الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

العثمانيون جعلوا الجزائريين مواطنين أدنى من فئة “الكراغلة”

وصف الرئيس عبدالمجيد تبون -في حواره مع صحيفة "لوبينيون" الفرنسية- الوجود العثماني بالجزائر طوال قرنَين بأنه "احتلال باسم الخلافة مثله مثل الاحتلال الفرنسي وقبلهما الروماني"

الجزائر- علي ياحي

عاد الجدل مجدداً حول الوجود العثماني في الجزائر ليفتح نقاشاتٍ ويثير كتابات بين مَن يعتبره احتلالاً وطرف يرى أنه انتداب، في وقتٍ تبقى الدعوات إلى كتابة التاريخ “الصحيح” لهذه الحقبة من تاريخ البلاد تراوح مكانها.

وتنقسم الآراء بين مَن يصنف الحضور العثماني إلى الجزائر في 1516، كـ”استجابة لنداء الجزائريين لمواجهة التحرشات الإسبانية”؛ ما يجعل من دخولهم تحريراً للجزائريين من الغزو الإسباني، متخذين من استمرار الدين الإسلامي في البلاد تبريراً، بينما يرى الطرف الثاني أن الوجود العثماني احتلال، لا يختلف عن الاستعمار الفرنسي إلا في بعض التفاصيل، بعد أن سيطروا على الحكم، وجعلوا من الجزائريين السكان الأصليين مواطنين من الدرجة الثالثة بعد فئة “الكراغلة”.

اقرأ أيضاً: تركيا تتسلل إلى الجزائر من خلال الدراما.. ومخاوف من “تزييف التاريخ”

وفي السياقِ ذاته، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، مبروك كاهي، في تعليقٍ لـ”كيوبوست”، أن الوجود العثماني في الجزائر لا يمكن وصفه بالاستعمار؛ لأن العثمانيين لبوا نداء السكان المحليين، كما أنه قانونياً حدث قبل إقرار معاهدة “ويستفاليا” في 1648، التي حددت معالم الدولة القومية، مضيفاً أنه “من وجهة نظري، الوجود العثماني في الجزائر كان أكثر ضرراً من نفعه، وهو ما يفسر سهولة احتلال الجزائر من قِبل الفرنسيين في ما بعد”، قائلاً إنهم حرصوا على تحصيل الضرائب أكثر من بناء الدولة، كما أنهم لم يشيدوا الحصون والقلاع لحماية المدن من الغزو، ولم يُنشئوا جيشاً يتماشى مع تطورات تلك الفترة، واكتفوا بالبحرية فقط، وقد أعدموا القادة المحليين الذين عارضوا وجودهم، مشدداً على أن العثمانيين بقوا في الجزائر ثلاثة قرون، ولا أثر لهم غير بعض القصور؛ مقرات الحكام من دايات وبايات.

د. مبروك كاهي

ويواصل كاهي بأن العثمانيين كانوا حاملي لواء حماية المسلمين والخلافة، ورأوا أن شمال إفريقيا امتداد لإمبراطوريتهم، قائلاً إن هناك بعض النقاط السوداء التي ترتبط بالوجود العثماني في الجزائر؛ مثل أصول “الكراغلة” الذين هم أبناء غير شرعيين من علاقات جنود أتراك مع جزائريات، وهو ما يفسر تغولهم واهتمامهم بالبذخ أكثر من بناء الدولة وتحصينها، موضحاً أنهم حقيقةً طهروا السواحل الجزائرية من الوجود الإسباني، كما أخَّروا احتلال الجزائر قرنَين كاملَين؛ لكن كان بالإمكان تجنيب الجزائر الاحتلال لو اهتموا بهندسة المدن وحمايتها وبناء الجيش.

ويلتهب النقاش والجدل بخصوص هذه الفترة من تاريخ الجزائر، من حين لآخر، ومع كلِّ تصريحٍ لمسؤولين أتراك وجزائريين أو مناسبة تتعلق بتلك الحقبة، ليبقى غياب كتابة صحيحة للأحداث، عاملاً مساهماً في تغذية الصراع بين الرأي المساند المبني على بدايات الحكم العثماني، والمعارض الذي يرتكز على نهاياته.

اقرأ أيضاً: حملة “تخوين” لإخوان الجزائر ضد لاعب سافر إلى إسرائيل

من جانبه، يعتبر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر رابح لونيسي، خلال حديثه إلى “كيوبوست”، أنه لم يطلق أصلاً مصطلح الانتداب والاستعمار على الوجود العثماني؛ لأنهما ولدا مع الاستعمار الأوروبي الحديث، قائلاً إن هناك مَن يرى هذا الوجود احتلالاً؛ خصوصاً في المشرق العربي، ومَن يراه حماية لبلدان مسلمة من غارات واستعمار أوروبي، خصوصاً في البلاد المغاربية، وعليه لا يمكن إصدار أحكام هكذا على عالم إسلامي لم تصله بعد أفكار معاهدة “ويستفاليا 1648″، كما لا يمكن تطبيق نفس الأحكام على عالمَين مختلفَين في نظامهما؛ حيث إن أوروبا بمبدأ السيادة وعالم إسلامي مبنى على شرعية الخلافة الدينية آنذاك.

د. رابح لونيسي

ويضيف لونيسي أن مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبدالقادر، اعتبر الوجود العثماني حكماً أجنبياً، وقد ثار والده ضدهم، فتم نفيه، كما رفض الأمير التعاون مع الحاكم أحمد باي؛ لأنه يراه عثمانياً دخيلاً، مشيراً إلى أن فئة من الجزائريين ترى أن العثمانيين سبب تخلفهم، كما يصنف آخرون هذا الوجود كحماية لهم من خطر مسيحي، رغم ظلمهم واستبدادهم.

اقرأ أيضاً: في مأساة إنسانية.. الأمن التركي ينتهك كرامة عائلة جزائرية

وانتقل الاختلاف في توصيف الوجود العثماني إلى الجهات الرسمية الجزائرية؛ ففي وقتٍ وصف فيه الرئيس عبدالمجيد تبون، في حواره مع صحيفة “لوبينيون” الفرنسية، الوجود العثماني بالجزائر طوال قرنَين بأنه “احتلال باسم الخلافة مثله مثل الاحتلال الفرنسي، وقبلهما الروماني”، في موقفٍ غير مسبوق، يذكر مدير الأرشيف الجزائري، عبدالمجيد شيخي؛ المستشار برئاسة الجمهورية حالياً، في تصريحاتٍ سابقة، أن “الوجود العثماني بالمغرب العربي؛ خصوصاً بالجزائر، كان بإرادة الشعب الجزائري الذي انضم بمحض إرادته إلى الدولة العثمانية، والوثائق التاريخية شاهدة على ذلك”.

عبدالمجيد شيخي

وأضاف شيخي أن الجزائر لم تكن ولاية من ولايات الدولة العثمانية، وإنما كانت شريكاً في السياسة العثمانية؛ حيث كانت لها خلال تلك الفترة معاهدات واتفاقيات مع عديدٍ من الدول، مما يثبت أن الجزائر كانت شريكاً للدولة العثمانية، ولم تكن ولاية عثمانية فحسب، ودعا إلى “ضرورة تحلي المؤرخين وعلماء القانون والباحثين في التاريخ بالموضوعية والمصطلحات الحقيقية في كتابة تاريخ الوجود العثماني بالمنطقة، والعودة إلى الوثيقة التي أرسلها أهالي وأعيان الجزائر إلى الدولة العثمانية”.

الحقوقية لطيفة ديب، تعتبر في حديثٍ مقتضب إلى “كيوبوست”، أن الوجود العثماني في الجزائر جاء كنتيجة للسياسة التوسعية للدولة العثمانية، وللتصدي للغزو الأجنبي، ولإحداث التوازن؛ حيث كانت له غاية الحماية في البداية، لكن تحول في ما بعد إلى احتلال في خيانة واضحة المعالم؛ فبقاء العثمانيين لأزيد من ثلاثة قرون يرجع إلى سياساتها؛ وأهمها سياسة فرِّق تَسُد، وسياسة الامتيازات، مبرزة أن الجدل لن يتوقف إلى أن تتوصل الجزائر إلى معالجة ملف الذاكرة الذي يحمل الأرشيف الأصلي لتلك الحقبة؛ وهي الغنيمة التي سرقها المستعمر الفرنسي لدى إجباره على مغادرة الجزائر بعد الثورة التحريرية للجزائريين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

علي ياحي

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة