعادة الثقة في الداخل وتعزيز إشعاع تونس في الخارج”، معتبرًا أن خيار مجلس الشورى “يضع البلاد على سكة محفوفة بالمخاطر لا نعرف تداعياتها وكلفتها على البلاد”.

كما أكد الأمين العام لحركة النهضة المستقيل زياد العذاري، أن تونس بحاجة إلى رئيس حكومة مستقل ذي كفاءة قادر على حل الملفات بشكل عاجل، كاشفًا عن أنه عارض بشدة تكليف حركة النهضة الحبيب الجملي بتشكيل الحكومة، منوهًا بأنه ليس بشخصية مستقلة، وهو قريب من التيار الإسلامي (النهضة)، حسب قوله.

ويرى الخبير الاستراتيجي ماهر خضر، أنه رغم عشوائية المشهد السياسي في تونس، وعدم خضوعه لمنطق وقراءات العلوم السياسية العصرية، فإن استقالة الأمين العام لحركة النهضة من كل مؤسسات الحركة مؤشر مهم وتعتبر استقالة من الحجم الثقيل بعد استقالة رياض الشعيبي، وابتعاد حمادي الجبالي.

الدكتور ماهر خضر

ويعتبر خضر، في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”، أن هذه الاستقالة من المؤشرات المهمة الدالة على عقم أصاب المشهد السياسي في تونس، حيث تبين بعد مرور تسع سنوات وتجارب حكم مختلفة عدم قدرة الفاعلين السياسيين الموجودين على الساحة على إيجاد حلول حقيقية للمشكلات الحقيقية التي تـعـيـشـهـا الـبـلاد. فـكـانـت سـيـاسـاتـهـم تُـراوح بـيـن اصـطـنـاع الأزمـات أو الـهروب إلـى الأمـام، وبـالـتـالـي مَن كان جزءًا من المشكلة لا يمكن أن يكون الحل.

وأضاف الخبير الاستراتيجي أن السياسة فن ونبل وحكمة؛ إذ إن السياسي النبيل والحكيم يعرف متى يدخل ومتى يخرج؛ حفظا لماء الوجه، ونكرانا للذات، وتقديما للمصلحة العامة على المصلحة الشخصية، لافتا إلى أن ما نشاهده الآن هو تضخم للأنا، وغياب للرؤية وبعد النظر، وتصاعد غـيـر مـسـبـوق للـفـئـويـة والـجـهـويـة والـقـطـاعـيـة عـلى حساب مـصـالـح الـشـعـب ؛ خصوصًا الـشـبـاب والـفـئـات الـهـشـة والـمـحـرومـة.

كما يعتقد خضر أن “الساحة السياسية ستشهد مزيدا من التململ والتحرك في كل الاتجاهات، في محاولات يائسة للتموقع وركوب التيار، لذلك فنحن اليوم في أشد الحاجة إلى إعلاء صوت الحكمة وترشيد الخطاب، والبعد الأخلاقي في الحياة السياسية والعمل على ميثاق يلتقي حوله الجميع، وإذا فشلنا في ذلك –لا قـدر الله- فـإن نـمـو نموذج الانـتـفاضـة فـي الـعـراق لـيـس ببعيد”.

“النهضة” إلى أين؟

 يرى مراقبون أن استقالة العذاري ستفتح الباب أمام تمرد المزيد من القيادات الشابة على قرارات الحركة والخروج من جبة الشيخ؛ وهو ما سيضع الحركة الإسلامية في وضع صعب.

فلا يبدو الوضع العام داخل حركة النھضة على ما يُرام، وذلك بعد إعلان الأمین العام للحركة استقالته من كل المھام الموكولة إلیه دون الانسحاب من الحركة. وعلى أھمیتھا فإن استقالة زياد العذاري تأتي في وقت يستعد فیه مجلس الشورى للاجتماع واتخاذ ما يراه مناسبًا لدعم حكومة المكلف الحبیب الجملي.

مرشح الحركة لرئاسة الحكومة الحبيب الجملي

ورغم تحصُّل الجملي على أغلبیة الأصوات داخل مجلس الشورى في إطار من الديمقراطیة؛ فإن ذلك لا يعني حیازته على مقبولیة نھضوية كاملة، فقد انقسمت المواقف حینھا بین مَن يدعم تسمیة رئیس حكومة من الداخل ومَن يرى ضرورة اختيار شخصیة مستقلة للقصبة، تجنبًا لأي انحرافات أو تأثیرات ممكنة. وراھن، حينها، رئیس الحركة راشد الغنوشي على دفع التوتر عن “النھضة” عبر تبنیه علانیةً موقف أن يكون رئیس الحكومة من خارج “النھضة”، وھو ما من شأنه أن يخفف من حدة التخوفات المطروحة أمام المنافسین السیاسیین.

وقد زاد تشبث ھذا الطرف مع ترأس الغنوشي للبرلمان، وعلیه لا يجب أن تكون رئاسة الحكومة لـ”النھضة”؛ حتى لا يفھم البعض أنھا حالة تغول حقیقي للحركة، الأمر الذي من شأنه أن يعید الجمیع إلى المربع الأول.

اقرأ المزيد: بوادر انشقاق داخل حركة النهضة

وتتوجه الأنظار داخل الحزب، في الأثناء، للمؤتمر القادم المبرمج في شهر مايو 2020، والذي لا يمكن، نظريًّا، لرئيس الحزب راشد الغنوشي، الترشح خلاله لولاية جديدة وَفق النظام الداخلي الحالي.

وفي المقابل، كان قد أكد القيادي ورئيس كتلة الحزب في البرلمان نور الدين البحيري، في لقاءات صحفية، أنه من الوارد تأجيل تاريخ عقد المؤتمر، مضيفًا أيضًا “من الجائز التمديد للغنوشي في رئاسة الحزب إن كان في ذلك مصلحة للوطن والحزب”.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة